شخصيات يهودية عراقية صالح (نعيم) طويق

اذهب الى الأسفل

شخصيات يهودية عراقية صالح (نعيم) طويق

مُساهمة  طارق فتحي في الخميس ديسمبر 25, 2014 7:04 pm

شخصية فذّة في تاريخ الصحافة العراقية..
أُنسِيَتْ حقاً؟
الحقيقة تؤكد أن لكل عمر أجل مسمى. قال الحسن الوزان أو ليون الأفريقي إن العمر سلف سنين يقترضها العبد من ديان الكون الأكبر، ليعود إليه بعد حين مطالَباً ومحاسَباً عما فعلتْ أو اقترفت يداه، وميزانها وحسابها ما جَنَت النفس من أفعالها، ألا وهو مقياس السبب والنتيجة والسعي والمنجز، وما يتركه الإنسان بعده، (ليس للإنسان إلا ما سعى)، حين إياب الروح لمنشئها الأول راضية مرضية .. ولتكن رحلتنا الآن من خلال ذكريات وخواطر الصحفي الكبير صالح (نعيم) طويق تفيد زاداً لمن اعتبر.

شكّل يهود العراق الجزء الأكبر من الطبقة المتوسطة، وخاصةً يهود بغداد في مطلع القرن العشرين، وقد لعبت النخب اليهودية دوراً واضحاً وكبيراً في تشييد أركان الثقافة والاقتصاد والسياسة والصحافة العراقية. برزت في هذا الميدان أسماء لامعة منذ بداية القرن العشرين، ولعب بعض العراقيين اليهود دوراً متميّزاً في مجال الصحافة، ممن ذكرت أسماؤهم في مقالات عدة: سليم البصون، أنور شاؤل، مراد العماري، منشي زعرور، شالوم درويش، وغيرهم.. أما هنا فنذكر منهم مبدعاً ترك بصماته خلال رحلة العمر على ناصع صفحات صاحبة الجلالة الصحافة العراقية .. ألا وهو صالح طويق، صاحب الباع الطويل والتجربة الثرية التي تحمل خواطر الأزمنة وتراكمات الحدث، والذي كانت مساهماته لا تقدّر بثمن .. صحفي نقش على رايته صفة التواضع التي ليس لها حدود، يعمل خلف الكواليس لكن بصماته واضحة، ولهذا السبب لم يترك أية مذكرات، ذلك لكي يتجنب التحدث عن نفسه. اسمه الرسمي هو صالح طويق، لكنه كان معروفاً أيضاً باسم "نعيم طويق" ..

ولد في بغداد عام 1916 من أسرة معروفة وتخرج من مدرسة الأليانس عام 1934. نُشِر أول عمل له وهو طالب في المرحلة المنتهية عن عمر يناهز الرابعة عشر فقط، حين ترجم عن الفرنسية قصة من الأدب التركي نشرت في مجلة الحاصد التي ترأس تحريرها الأديب والمحامي أنور شاؤل. ومن الجدير أن يذكر في هذا الصدد، أن مجلة سورية شهيرة (مجلة الحديث الشهرية للأديب الكبير الكيالي) اقتبست تلك القصة عن الحاصد وأطلقت على مترجمها لقب (الأستاذ الأديب) وذلك لكونها قصة مترجمة بصورة فنية، ذات مضمون أصيل وأسلوب شيّق، وبناءً على ذلك لابد أن يكون مترجمها أستاذاً أو أديباً يشار إليه بالبنان.

بدأ طويق عمله الصحفي في عام 1934 إذ عُيّن محرراً في صحيفة الأهالي، وبعد غلقها اضطر إلى العمل في صحف أخرى، منها المبدأ، وصوت الأهالي، وصدى الأهالي، والطريق، والرأي العام، والحوادث، وفي نهاية المطاف صحيفة الزمان. كان عمله الصحفي يشمل تحرير الأخبار الخارجية والتعليق عليها وترجمة المقالات السياسية بما في ذلك الافتتاحيات التي عبر فيها بكل صراحة وبلاغة ووضوح عن عقيدته الوطنية الديمقراطية والتقدمية. وكان طويق متضلعاً بثلاث لغات: العربية والفرنسية والانكليزية. ومن منجزاته أنه استحدث طريقة خاصة لنقل الأنباء من الإذاعات العالمية باللغتين الانكليزية والفرنسية، والقيام بترجمتها مباشرةً إلى العربية بطريقة اختزال خاصة، ونَشْرها في الصحيفة على الفور. وهذه مساهمة جادة في الصحافة العراقية، حيث تيسّر للقارئ العراقي الاطلاع على الأخبار والأحداث مباشرةً وبسرعة فائقة. هذه الخطوة لم يكن لها وجود في العراق، في وقتٍ لم تتوفر فيه وسائل الإعلام الحديثة (من مسجلات وغيرها)، فقد كانت الصحف العراقية قبل هذا السبق، تقتني الصحف العالمية بعد صدورها وتقوم بترجمة أنبائها ونشرها باللغة العربية في اليوم التالي فقط. وقد كان لعمله هذا، وهو الأول من نوعه في العراق، أهمية خاصة وجليّة خلال الحرب العالمية الثانية، إذ ساعد على تزويد القراء بأحدث الأنباء الحربية والسياسية يوماً بعد يوم، وخطابات أقطاب الدول الحليفة المحاربة ضد النازية والفاشية. إضافةً إلى ذلك، استحدث باباً خاصاً باسم (قالت صحف العالم أمس)، وجعل مصدر ذلك الباب أغلب محطات الإذاعة العالمية التي تذيع بالانكليزية والفرنسية، مما كان يتتبعه القراء باهتمام بالغ. ومما يذكر في هذا الصدد، أن في إحدى فترات العمل العصيبة سنة 1941 التي تطلبت منه العمل حتى ساعات الصباح، في تلك الفترة انتقلت والدته الحنون للعيش في غرفة صغيرة على سطح بناية جريدة الزمان ذاتها، وذلك حرصاً على عودة ولدها الوحيد إلى (بيته) بأسرع ما يمكن بعد إنهاء عمله. فيالها من تضحية لولد حريص ولأم قلقة.

أثرى طويق الفكر والأدب العربي بترجمة العديد من المواضيع الأدبية لكتاب من ذوي الشهرة العالمية، منهم: بلزاك، وهيجو، ودوديه، وأناتول فرانس، وموليير، وفولتير، وغيرهم. فقد بدأ بممارسة هذه الترجمة وكان عمره لا يتعدى 13 عاماً ... وبعد أعوام انتمى إلى الحزب الوطني الديمقراطي الذي تأسس عام 1946 بزعامة رجل السياسة المعروف والوزير السابق كامل الجادرجي، لأنه شعر أن هذا الحزب هو الأقرب إلى توجهاته الديمقراطية .. عمل سنوات طويلة مع كامل الجادرجي وكان من المقربين إليه، وكتب مقالاته السياسية لصحافة الحزب إلى أن حل الحزب بصورة نهائية عام 1963. ويذكر الشاعر والصحفي مراد العماري وهو من أصدقائه المقربين، أن طويق ترك العمل الصحفي بعد انقلاب 8 شباط عام 1963، ولكنه لم يقطع صلته بالجادرجي حتى يوم وفاته عام 1968. فقد كان الجادرجي يدعوه إلى داره ويكتب معه المذكرات السياسية الخطيرة في وقتٍ كان أقرب الناس إليه يخشون زيارته .. وقد كافأه الجادرجي في مذكراته بجزاء سنمار، إذ لم يذكر اسمه أبداً في مذكراته بل ذكره بعبارة "أحد المحررين" وهو يقصد طويق بالتأكيد. ولعل العذر الوحيد الذي سيورده الجادرجي لِمقرَّبهِ نعيم وهما في جنات الخلود هو أنه فعل ما فعل لكون نعيمنا حريصاً على التحرر من كلمة "أنا".

ولابد أن نذكر هنا إن الزعيم عبد الكريم قاسم كان يجلس مع طويق قبل ثورة تموز ساعات طويلة يستمع ويطّلع على آخر الأخبار دون أن ينبس ببنت شفة، فقد كان الجميع يقولون إنه كان يلتزم الصمت بشكل منقطع النظير ..

ترك طويق العمل الصحفي نهائياً بعد انقلاب 8 شباط 1963 بعد خدمة متواصلة دامت ثلاثين عاماً كاملاً من العمل المرهق. ولكسب العيش اشتغل محاسباً في إحدى الشركات التجارية بعد أن شعر بانعدام حرية الرأي والتعبير في المجال الصحفي بالعراق.

غادر طويق موطنه، وموطن أجداده منذ 2600 سنة، عام 1973 بسبب الاضطهاد والملاحقة، مع من غادر من اليهود الوطنيين الذين كانوا قد تمسكوا أجيالاً طويلة بتربة العراق بحرص ومحبة. سافر إلى إسرائيل وترك كل ما كان يملكه في بغداد من ذكريات وكتب وأصدقاء.. وهكذا انطوت صفحة لم يحلّ محلّها أيُّ مثيل، وفي ملاذه الجديد، أيضاً، واصل العمل في الصحافة، وكتب بعد هجرته قسراً مقالات في جريدة "الأنباء" المقدسية تحت عنوان "ذكريات وخواطر". وفي عام 1976 نشر أيضاً سلسلة من المقالات تحت عنوان "أثر المواطنين اليهود في المجتمع العراقي الحديث". وستطبع هذه الطرائف بشكل كتاب تصدره رابطة اليهود الجامعيين في إسرائيل..

إضافةً إلى ذلك، قام بكتابة العديد من الأحاديث لإذاعة إسرائيل باللغة العربية، منها "كلمة الصباح" و "قبل أن تنام" وشارك في منتدى الأدب والأدباء، كل ذلك إلى جانب عمله كمحاسب في الصناعات الجوية الإسرائيلية. وقد كتب عنه الدكتور محمود عباسي: "إن هذه الكلمات كانت بمثابة نسمة عليلة تبعث الطمأنينة في النفس فتغفو العيون مطمئنة بعد سماعها لكلماته الرقيقة المرهفة الحس". ولعل أنه من الجدير بالذكر أن زوجته المخلصة الراحلة ياسة رافقته المطاف منذ زواجهما عام 1945 وحتى وفاته عام 1989، وقد كانت تقوم بطبع كلماته باللغة العربية ببالغ الفخر والاعتزاز، وكانت له أول أذن صاغية لما كتبه، وهو بدوره لم يبخل بالإطراء في كتاباته على أهمية الدور الذي تلعبه الزوجات المخلصات وأثره في توفير الجو المثالي للزوج المبدع ومسيرته في المجالات الأدبية.

ويصفه أصدقاؤه والمقربون إليه بكونه دائرة معارف إنسانية كبيرة ذات موهبة أدبية وصحفية فريدة، خلقت بشكل إنسان مرهف الحس ذي قلب رحِب، رجل كلّل بإكليل غار من التواضع، مثبتاً قول اينشتاين المأثور إن قيمة الإنسان الحقيقية تقاس بمدى تحرره من كلمة "أنا".

وهكذا يضيع الاستبداد خيرة رجاله، فيشردهم، ولكن لحسن الحظ وجد صالح طويق ملجأً عرف كيف يستفيد من مواهبه وتجاربه، فأغنى صحافتها وقراء العربية في ربوعها. وها نحن الآن ننتظر بفارع الصبر صدور مقالاته الأدبية والاجتماعية لنطّلع على بعض ما دار في العراق في أيام مضت وعلى الأثر القيم الذي خلفه المواطنون اليهود ومنهم فقيد الصحافة والأدب العربي صالح (نعيم) طويق

avatar
طارق فتحي
المدير العام

عدد المساهمات : 2805
تاريخ التسجيل : 19/12/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alba7th.3oloum.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى