* تاريخ علوم الرياضيات عند المسلمين-الحساب- الهندسة - الجبر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

* تاريخ علوم الرياضيات عند المسلمين-الحساب- الهندسة - الجبر

مُساهمة  طارق فتحي في الجمعة أكتوبر 02, 2015 8:33 am

تاريخ علم الحساب عند المسلمين
يعرِّف الكاشي الحسابَ بأنه علمٌ بقوانين استخراج مجهولات عددية من معلومات مخصوصة؛ فموضوعُه العددُ، وهو ما يقع عليه العدُّ، وهو ما كان يستخدمه العربُ منذ الجاهلية إلى صدر العصر العباسي، وكانوا إذا احتاجوا إلى تدوين عددٍ دوَّنوه بالكلمات، كأن يقول: أربعمائة، أو بحساب الجُمَّل؛ أي: بالأحرف؛ إذْ أعطَوا كلَّ حرف قيمةً عددية خاصة به، بصرف النظر عن منزلتِه بين الحروف الأخرى، فكان الأَلِفُ يساوي واحدًا، والباء يساوي اثنين، والياء عشرة، والقاف مائة، والغين ألْفًا، وعند تركيب الأعداد تضاف الحروف، فإذا أريد العدد: "1240" كتبوا "مرغ"؛ لأن الميم أربعون، والراء مائتان، والغين ألْف، كما يتبين مما يلي:
أ ب جـ د هـ و ز
1 2 3 4 5 6 7
حـ ط ي ك ل م ن
8 9 10 20 30 40 50
س ع ف ص ق ر ش
60 70 80 90 100 200 300
ت ث خ ذ ض ظ غ
400 500 600 700 800 900 1000
فالألْفانِ 2000 تقابل: "بغ"، وأربعة آلاف 4000 تقابل: "دغ"، وعشرون ألفًا 20000 تقابل: "كغ"، وهكذا.
ربما كان الحساب بالأحرف الأبجدية ممكنًا ما دامت المعاملات والأمور التي تقتضي الحساب بدائيةً، أما وقد أصبح الاشتغال بالحساب عند المسلمين من مستلزمات علم الفرائض، الذي يقتضي عملياتِ الضرب والتقسيم واستخدام الكسور؛ فإن العمل بنظام الجمَّل يغدو عقيمًا، بل يكاد يكون غيرَ ممكن، الأمر الذي ساهم في دفع المسلمين نحو البحث عن نظام آخر تتيسر به أمورُهم، وتُقضى حوائجُهم.

وقد كان للفتوحات الإسلامية المباركة، والاتصالِ المباشر بحضارات البلدان المفتوحة، وبخاصة بلاد الهند - أثرُها في تحقيق ما كان المسلمون يَصبُون إليه؛ فقد وجد المسلمون أن الهنودَ تخلَّصوا من الرموز والحروف باستخدام أرقامٍ ذات أشكال معينة، وأن الرَّقْم عندهم يكتسب قيمته من المرتبة (المنزلة أو الخانة) التي يوضع فيها، والمراتب هي الآحاد والعشرات والمئات والألوف؛ فالعدد 5 قيمته "خمسة" إذا كان في مرتبة الآحاد، و"خمسون" إذا كان في مرتبة العشرات، و"خمسمائة" إذا كان في مرتبة المئات، وهكذا كلما انتقل العددُ مرتبةً إلى اليسار ضُرِب في عشرة، وكلما انتقل مرتبة إلى اليمين قُسِم على عشرة... فرَاقَ لهم هذا النظامُ واستحسنوه؛ فأخذوا به؛ أي: أخذوا بالنظام العشري.

واستخدم المسلمون الصِّفْرَ - وقد وجدوه عند الهنود كذلك - بدلاً مما يخلو في إحدى المراتب من عدد، على اعتبار أن الصفر يعني عندهم فراغًا أو خلاءً، ومنه قولهم: "عاد فلانٌ صِفْرَ اليدين"؛ أي: خاليَ أو فارغَ اليدين.

أما أشكال الأرقام التي استخدمها المسلمون، فيتطابق بعضُها مع بعض أشكال الأرقام الهندية، ويختلف البعضُ الآخر.

لقد ذكر البيروني في كتابه: "تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة" مفيدًا أن صور الحروف عندهم تختلف في بقاعهم كما تختلف أرقام الحساب... إلى أن يقول: "والذي نستعمله نحن مأخوذٌ من أحسنِ ما عندهم، ولا فائدة في الصور إذا عُرف ما وراءها من المعاني".

ويقول في موضع آخر: "ما أشبه ما في كتبهم من الحساب ونوع التعاليم إلا بصَدف مخلوط بخَزف، أو بدُرٍّ ممزوج ببَعْر، أو بمهى مقطوب بحصى، والجنسان عندهم سيان".

إن عَقْدَ مقارنة بين أشكال الأرقام الهندية الصرفة، وبين أشكال الأرقام العربية التي استخدمت في القديم يبيِّن التطابق بين أشكال الأرقام الهندية 1 و7 و8 و9 (بما فيها الصِّفر) وأشكال الأرقام العربية، واختلافهما في أشكال بقية الأرقام 2 و3 و4 و5 و6؛ مما يدعَم تسميتها - على رأي أستاذ الرياضيات في جامعة دمشق نادر النابلسي - بالأرقام الهندية العربية.

ويذهب الأستاذ نادر النابلسي إلى القول: إنه نشأ عن الأرقام العربية الهندية كتابتان: "مشرقية: تتفق مع الأصل في كافة أشكال الأرقام، ما عدا رقم خمسة الذي يأخذ شكل حلقة كبيرة، ويأخذ الصفر دائرة صغيرة محبرة في داخلها، وهذه تطورت مع الزمن إلى نقطة، وغبارية: وهي تتفق مع أشكال الأرقام الهندية العربية في الأرقام 1 و2 و3 و4، والأرقام الأخرى مأخوذة عن السنسكريتية والناكارية".
ومن قريب (شعبان 1391هـ/ تشرين أول 1971م) نشر الدكتور ألبرت ديتريش، أستاذ الدراسات العربية في جامعة غوتنغن (ألمانيا الغربية) مقالاً ذكر فيه: "أما في الرياضيات فأوربَّا مدِينة لأشهر ممثليها من المسلمين، وهو الخُوارزمي مبتكر علم الجبر، وناشر الأرقام الهندية التي تدعى في الغرب "الأرقام العربية" حتى اليوم..."، إلى أن يقول: "إن ما سماه الغرب الأرقام العربية، هي ليست عربيةَ الأصل حقًّا، وقد حملت النزاهةُ العلمية العربَ على ألا يعتَدُّوا بنسبة هذه الأرقام إلى أنفسهم".
هذا، وقد نقل جربرت الذي أصبح البابا سيلفستر الثاني في عام 390هـ/ 999م، الأرقامَ العربية الهندية، بعد أن تعلمها في الأندلس الإسلامي، نقلها إلى أوربَّا في نهاية القرن الرابع الهجري/ القرن العاشر الميلادي، مما دفع الكتَّاب القدامى في أوربَّا إلى أن يُشيدوا بذِكره؛ فقد أنقذ أوربا من ضنك وعقم الأرقام الرومانية، إلا أن أوربا لم تأخذ بالصفر إلا بعد مدة من الأخذ بالأرقام العربية الهندية، وقد نقله ليونارد دافنشي إلى اللاتينية بلفظه العربي "Cephirum".
ولقد كان من نتائج استخدام المسلمين للأرقام العربية الهندية أن تطورت الرياضيات بعامة، وعلم الحساب بخاصة، تطورًا هائلاً؛ فقد كثُرت التآليفُ في علم الحساب، وكثرت المسائل المطروحة فيها، مسائل تشحذ الذهن، وتقوي التفكير؛ فقد اتبع المؤلِّفون في حلول هذه المسائل أساليبَ متميزة؛ إذ كانوا يوردون لكل عملية حسابية طرقًا مختلفة تتمشى مع مراحل نمو طالب العلم.
ويعد كتاب الحساب للخوارزمي، الذي ضاع أصلُه ولم يصل سوى ترجمة لاتينية ناقصة له - يعد أول كتاب في الحساب، امتلأ بالشواهد، وعرَف الناسُ به أصولَ الحساب والأعداد والعمليات الحسابية، والحق أن كتابي الخوارزمي: "الجبر والمقابلة" و"كتاب الحساب" كانا المعينَ الكبير، وعلى مدى عدة قرون، لكل من كتب في الجبر أو الحساب.

تاريخ علم الهندسة عند المسلمين
لم يكن للعرب في الجاهلية اهتمامٌ يذكر في الهندسة، وما كانت الحاجة تدعو إليها.
ولعل أول عهدهم بثمرات الهندسة كان بعد أن تمت على أيديهم الفتوحاتُ للبلدان والشعوب ذات الحضارات المتقدمة، وبخاصة فيما يتعلق بالبنيان؛ كالقصور والقلاع والحصون.
بَيْدَ أن هذه الحال اختلفت اختلافًا كبيرًا بعد أقلَّ من قرن من الزمان؛ إذ انصرفتْ طائفة من الكتَّاب والعلماء تَنقُلُ علوم البلدان الأخرى، وكان من بين ما نُقل في الهندسة إلى العربية كتب إقليدس وأرشميدس ومنالاووس، فكان لهذه الكتب أثرُها العظيم في إقبال بعض المسلمين على دراسة الهندسة.
وكان كتاب إقليدس أعظمَها أثرًا، وأكثرها تداولاً؛ لِما امتاز به من التنسيق والتنظيم، ولِما وُجد فيه من قضايا وُضِعت على أساس منطقيٍّ عجيب، حتى صار الكتابَ المعتمد الوحيد الذي يرجع إليه كلُّ من يريد التأليفَ في الهندسة.
فلا غرو أن يُترجَم كتاب إقليدس أكثر من مرة وفي أزمان مختلفة؛ فالحجاج بن يوسف بن مطر الكوفي - وقد كان أول المترجمين لكتاب إقليدس - نقله إلى العربية نقلين: أحدهما في عهد هارون الرشيد، ويُدْعى: الهاروني، وهو الأول، والآخر في عهد المأمون؛ لذلك سمِّي بالمأموني، وعليه يعوَّل.
كذلك نقله إسحاق بن حنين (ت 298هـ/ 910م) إلى العربية، وأصلحه ثابت بن قرة الحرَّاني (ت 288هـ/ 901م).
ولقد حظي هذا الكتاب بمنزلة رفيعة عند أهل الاختصاص من المسلمين؛ إذ وجدوا فيه - كما يذكر القفطي - كتابًا "جليل القدر، عظيم النفع، أصل في هذا النوع، لم يكن ليونان قبله كتابٌ جامع في هذا الشأن، ولا جاء بعده إلا مَن دار حوله، وقال قوله".
ولقد اهتم المسلمون بالهندسة اهتمامهم بالحساب والجبر؛ لِما يلزم الناس من الحاجة إليها في جميع ما يتعاملون به؛ من مساحة الأراضي، وكَرْي الأنهار، وبناء الجسور، وتعبيد الطرقات، وعمارة البيوت.
وعظُمت الحاجة إلى الهندسة مع تقدم العلوم الأخرى، ولا سيما علم الضوء، أو ما يسمى البصريات، وعلم الفَلك وعلاقته بالأشكال الكروية، وما يعرض لها من القطوع والدوائر بأسباب الحركات، وما يتصل كذلك بالمخروطات والقطوع المخروطية.
يُعَد "كتاب إقليدس" أو "كتاب الأصول" أو "كتاب الأركان" - كما سماه المسلمون فيما بعد - أبسطَ ما وُضع في الهندسة للمتعلمين، وأول ما ترجم من كتب اليونان، وهو مبدأ العلوم الهندسية بإطلاق.
يشتمل كتاب إقليدس على خمس عشْرة مقالة: أربع منها في السطوح، وواحدة في المقادير المتناسبة، وأخرى في نسب السطوح بعضها إلى بعض، وثلاث في العدد والتمثيل الهندسي، وواحدة في المنطقات والقوى على المنطقات ومعناه الجذور، وخمس في المجسمات.
وقد اختصره الناس اختصاراتٍ كثيرة، وشرحه آخرون شروحًا كثيرة، ومنهم من زاد على نظرياته، وتفنَّن في البراهين وطرق حل المسائل، ومنهم من ألَّف على غراره، وابتكر مسائلَ هندسية جديدة، وأدخل قضايا جديدة لم يعرفها القدماء.
وقد بدأت إضافات المسلمين في علم الهندسة بدءًا من منتصف القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي، حيث توافرت ترجمات أهم المؤلَّفات في الرياضيات اليونانية، ولم تعُدْ مشكلة المصطلحات ذاتَ أثر سلبي؛ فقد هُضم محتوى كتاب الأصول؛ لكثرة ما جرت عليه الشروح، على امتداد ثلاثة أرباع القرن، هضمًا تامًّا.
لقد نشط التأليف عند المسلمين، فألَّفوا في المساحات والحجوم وتحليل المسائل الهندسية، وفي تقسيم الزاوية إلى ثلاثة أقسام متساوية، وفي رسم المضلعات المنتظمة وربطها بمعادلات جبرية، وفي محيط الدائرة، وفي تطبيق الهندسة على المنطق، واشتغلوا في تسطيح الكرة - أي: نقل الكرة إلى السطح، مع حفظ الخطوط والدوائر المرسومة على الكرة - وقد أجادوا فيه على ما فيه من صعوبات، ولهم فيه مستنبطات جليلة.
هذا، وسخَّر بعضهم - وعلى الأخص ابن الهيثم - الهندسة بنوعيها: المستويةِ والمجسمةِ - في بحوث الضوء وتعيين نقطة الانعكاس في أحوال المرايا الكروية والأسطوانية والمخروطية، المحدَّبة منها والمقعَّرة، وابتكروا لذلك الحلول العامة، وبلغوا فيها الذروة.
وقد وضع ابن الهيثم كتابًا في حل شكوك إقليدس، أبرز فيه الدقة في التفكير، والعمق في البحث، والاستقلال في الحكم.
يبرُز ابنُ الهيثم في كتابه هذا رياضيًّا من الطراز الرفيع، يفنِّد كل نظرية، ويرد على كل هجوم نقطةً نقطة، ويقوم بالشرح بأسلوبه البيِّن الرصين.
ومن منجزات المسلمين في علم الهندسة أنهم طبقوها على المنطق.
ولابن الهيثم كتابٌ في ذلك، جمَع فيه الأصول الهندسية والعددية من كتاب إقليدس وكتاب أبولونيوس في المخروطات، قسم ابن الهيثم الأصول ونَوَّعها، ثم أسندها ببراهين منطقية.
واهتم المسلمون أيضًا بهندسة الري؛ ذلك لأن تنظيم الرَّي يقتضي معرفةً بمستوى الأرض وانحدارها، وبكمية المياه وسرعتها ومجراها، ومعرفة طرق البناء التي تؤمن السكور، والسدود، وصمودها بوجه المياه أيام الفياضانات.
واهتموا بالزخارف الهندسية والنقوش والزينة؛ فبرعوا فيها، وأنتجوا روائعَ تتسم بالتناسق والانسجام والدقة؛ كل ذلك نتيجة تمكُّنهم من قواعد الهندسة في ضبط رسم الخطوط والدوائر، وتقسيم الأشكال الهندسية، أو تركيبها على بعضها بصورة دقيقة وجميلة.
أما فيما يتعلق بمنجزات المسلمين في التأليف، فهي كثيرة ومتنوعة، يذكر منها على سبيل المثال لا الحصر كتاب "المساحة والهندسة" لأبي كامل شجاع الحاسب المصري (ت نحو 340هـ/ 951م)، ورسالة له أيضًا "في المضلع ذي الزوايا الخمس وذي الزوايا العشر"، كما يذكر كتاب "الشكل المدور والمستطيل" لأخيه الحسن بن موسى، استخرج الحسنُ فيه مسائلَ هندسية؛ كقسمة الزاوية إلى ثلاثة أقسام متساوية.
ولقد اطلع يوشكفيتش على الأشكال الهندسية في رسالة لبنى موسى، واستنبط منها أن توفيقًا عظيمًا لصالح علم الهندسة قد تحقق في بغداد خلال بضعة عقود.
ومن الكتب الهندسية الرائدة كتاب "استخراج الأوتار في الدائرة بخواص الخط المنحني منها" لأبي الريحان محمد بن أحمد البيروني، ابتكر فيه طرقًا مختلفة لحل الأعمال الهندسية.
ومما يجدر ذكره أن الرياضيين المسلمين تمكنوا في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي من وصف أعمال هندسيَّة بارعة، وتحدثوا عن الآلات اللازمة لذلك في رسائل متخصصة، مثل كتاب "في الأعمال الهندسية" لأبي الوفاء محمد البوزجاني المهندس (ت٣٨٨هـ/ ٩٩٨م)، جعله على ثلاثة عشر بابًا، في عمل المسطرة والكونيا والبركا والأشكال.
يعد البوزجاني من أئمة الأعلام في الهندسة، وله فيها استخراجات غريبة لم يسبقْه إليها عالم آخر.
وفي هذا الكتاب تجربة تُذكَر لأول مرة، تحل بواسطتها المسائل الهندسية بفتحة بركار ثابتة، وهي التجربة التي أخذ بها الغرب بدءًا من القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي، بوساطة ليوناردوفينشي وفراري ferrari.
وله في تبسيط الهندسة لأصحاب المهن كتاب "ما يحتاج إليه الصنَّاع من أعمال الهندسة".
ولقد عالج البوزجاني مسائلَ هندسية كثيرة جدًّا؛ نتيجة خبرته الرياضية الفذة.
ولأبي سهل الكوهي (ت نحو ٣٩٠هـ/١٠٠٠م) ولأبي سعيد السجزي (ت ٤٧٧هـ/١٠٨٤م) ولأبي جعفر بن الحسين (ت نحو ٤٠٠هـ/١٠١٠م) رسائلُ من هذا القبيل؛ أي: في وصف الأعمال الهندسية.
وقد وجدت إحدى الرسائل في البركار التام، عُمل - في الغالب - في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي ليُستخدَم في رسم المخروطات، امتاز هذا البركار على البركار العادي الذي كان مألوفًا، يطول ويقصر بانتظام خلال الدوران.
ومن الأشكال الهندسية التي أخذها كوبرنيكوس kopernikus (ت 950هـ/١٥٤٣م)، وفراري (ت ٩٧٣هـ/١٥٦٥م) وPh.De Lahire (ت 1131هـ/١٧١٨م) - الشكلُ الذي وضعه نصير الدين الطوسي (ت 672هـ/١٢٧٤م)، وهو "دائرة صغيرة تتحرك في دائرة أكبر"، بل ذكر سزكين نقلاً عن أن الشكل الذي أورده كوبرنيكوس، يتفق من حيث الشرح - بما فيه الحروف الأبجدية بكل تفاصيله - مع شكل نصير الدين.
ويذكر Rosenfeld أهمية المساهمة الكبيرة التي قام بها كل من ابن الهيثم والخيَّام والطوسي في مجال الهندسة، حيث حاولوا أن يبرهنوا المسلَّمة الخامسة من مسلَّمات إقليدس، ومفادها: "إذا وقع خط مستقيم على خطين مستقيمين، فصيَّر الزاويتين الداخلتين اللتين في إحدى الجهتين أصغرَ من قائمتين، فإن الخطين المستقيمين إذا أخرجا في تلك الجهة، التقيا".
إن أهمية مساهمتهم لم تتضح إلا في القرن الثالث عشر الهجري/ التاسع عشر الميلادي.
فلقد كانت الأشكال التي وضعوها في خواص المضلعات ذوات الأربع الزوايا ودراستهم لفرضيتي الزاوية الحادة والمنفرجة كانت الدعوة الأولى في الهندسة غير الإقليدية، وتمثل أهمَّ الاكتشافات في الرياضيات الحديثة التي اعتمد عليها كلٌّ من ريمان الألماني (ت ١٢٨٣هـ/١٦٦٣م) ولوبتشفسكي الروسي (ت 1273هـ/ 1856م).
بل إن أثر كتاب "تحرير أصول إقليدس" لصاحبه نصير الدين الطوسي، وأثر البحوث الأخرى التي وردت في كتابه الآخر "الرسالة الشافية" - يبدو جليًّا في أعمال كلٍّ من جون واليس J. WALLIS (ت 1280هـ/ 1663م) الإنكليزي، وسكاري G. Sacchari (ت ١١٤٦هـ/١٧٣٣م) الإيطالي، المتعلقة بنظرية الخطوط المتوازية.
ومما ينبغي ذِكْرُه أخيرًا أن أوروبا لم تأخذ الهندسة من كتب اليونان مباشرة، بل أخذتها عن الكتب التي ألَّفها المسلمون، ونقلها الأوربيون إلى لغاتهم، وقد استمر ذلك حتى عام (٩٩١هـ/١٦٨٣م)؛ أي: حتى نهاية القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي؛ حيث اكتشفت لأول مرة مخطوطة من كتاب إقليدس باللغة اليونانية.

تاريخ علم الحبر عند المسلمين
يعرَّف علم الجبر والمقابَلة على أنه صناعة يُستخرج بها العددُ المجهول من قِبل المعلوم المفروض، إذا كان بينهما نسبةٌ تقتضي ذلك.
ومدار الجبر: جذور وأموال، وعدد مفرد لا ينسب إلى جذر ولا إلى مال.
فالجذر منها: كل شيء مضروب في نفسه من الواحد، وما فوقه من الأعداد، وما دونه من الكسور.
والمال: كل ما اجتمع من الجذر المضروب في نفسه.
والعدد المفرد: كل ملفوظٍ به من العدد، بلا نسبة إلى الجذر ولا إلى المال.
والجبر والمقابلة: عبارة تعني حل المسائل ذات المجهول الواحد أو الأكثر، بحيث يعمل في المسألة على أن يخرج منها إلى معادلة بين مختلفين أو أكثر.
أما كلمة جبر، فكان يقصد بها: نقل الحدود من شطر إلى آخر من المعادلة.
وكلمة المقابلة: توحيد الحدود المتماثلة.
وقد انتهت المعادلة عند الخوارزمي (ت بعد 232هـ/ 846م) - وهو مؤسس علم الجبر والمؤلف الأول فيه - إلى ست مسائل؛ لأن المعادلة بين عدد وجذر ومال مفردة أو مركبة تجيء ستة:
1- أموال تعدل جذورًا أو بلغة الرموز م س2= ب س.
2- أموال تعدل عددًا أو بلغة الرموز م س2= حـ.
3- جذور تعدل عددًا أو بلغة الرموز ب س= حـ.
4- أموال وجذور تعدل عددًا أو بلغة الرموز م س2+ ب س= حـ.
5- جذور وعدد تعدل أموالاً أو بلغة الرموز ب س+ حـ = م س2.
6- أموال وعدد تعدل جذورًا أو بلغة الرموز م س2+ حـ = ب س.
يؤخذ من مقدمة كتاب الجبر والمقابلة للخوارزمي، أن الخوارزمي ألَّف هذا الكتاب تلبية لطلب المأمون، ولما يلزم الناس من الحاجة إليه في مواريثهم ووصاياهم، وفي مقاسمتهم وأحكامهم وتجاراتهم، وفي جميع ما يتعاملون به بينهم من مساحة الأرضين ولرَي الأنهار، والهندسة، وغير ذلك من وجوهه وفنونه.
ومما يلفت النظرَ أن الخوارزميَّ حينما وضع معادلته وضعها كلامًا، ولم يستخدم رموزًا، وحلها وحل جميع المعادلات التي وردت في كتابه دون أن يستخدم رمزًا أو حرفًا أبجديًّا، وفي ذلك - بالطبع - صعوبةٌ بالغة.
ولقد تجلَّت عبقريةُ الخوارزمي ومكانتُه الرفيعة في علم الجبر من خلال تلك المعادلة، بل قام كتاب الجبر والمقابلة على أساسها، تؤول المعادلة إذا ما وضعت بالرموز المعاصرة إلى الشكل التالي:
ومما ينبغي الإشارةُ إليه أن الخوارزمي ومن جاء بعده من العلماء المسلمين في الرياضيات - اكتفَوا بالجذر الموجب، ولم يأخذوا الجذر السالب بعين الاعتبار؛ إذ لم يكن يَعنيهم إلا النواحي العلمية، ولم يعيروا اهتمامهم إلى الناحية النظرية.
كذلك فقد أشار الخوارزمي إلى أن المسألة تغدو مستحيلة إن لم يكن للمجهول قيمةٌ حقيقيَّة فيها؛ أي: إذا كان الجذر جذرًا تخيُّليًّا، وقد تبعه الرياضيون على ذلك، وهذا ما فتح المجال - فيما بعد - للتفكير بالأعداد التخيُّلية.
وبعد وفاة الخوارزمي بمدة، لمع نجم أبي كامل شجاع بن أسلم بن محمد الحاسب المصري (ت نحو 340 هــ/ نحو 951م)، الذي أعطى علم الجبر دفعةً جديدة في كلٍّ من جانبيه النظري والعملي، وأضاف إلى مفهوم الجذور والمال والعدد المفرد - أضاف قوى الرتب العليا للمجهولات: الكعب [وهو المال المضروب بالجذر (الشيء)]، ومال مال ومال مال شيء، وكعب كعب ومال مال مال مال، وسمي المجهول الأول بالشيء، والثاني بالدينار، والثالث بالفلس، والرابع بالخاتم.
• ثم جاء أبو بكر محمد بن الحسن الكرجي (ت 419هـ/ 1029م) بعد أبي كامل شجاع ليقرِّر أن متوالية القُوى يمكن أن تطول إلى ما لا نهاية في ترابط تناسبي، ومن استنباطاته الطريفة أن مجموع مكعبات الحدود في متوالية طبيعية يساوي مربع مجموع هذه الحدود:
وفي كتاب البديع للكرجي المتطابقات الآتية:
يذكر السَّمَوْءَل[1] أن الكرجي عرف حلاًّ عامًّا لمفكوك ذي الحدين (أ+ب) ن من القوة معتمدًا على المثلث الحسابي (الذي ينسبه الغربيون إلى الرياضي الفيزيائي باسكال (ت1073هــ/1662م) كما للكاشي دور في هذا المثلث، وما ورد في هذا الكتاب يعطي فكرة واضحة عن معرفة الكرجي لموضوع المثلث الحسابي في مفكوك ذي الحدين، وعلى الأقل حتى الدرجة الرابعة.
ويعالج الكرجي في الكتاب - ولأول مرة في تاريخ الجذور - استخراجَ الجذر التربيعي لكثير حدود جبري بمجهول واحد، في باب استخراج جذور المقادير التي في حد المجهولات المنطقة بالطول، وإن لم ينجح الكرجي في إيجاد جذر تربيعي لكثير حدود جبري ذي أمثال مختلفة الإشارات، وأتم السَّموءل عمل الكرجي بأنْ طبَّق قاعدة إيجاد الجذر التربيعي على أيِّ كثير حدود.
والكرجي هو من أوائل من درس المعادلات ثلاثية الحدود من الدرجة الثانية بالنسبة لأي أس مجهول، كما درس بعضًا من معادلات الدرجة الرابعة والسادسة والسابعة.
وفي مستهل القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي بدأ رياضيو بغداد في دراسة معادلات الدرجة الثالثة على نحو شامل، فأبدعوا فيها أيما إبداع؛ وذلك بدافع البحث في مسألة لأرخميدس، ومفادها: تقسيم كرة بسطح، بحيث يكون حجم القطع الناتجة في تناسب معيَّن.
• والماهاني (ت 275هـ/ 888م) هو أول من حاول - من العلماء المسلمين - إيجاد حل هذه المسألة، فوُفِّق في وضع معادلة لها، سمِّيت - فيما بعدُ -: معادلة الماهاني، ولم يُوفَّق لإيجاد جذور للمعادلة.
• أما أبو جعفر الخازن (ت نحو 400هـ/ 1010م)، فقد وفِّق إلى حلها حلاًّ هندسيًّا مستعينًا بالقطوع المخروطية، كما وفِّق في الوقت نفسه الحسن بن الهيثم في حل مسألة أرخميدس مستعينًا بالقطع المكافئ والقطع الزائد.
• أما عمر الخيام (ت 515هــ/ 1121م)، فكان ذا عقلٍ رياضي فذٍّ، وموهبة علمية ذات قدرة فائقة على الربط والتنظيم والتنسيق؛ فهو من العلماء الرواد القلائل الذين صنفوا المعادلات بحسب درجاتها، وبحسب عدد الحدود التي فيها، وقد تمكن من حل معادلات من الدرجة الثالثة والرابعة، وفرَّق بين الحساب والجبر، وتمكَّن كذلك من حل المعادلات التكعيبية بطرق هندسية، في حين تمكن معاصره البيروني (ت 440هـ/ 1048م) من حلها بطرق جبرية.
وقد نهج علماء الجبر المسلمون في تطوير الجبر منهجين: منهجًا يقوم على تطوير الجبر بالهندسة؛ أي: باستخدام الأشكال الهندسية لاستخراج جذور بعض المعادلات، ومنهجًا آخر يقوم على تطبيق الحساب على الجبر وتوسيع مفهوم العدد بمحاولات غير مباشرة، وبذا استقلت العمليات الجبرية عن التمثيل والتصور الهندسي؛ فقد ربط العلماء المسلمون - على عكس الهنود والإغريق - بين العلمية الحسابية والعلمية الهندسية.
وهكذا ساعد هذا المنهج في نشوء الهندسة التحليلية فيما بعد، وتُعَد هذه النتيجةُ قمةَ ما وصل إليه الرياضيون المسلمون في علم الجبر، ومن أعظم ما وصل إليه علماء الرياضيات في الوقت الحاضر.
ومما يؤسَف له أن المسلمين تأخروا في استخدام الرموز في علم الجبر مدة طويلة؛ إذ لم تستخدمْ إلا في وقت متأخر، ولعل أحمد بن محمد بن البناء المراكشي (ت 721هـ/ 1321م) هو أولُ من استخدم الرموز الجبرية وطبقها في كتابه: "رفع الحجاب"؛ فقد ذكر سزكين نقلاً عن Renaud، أن الأخير وجد أن أبا العباس أحمد بن حسن بن قنفذ (ت 809هـ/ 1406م) - وهو أحد تلاميذ أحفاد ابن البناء المراكشي - قد استخدم لغة رموز متطورة، وبلغت لغة الرموز مستواها الأمثل في كتاب "كشف الأسرار من علم الغبار" للقلصادي[2] (ت 891هـ/ 1486م)؛ فقد استخدم القلصادي الحرف "ج" بدلاً من جذر تربيعي، والحرف "ش" للدلالة على شيء، (المجهول س)، والحرف "م" للدلالة على كلمة مال (أي س2) والحرف "ك" للدلالة على كعب (أي س3)، والحرف "ل" للدلالة على يساوي أو يعادل، والنقاط الثلاث للدلالة على النسبة، وحرف الجر (إلى) للدلالة على الضمِّ، وأداة الاستثناء (إلا) للدلالة على الفرق، ومن المرجح أن Vieta - فيته[3] (1012هـ/ 1603م) قد اطلع على كتاب القلصادي.
واشتغل المسلمون فيما يتعلق بـ "ذات الحدين"، وبواسطتها يمكن رفع أي مقدار جبري ذي حدين إلى قوة معلومة، أسُّها عدد صحيح موجب أكثر من اثنين، يقول الخيام: "إنه تمكن من إيجاد مفكوك المقدار الجبري ذي الحدين حينما تكون قوته مرفوعة إلى الأسس 2، 3، 4، 5، 6 أو أكثر بوساطة قانون كشفه هو".
واشتغل المسلمون - كذلك - بالجذور الصماء، بل إن الخُوارزمي هو أول من وضع المصطلح "أصم" للدلالة على العدد الذي ليس له جذر، فضلاً عن ذلك فقد أوجد العلماء المسلمون طرقًا جبرية جديدة في إيجاد القيم التقريبية للأعداد والكميات التي يتعذر إيجاد جذر لها؛ مما يدل على عبقريتهم الفذةِ، وقوة تفكيرهم، وتمكنهم من علم الجبر.
وفي باب المساحة من كتاب الجبر والمقابلة للخُوارزمي عمليات هندسية حلَّها بطرق جبرية؛ مما يدل على أن المسلمين هم أول من استعان بالجبر في حل المسائل الهندسية، وقد برزت هذه الطريقة عند الرياضيين المسلمين بشكل واضح بارزٍ، بدءًا من النصف الثاني من القرن الرابع الهجري؛ إذ لجأ الكثيرُ من الرياضيين في حل مسائل هندسية ومثلثية إلى معادلات من الدرجة الثالثة، ومنها تقسيم الزاوية ثلاثة أقسام متساوية، ومسألة تعيين أضلاع مضلع منتظم.
يَذكُر كاجوري في كتابه "تاريخ الرياضيات" - فيما يَذكُر -:
"... إن حل المعادلات التكعيبية بوساطة قطوع المخروط من أعظم الأعمال التي قام بها العرب...".
وبذا فقد سبق المسلمون ديكارت وبيكر في هذه البحوث.
ويذكر كاجوري - كذلك - أن الرياضيين المسلمين حاولوا أن يحلوا مسائل تؤول إلى معادلة على النحو التالي:
وتتعلق بإيجاد ضلع مسبع منتظم، وممن وفِّق في حلها - على الرغم من صعوبتها - أبو الجود من علماء القرن الرابع/ العاشر.
أما الماهاني - انظر قبله - فقد عالج المعادلة التي وضعها بنفسه لحل مسألة أرخميدس، وعرفت فيما بعد بمعادلة الماهاني:
لكنه أخفق في الوصول إلى حل لها، وحل المسلمون بعض أوضاع المعادلات ذات الدرجة الرابعة، واكتشفوا النظرية القائلة: إن مجموع مكعبين لا يكون عددًا مكعبًا صحيحًا، وهذا هو أساس نظرية فرمات Fermat (ت 1076هـ/ 1665م).
وقد جمع المسلمون في حلولهم للمسائل بين الهندسة والجبر في بعض الأعمال الهندسية، فاستخدموا الهندسة لحل بعض الأعمال الجبرية، كما استخدموا الجبر في الهندسة، فهم بذلك واضعو أساس الهندسة التحليلية وليس ديكارت (ت 1061هـ/ 1650م).
فقد أثبت كل من يوشكفيتش وروزنفلد Rosenfeld أن ابن الهيثم هو الذي أوجد مجموع مسلسلتي الأس الثالث والرابع للأعداد الطبيعية عندما كان يقوم بحساب حجم الجسم الدوراني الناتج عن دوران قطعة قائمة من قطع مكافئ حول محور عمودي على محور تماثلها، على غرار ما يأتي بالرموز الجبرية الحديثة:
وبذلك فقد مهَّد المسلمون لعلم التفاضل والتكامل، كما مهد له من قبلهم اليونان بالمبادئ والأعمال التي وضعها علماؤهم، والطرق المبتكرة التي وضعها العلماء الهنود، فقد أخذ العرب - كما يذكر كاربنسكي - هذه المبادئَ وتلك الأعمال والطرق ودرسوها وأصلحوا بعضها، ثم زادوا عليها زيادات هامة، تدل على نضج في أفكارهم، وخصب في عقولهم.
المصدر: لمحات في تاريخ العلوم الكونية عند المسلمين
[1] هو السَّمَوءل بن يحيى بن عباس المغربي، كان - كما يذكر ابن أبي أصيبعة والقفطي - فاضلاً في العلوم الرياضية، أحكم أصولَها وفوائدها ونوادرها، وكان عدديًّا هندسيًّا هيئيًّا، وله في ذلك مصنفات، كما كان عالِمًا بصناعة الطب، وأصله من بلاد المغرب، وسكن مدة في بغداد، ثم انتقل إلى بلاد العجم، ولم يزلْ بها إلى آخر عمره، ونقل ابن أبي أصيبعة عن عبداللطيف البغدادي (انظر ترجمته بعد) أن السَّمَوءلَ هذا شاب بغدادي كان يهوديًّا ثم أسلم، ومات شابًّا بمراغة بأذربيجان، وبلغ في العدديات مبلغًا لم يصلْه أحدٌ في زمانه، وكان حادَّ الذهن جدًّا، بلغ في الصناعة الجبرية الغاية القصوى، له كتب في الرياضيات والطب وكتاب "بذل المجهود في إفحام اليهود" أظهر فيه معايب اليهود، توفِّي عام 570هـ/ 1175م.
[2] هو علي بن محمد بن علي القرشي البسطي، أبو الحسن، الشهير بالقلصادي: عالم بالحساب، فرضي، فقيه من المالكية، أصله من بسطة (Baza) وبها تفقَّه، وانتقل إلى غرناطة فاستوطنها، ورحل إلى المشرق، وتوفي بباجة تونس قبل سقوط غرناطة بست سنوات.
[3] رياضي فرنسي اشتغل بالجبر، يزعمون أنه أول من استخدم الحروف الأبجدية رموزًا في المعادلات الجبرية.

تاريخ علوم الرياضيات عند المسلمين
لا يكاد الباحث في تراث العرب في الجاهلية يخرج بطائلٍ يُذكر في أي من علوم الرياضيات: الحساب أو الجبر أو الهندسة أو المثلثات، ولا غرو؛ فإن ثروةَ العربي في الجاهلية وتجارتَه كانتا بُدائيتين محدودتين لا تتطلبان معرفةً مُتَمَيِّزة في أيٍّ من الحساب أو الجبر، وأنَّى له بالهندسة أو المثلثات وهو لا يفتأ يتنقل بأنعامه وخيوله من مكانٍ إلى آخر، ولا يرى في القصورِ أو العمائر ما يُشبع رغبتَه، ويُسعد جوانبَه، ولسانُ حاله يقول:
لَبَيْتٌ تَخفِقُ الأرواحُ فيه
أحبُّ إليَّ من قصرٍ مُنيفِ
بَيْدَ أن الباحثَ لا يعدم أن يجد هنا أو هناك أبياتًا من الشعر تتضمَّنُ مسألةً حسابية أو مسألة جبرية لا تعدو المجهولَ الواحد، من ذلك ما يُروى عن زرقاءِ اليمامة أنه كانت لها قَطَاة، فمرَّ بها سِرب من القطا فنظرت إليه وقالت:
يا ليت ذا القَطا لنا
ومِثْل نصفِه معهْ
إلى قطاةِ أهلِنا
إذًا لنا قطًا مِائَهْ
وقيل: كانت لها حمامة، فمر بها حمامٌ فقالت:
ليتَ الحَمَامَ لِيَهْ
إلى حمامتِيَهْ
ونصفه قَدِيَهْ
صارَ الحَمامُ مِيَهْ
فوقع في شبكة صائد، فوجدوه ستًّا وستين كما قالت.
وقد أجاب النابغة الذبياني مسألتها إذ أدرك الحلَّ بذكائه، (ومن المعروف أن الحل هو العدد الذي يحقق المعادلة: س+ س/2 +1= 100).
فذكره في معلَّقته ضمن الأبيات الآتية:
احكُمْ كحُكمِ فتاةِ الحيِّ إذ نظرتْ
إلى حَمامٍ شِراعٍ واردِ الثَّمَدِ[1]
يَحفُّه جانبَا نِيقٍ وتُتْبِعُه
مثلَ الزجاجةِ لم تَكْحَلْ من الرَّمَدِ[2]
قالتْ: ألا ليتما هذا الحمامُ لنا
إلى حمامتِنا أو نصفُهفَقَدِ[3]
فحسَّبوُه فألفَوْه كما زعمتْ
تسعًا وتسعين لم تَنْقُصْ ولم تَزِدِ
فكمَّلت مائةً فيها حَمَامَتُها
وأسرعت حِسْبةً في ذلك العددِ

ولقد ظل أمرُ العرب في الجاهلية كذلك حتى جاء الإسلام، وسطع نورُه في صدورهم، وتجاوبت معه عقولُهم الصافية، وأذهانهم الوقَّادة، فتغيَّرتْ أحوالُهم، وتبدَّلت أوضاعُهم، وصاروا جنودَه الأبرار، وانطلقوا به يفتحون البلدان، ويعمرون القلوب بالإيمان، إنما يبتغون فضل الله ورضوانه، كالنور يهزم جحافل الظلام.
حتى إذا كانت لهم الفتوحات، وامتد سلطانُ الإسلام طولاً من بحر الصين إلى بحر الظلمات، وعرضًا من بحر الهند إلى أعالي القوقاز، ما كان منهم إلا أنْ نَفَرَ من كل فرقة منهم طائفةٌ ليتفقهوا في الدِّين، مستجيبين لآيات الكتاب الكريم.
وما عسى المؤمن المسلم الواعي مداركَ هذا الدِّينِ وغاياته وأهدافه، ما عساه يفعل وهو يتلو قوله - سبحانه -: ﴿ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا ﴾ [الإسراء: 12] إلا أن يُذْعن إلى أمر الله، ويتفقَّه في الحساب؟ والحساب إنما هو معارفُ متضحة، وبراهينُ منتظمة، ينشأ عنها في الغالب عقلٌ مضيء دَرِبٌ على الصواب، وفي كتاب الله أوامرُ وتكاليف جديدة تُعْنَى بالإرث وبالمعاملات وبالديون، من ذلك قوله - سبحانه وتعالى -:
﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ ﴾ [النساء: 11، 12].
وهذه الأمور تقتضي أن يتوافر بين المسلمين علماءُ يدركون مراميَها، وينفذون ما جاء فيها، وهناك آياتٌ أخرى في المعاملات، وفي الديون، وفي الغنائم.
كذلك فإن السُّنَّة تُرَغِّب في تعلُّم الفرائض وتحث عليه، من ذلك قوله - عليه الصلاة والسلام - فيما رواه ابن مسعود - رضي الله عنه -: ((تعلَّموا القرآن، وعلِّموه الناس، وتعلموا الفرائض وعلِّموها؛ فإني امرؤٌ مقبوض، والعلم مرفوع، ويوشك أن يختلف الناسُ في الفريضة والمسألة، فلا يجدان أحدًا يخبرهما))؛ رواه أحمد والترمذي والنسائي والحاكم.
وهكذا كانت تعاليم الإسلام عونًا ومعينًا للإنسان المسلم في أن يبدِّدَ سُحُب ظلام الجهل، فكانت هذه الوثبة العلمية المباركة، وغدا أحفادُ العربي الأمي روَّادَ العلوم النافعة، بل صاروا أساتذة الدنيا بعد أن كانوا في إحدى زواياها مهمَلين، والناس من حولهم فيهم زاهدين.
أجل كانت وثبةً جامعة شاملة لكل العلوم النافعة، ومنها - بالطبع - علوم الرياضيات التي تنشط العقل، وتصلح أمور العباد والبلاد، وقد تناول المسلمون الرياضيات بالبحث والدراسة وربطوها بواقعهم وبحياتهم وسبل معيشتهم؛ ومن ثَم فقد تميزت الرياضيات عند المسلمين - من أول عهدهم بالرياضيات - بالمزج العميق بين الأماني الهادفة إلى حل المسائل التي تطرحها الحياةُ العملية، والعمل الزاخم في الفكر النظري المتعلق بأسرار الكون؛ استجابةً لِما جاء في كتاب الله وسنَّة نبيِّه، مثل قوله - سبحانه -: ﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [يونس: 101].
وعلم الحساب ألصقُ علوم الرياضيات بالناس، وأكثرها استعمالاً، وهو أول مراقي العلوم العددية في مجموعة الرياضيات.
[1] احكُم: أي كن حكيمًا ولا تُخطئ في أمري، وروي "واحكم" كما رُوي "فاحكم"؛ شراع: بالشين المعجمة، جمع شارعة، يريد التي شرعت في الماء، ويروى بالسين المهملة جمع سريعة؛ الثَّمد: الماء القليل.
[2] يحفه: أي يحيط به؛ وجانباه: ناحيتاه، النِّيق: الجبل.
[3] فَقَدِ: فحسْب.
رابط الموضوع: http://www.alukah.net/library/0/46561/#ixzz3nOhyazSp
avatar
طارق فتحي
المدير العام

عدد المساهمات : 2805
تاريخ التسجيل : 19/12/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alba7th.3oloum.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى