* ابن خلدون وعلم الرمل - الكهانة - الرؤيا - مدارك للغيب

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

* ابن خلدون وعلم الرمل - الكهانة - الرؤيا - مدارك للغيب

مُساهمة  طارق فتحي في السبت ديسمبر 20, 2014 5:45 am

راي ابن خلدون في علم الرمل
يقول ابن خلدون في المقدمة
((وقد يزعم بعض الناس ان هناك مدارك للغيب من دون غيبة عن الحس.....
ومن هؤلاء قوم من العامةاستنبطوا لاستخراج الغيب وتعرف الكائنات
صناعة سموهاخط الرمل....وربما يدعون مشروعيتهاويحتجون بقوله صلى الله عليه وسلم(كان نبي يخط فمن وافق خطه فداك)وليس في الحديت
دليل على مشروعية خط الرمل كما يزعمه بعض ما لاتحصيل لديه لان معنى الحديث كان نبي يخط فياتيه الوحي عند دلك الخط ولا استحالة في ان يكون دلك عادة لبعض الانبياء
......وهي كما رايت تحكم وهوى والتحقيق الدي ينبغي ان يكون نصب فكرك ان الغيوب لا تدرك بصناعة البتة......))
هدا راي العلامة ابن خلدون
ادن الفكرة المركزية عند شيخ المحققين ابن خلدون هي ان الغيب لا يدرك صناعة
ادن بالنسبة لابن خلدون الرمل والتنجيم وهم وتضليل
وحتى ان تمكن منه احد وهدا نادر جدا فهو تخمين وضن

ابن خلدون و الكهانة
الكهانة
و أما الكهانة فهي أيضاً من خواص النفس الإنسانية و ذلك أنه قد تقدم لنا في جميع ما مر أن للنفس الإنسانية استعداداً للانسلاخ من البشرية إلى الروحانية التي فوقها و أنه يحصل من ذلك لمحة للبشر في صنف الأنبياء بما فطروا عليه من ذلك و تقرر أنه يحصل لهم من غير اكتساب و لا استعانة بشيء من المدارك و لا من التصورات و لا من الأفعال البدنية كلاماً أو حركةً و لا بأمر من الأمور إنما هو انسلاخ من البشرية إلى الملكية بالفطرة في لحظة أقرب من لمح البصر و إذا كان كذلك و كان ذلك الاستعداد موجوداً في الطبيعة البشرية فيعطى التقسيم العقلي و إن هنا صنفاً آخر من البشر ناقصاً عن رتبة الصنف الأول نقصان الضد عن ضده الكامل لأن عدم الاستعانة في ذلك الإدراك ضد الاستعانة فيه و شتان ما بينهما فإذا أعطي تقسيم الوجود إلى هنا صنفاً آخر من البشر مفطوراً على أن تتحرك قوته العقلية حركتها الفكرية بالإرادة عندما يبعثها النزوع لذلك و هي ناقصة عنه بالجبلة عندما يعوقها العجز عن ذلك تشبث بأمور جزئية محسوسة أو متخيلة كالأجسام الشفافة و عظام الحيوانات و سجع الكلام و ما سنح من طير أو حيوان فيستديم ذلك الإحساس أو التخيل مستعيناً به في ذلك الانسلاخ الذي يقصده و يكون كالمشيع له و هذه القوة التي فيهم مبدأ لذلك الإدراك هي الكهانة و لكون هذه النفوس مفطورةً على النقص و القصور عن الكمال كان إدراكها في الجزئيات أكثر من الكليات و لذلك تكون المخيلة فيهم في غاية القوة لأنها آلة الجزئيات فتنفذ فيها نفوذاً تاماً في نوم أو يقظة و تكون عندها حاضرةً عتيدةً تحضرها المخيلة و تكون لها كالمرآة تنظر فيها دائما و لا يقوى الكاهن على الكمال في إدراك المعقولات لأن وحيه من وحي الشيطان و أرفع أحوال هذا الصنف أن يستعين بالكلام الذي فيه السجع و الموازنة ليشتغل به عن الحواس و يقوى بعض الشيء على ذلك الاتصال الناقص فيهجس في قلبه عن تلك الحركة و الذي يشيعها من ذلك الأجنبي ما يقذفه على لسانه فربما صدق و وافق الحق و بما كذب لأنه يتمم نقصه بأمر أجنبي عن ذاته المدركة و مباين لها غير ملائم فيعرض له الصدق و الكذب جميعاً و لا يكون موثوقاً به و ربما يفزع إلى الظنون و التخمينات حرصا على الظفر بالإدراك بزعمه و تمويهاً على السائلين و أصحاب هذا السجع هم المخصوصون باسم الكهان لأنهم أرفع سائر أصنافهم و قد قال صلى الله عليه و سلم في مثله هذا من سجع الكهان فجعل السجع مختصاً بهم بمقتضى الإضافة و قد قال لابن صياد حين سأله كاشفاً عن حاله بالأخبار كيف يأتيك هذا الأمر ؟ قال: يأتيني صادقاً و كاذباً فقال: خلط عليك الأمر يعنى أن النبؤة خاصتها الصدق فلا يعتريها الكذب بحال لأنها اتصال من ذات النبي بالملإ الأعلى من غير مشيع و لا استعانة بأجنبي و الكهانة لما احتاج صاحبها بسبب عجزه إلى الاستعانة بالتصورات الأجنبية كانت داخلة في إدراكه و التبست بالإدراك الذي توجه إليه فصار مختلطاً بها و طرقه الكذب من هذه الجهة فامتنع أن تكون نبؤة و إنما قلنا إن أرفع مراتب الكهانة حالة السجع لأن معنى السجع أخفه من سائر المغيبات من المرئيات و المسموعات و تدل خفة المعنى على قرب ذلك الاتصال و الإدراك و البعد فيه عن العجز بعض الشيء و قد زعم بعض الناس أن هذه الكهانة قد انقطعت منذ زمن النبؤة بما وقع من شأن رجم الشياطين بالشهب بين يدي البعثة و أن ذلك كان لمنعهم من خبر السماء كما وقع في القرآن و الكهان إنما يتعرفون أخبار السماء من الشياطين فبطلت الكهانة من يومئذ و لا يقوم من ذلك دليل لأن علوم الكهان كما تكون من الشياطين تكون من نفوسهم أيضاً كما قررناه و أيضاً فالآية إنما دلت على منع الشياطين من نوع واحد من أخبار السماء و هو ما يتعلق بخبر البعثة و لم يمنعوا مما سوى ذلك. و أيضاً فإنما كان ذلك الانقطاع بين يدي النبؤة فقط و لعلها عادت بعد ذلك إلى ما كانت عليه و هذا هو الظاهر لأن هذه المدارك كلها تخمد في زمن النبؤة كما تخمد الكواكب و السرج عند وجود الشمس لأن النبؤة هي النور الأعظم الذي يخفى معه كل نور و يذهب.
و قد زعم بعض الحكماء أنها إنما توجد بين يدي النبؤة ثم تنقطع و هكذا كل نبؤة وقعت لأن وجود النبوة لا بد له من وضع فلكي يقتضيه و في تمام ذلك الوضع تمام تلك النبؤة التي تدل عليها و نقص ذلك الوضع عن التمام يقتضي وجود طبيعة من ذلك النوع الذي يقتضيه ناقصة و هو معنى الكاهن على ما قررناه فقبل أن يتم ذلك الوضع الكامل يقع الوضع الناقص و يقتضي وجود الكاهن إما واحداً أو متعدداً فإذا تم ذلك الوضع تم وجود النبي بكماله و انقضت الأوضاع الدالة على مثل تلك الطبيعة فلا يوجد منها شيء بعد و هذا بناء على أن بعض الوضع الفلكي يقتضي بعض أثره و هو غير مسلم. فلعل الوضع إنما يقتضي ذلك الأثر بهيئته الخالصة و لو نقص بعض أجزائها فلا يقتضي شيئاً، لا إنه يقتضي ذلك الأثر ناقصاً كما قالوه. ثم إن هؤلاء الكهان إذا عاصروا زمن النبؤة فإنهم عارفون بصدق النبي و دلالة معجزته لأن لهم بعض الوجدان من أمر النبؤة كما لكل إنسان من أمر اليوم و معقوبية تلك النسبة موجودة للكاهن بأشد مما للنائم و لا يصدهم عن ذلك و يوقعهم في التكذيب إلا قوة المطامع في أنها نبؤة لهم فيقعون في العناد كما وقع لأمية بن أبي الصلت فإنه كان يطمع أن يتنبأ و كذا وقع لابن صياد و لمسيلمة و غيرهم فإذا غلب الإيمان و انقطعت تلك الأماني آمنوا أحسن إيمان كما وقع لطليحة الأسدي و سواد بن قارب و كان لهما في الفتوحات الإسلامية من الآثار الشاهدة بحسن الإيمان.

ابن خلدون والرؤيا
الرؤيا
و أما الرؤيا فحقيقتها مطالعة النفس الناطقة في ذاتها الروحانية لمحة من صور الواقعات فإنها عندما تكون روحانية تكون صور الواقعات فيها موجودة بالفعل كما هو شأن الذوات الروحانية كلها و تصير روحانية بأن تتجرد عن المواد الجسمانية و المدارك البدنية و قد يقع لها ذلك لمحة بسبب النوم كما نذكر فتقتبس بها علم ما تتشوف إليه من الأمور المستقبلة و تعود به إلى مداركها فإن كان ذلك الاقتباس ضعيفاً و غير جلي بالمحاكاة و المثال في الخيالي لتخلصه فيحتاج. من أجل هذه المحاكاة إلى التعبير و قد يكون الاقتباس قوياً يستغنى فيه عن المحاكاة فلا يحتاج إلى تعبير لخلوصه من المثال و الخيال و السبب في وقوع هذه اللمحة للنفس أنها ذات روحانية بالقوة مستكملة بالبدني و مداركه حتى تصير ذاتها تعقلاً محضاً و يكمل وجودها بالفعل فتكون حينئذ ذاتاً روحانية مدركة بغير شيء من الآلات البدنية إلا أن نوعها في الروحانية دون نوع الملائكة أهل الأفق الأعلى على الذين لم يستكملوا ذواتهم بشيء من مدارك البدن و لا غيره فهذا الاستعداد حاصل لها ما دامت في البدن و منه خاص كالذي للأولياء و منه عام للبشر على العموم و هو أمر الرؤيا. و أما الذي للأنبياء فهو استعداد بالانسلاخ من البشرية إلى الملكية المحضة التي هي، أعلى الروحانيات و يخرج هذا الاستعداد فيهم متكرراً في حالات الوحي و هو عندما يعرج على المدارك البدنية و يقع فيها ما يقع من الإدراك يكون شبيهاً بحال النوم شبهاً بيناً و إن كان حال النوم أدون منه بكثير فلأجل هذا الشبه عبر الشارع عن الرؤيا بأنها جزء من ستة و أربعين جزاً من النبؤة و في رواية ثلاثة و أربعين و في رواية سبعين و ليس العدد في جميعها مقصوداً بالذات و إنما المراد الكثرة في تفاوت هذه المراتب بدليل ذكر السبعين في بعض طرقه و هو للتكثير عند العرب و ما ذهب إليه بعضهم في رواية ستين و أربعين من أن الوحي كان في مبدإه بالرؤيا ستة أشهر و هي نصف سنة و مدة النبوة كلها بمكة و المدينة ثلاث و عشرين سنة فنصف السنة منها جزء من ستة و أربعين فكلام بعيد من التحقيق لأنة إنما وقع ذلك للنبي صلى الله عليه و سلم و من أين لنا أن هذه المدة وقعت لغيره من الأنبياء مع أن ذلك إنما يعطي نسبة زمن الرؤيا من زمن النبؤة و لا يعطي حقيقتها من حقيقة النبؤة و إذا تبين لك هذا مما ذكرناه أولاً علمت أن معنى هذا الجزء نسبة الاستعداد الأول الشامل للبشر إلى الاستعداد القريب الخاص بصنف الأنبياء الفطري لهم صلوات الله عليهم إذ هو الاستعداد البعيد و إن كان عاماً في البشر و معه عوائق و موانع كثيرة من حصوله بالفعل و من أعظم تلك الموانع الحواس الظاهرة ففطر الله البشر على ارتفاع حجاب الحواس بالنوم الذي هو جبلي لهم فتتعرض النفس عند ارتفاعه إلى معرفة ما تتشوف إليه في عالم الحق فتدرك في بعض الأحيان منه لمحة يكون فيها الظفر بالمطلوب و لذلك جعلها الشارع من المبشرات فقال لم يبق من النبؤة إلا المبشرات قالوا و ما المبشرات يا ر سول الله قال الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له و أما سبب ارتفاع حجاب الحواس بالنوم فعلى ما أصفه لك و ذلك أن النفس الناطقة إنما إدراكها و أفعالها بالروح الحيواني الجسماني و هو بخار لطيف مركزه بالتجويف الأيسر من القلب على ما في كتب التشريح لجالينوس و غيره و ينبعث مع الدم في الشريانات و العروق فيعطي الحس و الحركة، و سائر الأفعال البدنية و يرتفع لطيفه إلى الدماغ فيعدل من برده و تتم أفعال القوى التي في بطونه فالنفس الناطقة إنما تدرك و تعقل بهذا الروح البخاري و هي متعلقة به لما اقتضته حكمة التكوين في أن اللطيف لا يؤثر في الكثيف و لما لطف هذا الروح الحيواني من بين المواد البدنية صار محلاً لآثار الذات المباينة له في جسمانيته وهي النفس الناطقة و صارت آثارها حاصلة في البدن بواسطته و قد كنا قدمنا أن إدراكها على نوعين إدراك بالظاهر و هو الحواس الخمس و إدراك بالباطن و هو القوى الدماغية و أن هذا الإدراك كله صارف لها عن إدراكها ما فوقها من ذواتها الروحانية التي هي مستعدة له بالفطرة و لما كانت الحواس الظاهرة جسمانية كانت معرضةً للوسن و الفشل بما يدركها من التعب و الكلال و تغشى الروح بكثرة التصرف فخلق الله لها طلب الاستجمام لتجرد الإدراك على الصورة الكاملة و إنما يكون ذلك بانخناس الروح الحيواني من الحواس الظاهرة كلها و رجوعه إلى الحس الباطن و يعين على ذلك ما يغشى البدن من البرد بالليل فتطلب الحرارة الغزيرة أعماق البدن و تذهب من ظاهره إلى باطنه فتكون مشيعة مركبها و هو الروح الحيواني إلى الباطن و لذلك كال النوم للبشر في الغالب إنما هو بالليل فإذا انخنس الروح عن الحواس الظاهرة و رجع إلى القوى الباطنة و خفت عن النفس شواغل الحس و موانعه و رجعت إلى الصورة التي في الحافظة تمثل منها بالتركيب و التحليل صور خيالية و أكثر ما تكون معتادة لأنها منتزعة من المدركات المتعاهدة قريباً ثم ينزلها الحس المشترك الذي هو جامع الحواس الظاهرة فيدركها على أنحاء الحواس الخمس الظاهرة و ربما التفتت النفس لفتة إلى ذاتها الروحانية مع منازعتها القوى الباطنية فتدرك بإدراكها الروحاني لأنها مفطورة عليه و تقيس من صور الأشياء التي صارت متعلقة في ذاتها حينئذ ثم يأخذ الخيال تلك الصور المدركة فيمثلها بالحقيقة أو المحاكاة في القوالب المعهودة و المحاكاة من هذه هي المحتاجة للتعبير و تصرفها بالتركيب و التحليل في صور الحافظة قبل أن تدرك من تلك اللمحة ما تدركه هي أضغاث أحلام. و في الصحيح أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: الرؤيا ثلاث رؤيا من الله و رؤيا من الملك و رؤيا من الشيطان و هذا التفصيل مطابق لما ذكرناه فالجلي من الله و المحاكاة الداعية إلى التعبير من الملك و أضغاث الأحلام من الشيطان لأنها كلها باطل و الشيطان ينبوع الباطل هذه حقيقة الرؤيا و ما يسببها و يشيعها من النوم و هي خواص للنفس الإنسانية موجودة في البشر على العموم لا يخلو عنها أحد منهم بل كل واحد من الإنساني رأى في نومه ما صدر له في يقظته مراراً غير واحدة و حصل له على القطع أن النفس مدركة للغيب في النوم و لا بد و إذا جاز في ذلك في عالم النوم فلا يمتنع في غير من الأحوال لأن الذات المدركة واحدة و خواصها عامة في كل حال و الله الهادي إلى الحق بمنه و فصله.
فصل: و وقوع ما يقع للبشر من ذلك غالباً إنما هو من غير قصد ولا قدرة عليه و إنما تكون النفس متشوقة لذلك الشيء فيقع بتلك اللمحة في النوم لأنها تقصد إلى ذلك فتراه و قد وقع في كتاب الغاية و غير من كتب أهل الرياضيات ذكر أسماء تذكر عند النوم فتكون عنها الرؤيا فيما يتشوف إليه و يسمونها الحالومية و ذكر منها مسلمة في كتاب الغاية حالومة سماها حالومة الطباع التام و هو أن يقال عند النوم بعد فراغ السر و صحة التوجه هذه الكلمات الأعجمية و هي تماغس بعد أن يسواد و غداس نوفنا غادس و يذكر حاجته فإنه يرى الكشف عما يسأل عنه في النوم. و حكى أن رجلاً فعل ذلك بعد رياضة ليال في مأكله و ذكره فتمثل له شخص يقول له إن طباعك التام فسأله و أخبره عما كان يتشوف إليه و قد وقع لي أنا بهذه الأسماء مراء عجيبة و اطلعت بها على أمور كنت أتشوف عليها من أحوالي و ليس ذلك بدليل على أن القصد للرؤيا يحدثها و إنما هذه الحالومات تحدث استعداداً في النفس لوقوع الرؤيا فإذا قوي الاستعداد كال أقرب إلى حصول ما يستعد له و للشخص أن يفعل من الاستعداد ما أحب و لا يكون دليلاً على إيقاع المستمد له فالقدرة على الاستعداد غير القدرة على الشيء فاعلم ذلك و تدبره فيما تجد من أمثاله و الله الحكيم الخبير.
فصل: ثم إنا نجد في النوع الإنساني أشخاصاً يخبرون بالكائنات قبل وقوعها بطبيعة فيهم يتميز بها صنفهم عن سائر الناس و لا يرجعون في ذلك إلى صناعة و لا يستدلون عليه بأثر من النجوم و لا من غيرها إنما نجد مداركهم في ذلك بمقتضى فطرته التي فطروا عليها و ذلك مثل العرافين و الناظرين في الأجسام الشفافين كالمرايا و طساس الماء و الناظرين في قلوب الحيوانات و أكبادها و عظامها و أهل الزجر في الطير و السباع و أهل الطرق بالحصى و الحبوب من الحنطة و النوى و هذه كلها موجودة في عالم الإنسان لا يسع أحداً جحدها و لا إنكارها و كذلك المجانين يلقى على ألسنتهم كلمات من الغيب فيخبرون بها و كذلك النائم و الميت لأول موته أو نومه يتكلم بالغيب و كذلك أهل الرياضيات من المتصوفة لهم مدارك في الغيب على سبيل الكرامة معروفة. و نحن الآن نتكلم عن هذه الإدراكات كلها و نبتدئ منها بالكهانة ثم نأتي عليها واحدةً واحدةً إلى آخرها و نقدم على ذلك مقدمة في أن النفس الأنسانية كيف تستعد لإدراك الغيب في جميع الأصناف التي ذكرناها و ذلك أنها ذات روحانية موجودة بالقوة إلى الفعل بالبدن و أحواله و هذا أمر مدرك لكل أحد و كل ما بالقوة فله مادة و صورة و صورة هذه النفس التي بها يتم وجودها هو عين الإدراك و التعقل فهي توجد أولاً بالقوة مستعدة للإدراك و التعقل فهي توجد أولاً بالقوة مستعدة للإدراك و قبول الصور الكلية و الجزئية ثم يتم نشؤها و وجودها بالفعل بمصاحبة البدن و ما يعودها بورود مدركاتها المحسوسة عليها و ما تنتزع من تلك الإدراكات من المعاني الكلية فتتعقل الصور مرة بعد أخرى حتى يحصل لها الإدراك و التعقل بالفعل فتتم ذاتها و تبقى النفس كالهيولى و الصور متعاقبة عليها بالإدراك واحدة بعد واحدة و لذلك نجد الصبي في أول نشأته لا يقدر على الإدراك الذي لها من ذاتها لا بنوم و لا بكشف و لا بغيرهما و ذلك أن صورتها التي هي عين ذاتها و هي الإدراك و التعقل لم تتم بعد بل لم يتم لها انتزاع الكليات ثم إذا تمت ذاتها بالفعل حصل لها ما دامت مع البدن نوعان من الإدراك إدراك بآلات الجسم تؤديه إليها المدارك البدنية و إدراك بذاتها من غير واسطة و هي محجوبة عنه بالانغماس في البدن و الحواس و بشواغلها لأن الحواس أبداً جاذبة لها إلى الظاهر بما فطرت عليه أولاً من الإدراك الجسماني و ربما تنغمس من الظاهر إلى الباطن فيرتفع حجاب البدن لحظةً إما بالخاصية التي هي للإنسان على الإطلاق مثل النوم أو بالخاصية الموجودة لبعض البشر مثل الكهانة و الطرق أو بالرياضة مثل أهل الكشف من الصوفية فتلتفت حينئذ إلى الذوات التي فوقها من الملأ لما بين أفقها و أفقهم من الاتصال في الوجود كما قررنا قبل و تلك الذوات روحانية و هي إدراك محض و عقول بالفعل و فيها صور الموجودات و حقائقها كما مر فيتجلى فيها شيء من تلك الصور و تقتبس منها علوماً و ربما دفعت تلك الصور المدركة إلى الخيال فيصرفه في القوالب المعتادة ثم يراجع الحس بما أدركت إما مجرداً أو في قوالبه فتخبر به. هذا هو شرح استعداد النفس لهذا الإدراك الغيبي. و لنرجع إلى ما وعدنا به من بيان أصنافه. فأما الناظرون في الأجسام الشفافة من المرايا و طساس المياه و قلوب الحيوان و أكبادها و عظامها و أهل الطرق بالحصى و النوى فكلهم من قبيل الكهان إلا أنهم أضعف رتبة فيه في أصل خلقهم لأن الكاهن لا يحتاج في رفع حجاب الحس إلى كثير معاناة و هؤلاء يعانونه بانحصار المدارك الحسية كلها في نوع واحد منها و أشرفها البصر فيعكف على المرئي البسيط حتى يبدو له مدركه الذي يخبر به عنه و ربما يظن أن مشاهدة هؤلاء لما يرونه هو في سطح المرآة و ليس كذلك بل لا يزالون ينفرون في سطح المرآة إلى أن يغيب عن البصر و يبدو فيما بينهم و بين سطح المرآة حجاب كأنة غمام يتمثل فيه صور هي مداركهم فيشيرون إليه بالمقصود لما يتوجهون إلى معرفته من نفي أو إثبات فيخبرون بذلك على نحو ما أدركوه و أما المرآة و ما يدرك فيها من الصور فلا يدركونه في تلك الحال و إنما ينشأ لهم بها هذا النوع الآخر من الإدراك و هو نفساني ليس من إدراك البصر بل يتشكل به المدرك النفساني للحس كما هو معروف و مثل ذلك ما يعرض للناظرين في قلوب الحيوانات و أكبادها و لناظرين في الماء و الطساس و أمثال ذلك. و قد شاهدنا من هؤلاء من يشغل الحس بالبخور فقط ثم بالعزائم للاستعداد ثم يخبر كما أدرك و يزعمون أنهم يرون الصور متشخصة في الهواء تحكي لهم أحوال ما يتوجهون إلى إدراكه بالمثالي و الإشارة وغيبة هؤلاء عن الحس أخف من الأولين و العالم أبو الغرائب. و أما الزجر و هو ما يحدث من بعض الناس من التكلم بالغيب عند سنوح طائر أو حيوان و الفكر فيه بعد مغيبه و هي قوة في النفس تبعث على الحرص و الفكر فيما زجر فيه من مرئي أو مسموع و تكون قوته المخيلة كما قدمناه قوية فيبعثها في البحث مستعيناً بما رآه أو سمعه فيؤديه ذلك إلى إدراك ما، كما تفعله القوة المتخيلة في النوم و عند ركود الحواس تتوسط بين المحسوس المرئي في يقظته و تجمعه مع ما عقلته فيكون عنها الرؤيا. و أما المجانين فنفوسهم الناطقة ضعيفة التعلق بالبدن لفساد أمزجتهم غالباً و ضعف الروح الحيواني فيها فتكون نفسه غير مستغرقة في الحواس و لا منغمسة فيها بما شغلها في نفسها من ألم النقص و مرضه و ربما زاحمها على التعلق به روحانية أخرى شيطانية تتشبث به و تضعف هذه عن ممانعتها فيكون عنه التخبط فإذا أصابه ذلك التخبط إما لفساد مزاجه من فساد في ذاتها أو لمزاحمة من النفوس الشيطانية في تعلقه غاب عن حسه جملة فأدرك لمحة من عالم نفسه و الطبع فيها بعض الصور و صرفها الخيال و ربما نطق عن لسانه في تلك الحال من غير إرادة النطق وإدراك هؤلاء كلهم مشوب فيه الحق بالباطل لأنة لا يحصل لهم الاتصال و إن فقدوا الحس إلا بعد الاستعانة بالتصورات الأجنبية كما قررناه و من ذلك يجيء الكذب في هذه المدارك و أما العرافون فهم المتعلقون بهذا الإدراك و ليس لهم ذلك الاتصال فيسلطون الفكر على الأمر الذي يتوجهون إليه و يأخذون فيه بالفن و التخمين بناء على ما يتوهمونه من مبادىء ذلك الاتصال و الإدراك و يدعون بذلك معرفة الغيب و ليس منه على الحقيقة هذا تحصيل هذه الأمور و قد تكلم عليها المسعودي في مروج الذهب فما صادف تحقيقاً و لا إصابة و يظهر من كلام الرجل أنه كان بعيداً عن الرسوخ في المعارف فينقل ما سمع من أهله و من غير أهله و هذه الإدراكات التي ذكرناها موجودة كلها في نوع البشر فقد كان العرب يفزعون إلى الكهان في تعرف الحوادث و يتنافرون إليهم في الخصومات ليعرفوهم بالحق فيها من إدراك غيبهم و في كتب أهل الأدب كثير من ذلك و اشتهر منهم في الجاهلية شق بن أنمار بن نزار و سطيح بن مازن بن غسان و كان يدرج كما يدرج الثوب و لا عظم فيه إلا الجمجمة و من مشهور الحكايات عنهما تأويل رؤيا ربيعه بن مضر و ما أخبراه به ملك الحبشة لليمن و ملك مضر من بعدهم و لظهور النبؤة المحمدية في قريش و رؤيا الموبذان التي أولها سطيح لما بعث إليه بها كسرى عبد المسيح فاخبره بشأن النبؤة و خراب ملك فارس و هذه كلها مشهورة و كذلك العرافون كان في العرب منهم كثير و ذكروهم في أشعارهم قال
فقلت لعراف اليمامة داوني فإنك إن داويتني لطبيب
و قال الآخر
جعلت لعراف اليمامة حكمه و عراف نجد إن هما شفياني
فقالا شفاك الله و الله مالنا بما حملت منك الضلوع يدان

رد ابن خلدون اعجبني
الأخوة الأكارم أسف جداً على تأخري في الرد على الموضوع بسبب تغيبي عن المنتدى في الأيام الماضية بداعي السفر
الأخ الكريم طاووس لكم مني جزيل التحية على مروركم الكريم وتعليقكم الغني وأنا معكم حول الفهم الخاطئ لمفهوم الغيب حتى من صفوة العلماء وأعزو السبب لخوفهم من التكفير لذلك اكتفوا بترديد ماورد في الأطر السابقة والخوض في هذا الأمر حقيقة أمر عظيم ولايجوز الكلام فيه اذا فهم أنه بحث في ماهية الله عز وجل
فهو سبحانه أحد فرد صمد أزل أبد واجب الوجود وكل ماخلاه ممكن الوجود جوهر كله وماخلاه أعراض تفتقر للجوهر كان ولامكان ولازمان نور كله فسبحانه جلت قدرته
وما ذكرت أخي الكريم من مقام الجبروت واللوح المحفوظ ومقام الملكوت هو الأقرب للصواب وقيل ما من علم لله الا وهو في الهواء والمدد من الجوهر جار ودائم ولايناله الا ذوو النفوس الجوهرية المترفعة عن سجن الأعراض والمؤمنين جوهرهم ومعدنهم من العوالم العلوية وكل متصل بأصله
أخي وسيدي المشهداني الحسيني يحضرني عندما أكلمكم قول الفرزدق
ابن من لم يقل لا الا في تشهده
لولا التشهد كانت لاؤه نعم
أحيي كرم نفسكم ورحابة صدركم وأخلاقكم الحسينية الشريفة
وقد أثلجتم صدرنا بهذه الفتوى وما تحويه من الشروح في مفهوم الغيب ومفاتيحه والتمييز مابين المخبر بالوحي للرسل عليهم السلام وهذا في اعتقادنا مدد جار من الجوهر الفرد الصمد الى الجواهر المترفعة عن الأعراض
والإلهام الروحاني للبالغين مقام التمكين وهو مايقتبسونه من أنوار الانبياء
وما يؤخذ من الاحاديث النبوية الشريفة وشرحها وتأويلها وما تبعها من علوم جفرية وحرفية وزايرجة وهنا نعتقد بأنها علوم معصومين
أما الحديث عن النجوم وفعلها مابين الاستدلال والتأثير فقد افرد الاخ المناضل حفظه الله فيما سبق شرحا وافيا لذلك وميز بين الدلالة والتأثير ووثنية من يعتقدون بالتأثير العاقل للكواكب وقدرتها على المنح والأخذ والتقدير ومن يستدل بها على حوادث الزمان وتأثيرها الغافل وحصر هذا التأثير بإذن المولى عز وجل
وفي علوم الحرف يحضرني هنا القول الشريف (لكل امرئ من اسمه نصيب) وقول أخر (حق الولد على والده حسن اختيار أمه وحسن اختيار اسمه )وتأثير هذه الحروف على المزاج والطباع والقوانين التي تحكم هذا التأثير
اذا علم الغيب بشكل كلي لايعلمه الا الله سبحانه وتعالى وما يعلمه أهل الخاصة فهو غيض من فيض
الأخ الكريم عزيز شكراً على إدراج نص ابن خلدون وحقيقة فهو شرح واف لأمور المغيبات وقد نص فيها رأيه كانسان عالمي متجرد وربما مال لإيجاد رأي وسط لمختلف آراء المجتمعات ذلك الوقت وقد لاحظنا من القراءة السريعة للنص عرضه لأفكار قد نتفق أو نختلف معه في تفسيرها وخصوصاً موضوع العصمة وجوهرها... وموضوع المعجزة واعتقادنا بأنها قدرة وفي المبدأ أن القدرة لاتصدر إلا عن القادر ولكن يجب التمييز مابين الرسول والولي في هذا الموضع فالرسول يجري الله سبحانه وتعالى المعجزة على يديه وهي دائمة ومترافقة مع النبوة والعصمة أما الأولياء والصالحين فقد يكرمهم الله بالمعجزة نصرة لهم وتكريماً...أما عن اللطافة المتدرجة وذكره للطافة الأفلاك كما أوردها رحمه الله فربما كانت مقتبسة عن حكماء اليونان والعلم حالياً أثبت جرميتها ولكن هذا لايمنع من وجود روحانية خاصة بها وقانون أن العرض لايقوم الا بالجوهر يثبت ذلك ولا نستطيع الا تسجيل إعجابنا بما أورده حول التدرج في عالم التكوين ودقة ملاحظته خول العلاقة المتدرجة بين هذه العوالم وانتفاء التصنيف الواضح بين أعلى احدها وأسفل مايليها مثل حاجة النخيل الى الذكر والأنثى للأثمار واستنتاجه لنظرية التطور التي قال فيها داروين فيما بعد ونختلف معه هنا حول ذلك وهنا ربما غرق في تفسيرات الدهريين المادية فالخارطة الوراثية للانسان والتي نجح العلماء برسمها في السنين الماضية تحوي في ذاكرتها كل خرائط العالم الحيواني والملاحظ المدقق لها يلاحظ أن التطور الرجعي (المسخ ) هو الأصح والإنسان الذي كرمه المولى تبارك وتعالى لم يأتي من سلف اسمه القرد
أما استنتاجه الرائع حول اتصال عالم الحس بعالم العقل(عالم الملائكة) مما ورد في قوله( ثم إنا نجد في العوالم على اختلافها آثاراً متنوعةً ففي عالم الحس آثار من حركات الأفلاك و العناصر و في عالم التكوين آثار من حركة النمو و الإدراك تشهد كلها بأن لها مؤثراً مبايناً للأجسام فهو روحاني و يتصل بالمكونات لوجود اتصال هذا العالم في و جودها و لذلك هو النفس المدركة و المحركة و لا بد فوقها من وجود آخر يعطيها قوى الإدراك و الحركة و يتصل بها أيضاً و يكون ذاته إدراكا صرفاً و تعقلاً محضاً و هو عالم الملائكة فوجب من ذلك أن يكون للنفس استعداد للانسلاخ من البشرية إلى الملكية ليصير بالفعل من جنس الملائكة وقتاً من الأوقات في لمحة من اللمحات و ذلك بعد أن تكمل ذاتها الروحانية بالفعل كما نذكره بعد و يكون لها اتصال بالأفق الذي بعدها شأن الموجودات المرتبة كما قدمناه فلها في الاتصال جهتا العلو و السفل و هي متصلة بالبدن من أسفل منها و تكتسب به المدارك الحسية التي تستعد بها للحصول على التعقل بالفعل و متصلة من جهة الأعلى منها بأفق الملائكة و مكتسبة به المدارك العلمية و الغيبية)
فهو تصريح منه بإمكانية التواصل مع العوالم الأخرى واقتباس الأسرار بهذه الاتصالات
الى تصنيفه للبشر على ثلاث طبقات صنف مسجون بالعالم الجسماني وقوانينه وصنف يجمع بين الروحاني والجسماني وهو مقام الأولياء والعلماء الصالحين
ومرتبة الرسل وهم صنف روحاني محض غير محبوس بمطالب الأعراض ويمكنهم التنقل بين العوالم واقتباس الوحي وهم مفطورون على ذلك منحة من رب العباد
ولكن نرى رفضه لكل علم لايكون الانسان هو أساسه فرفضه لعلم الفلك مع ذكره للطافة الكواكب ورفضه لعلم الرمل مع ان روحانية الرمال شرط من شروط الصنعة ورفض علم الحرف مع اعتقاد غالب المسلمين بوجود القوانين الناظمة لهذه العلوم الجفرية المقتبسة عن الأنبياء واعتقاد غالب الناس بتأثير هذه الحروف وروحانيتها... الى العصر الحديث وقوانين الفيزياء التي تؤكد التأثير الجرمي المتبادل لكل عناصر الكون وتعريف كل جرم بمفهوم الطاقة وقوانين مصونية المادة وعدم فنائها وتحولها من حال الى حال
وبكل حال فربما نفى ابن خلدون كل فضيلة وتأثير عن غير الانسان (فهذا مجاله) وعدم تأييده لقوننة الروحانية ربما يكون سمو بها ودعوة للحفاظ على نقاء هذه الخصلة والملكة الكريمة من جمود الضوابط
أتمنى ان يتيح لنا الزمن فرصة أخرى لمناقشة هذا الموضوع بشكل موسع وتفصيلي
حياكم الله بتحية الإسلام

مدارك للغيب من دون غيبة عن الحس
و قد يزعم بعض الناس أن هنا مدارك للغيب من دون غيبة عن الحس فمنهم المنجمون القائلون بالدلالات النجومية و مقتضى أوضاعها في الفلك و آثارها في العناصر و ما يحصل من الامتزاج بين طباعها بالتناظر و يتأدى من ذلك المزاج إلى الهواء و هؤلاء المنجمون ليسوا من الغيب في شيء إنما هي ظنون حدسية و تخمينات مبنية على التأثير النجومية و حصول المزاج منه للهواء مع مزيد حدس يقف به الناظر على تفصيله في الشخصيات في العالم كما قاله بطليموس و نحن نبين بطلان ذلك في محله إن شاء الله و هؤلاء لو ثبت فغايته حدس و تخمين و ليس مما ذكرناه في شيء. و من هؤلاء قوم من العامة استنبطوا لاستخراج الغيب و تعرف الكائنات صناعة سموها خط الرمل نسبة إلى المادة التي يضعون فيها عملهم و محصول هذه الصناعة أنهم صيروا من النقط أشكالاً ذات أربع مراتب تختلف باختلاف مراتبها في الزوجية و الفردية و استوائها فيهما فكالت ستة عشر شكلاً لأنها إن كانت أزواجاً كلها أو أفراداً كلها فشكلان و إن كان الفرد فيهما في مرتبة واحدة فقط فأربعة أشكال و إن كان الفرد في مرتبتين فستة أشكال و إن كان في ثلاث مراتب فأربعة أشكال جاءت ستة عشر شكلا ميزوها كلها بأسمائها و أنواعها إلى سعود و نحوس شأن الكواكب و جعلوا لها ستة عشر بيتاً طبيعية يزعمهم و كأنها البروج الاثنا عشر التي للفلك و الأوتاد الأربعة و جعلوا لكل شكل منها بيتاً و خطوطاً، و دلالة على صنف من موجودات عالم العناصر يختص به و استنبطوا من ذلك فنا حاذوا به فن النجامة و نوع فصائه إلا أن أحكام النجامة مستندة إلى أوضاع طبيعية كما يزعم بطليموس و هذه إنما مستندها أوضاع تحكيمية و أهواء اتفاقية و لا دليل يقوم على شيء منها و يزعمون أن أصل ذلك من النبؤات القديمة في العالم و ربما نسبوها إلى دانيال أو إلى إدريس صلوات الله عليهما شأن الصنائع كلها و ربما يدعون مشروعيتها و يحتجون بقوله صلى الله عليه و سلم: كان نبي يخط فمن وافق خطة فذاك و ليس في الحديث دليل على مشروعية خط الرمل كما يزعمه بعض من لا تحصيل لديه لأن معنى الحديث كان نبي يخط فيأتيه الوحي عند ذلك الخط و لا استحالة في أن يكون ذلك عادة لبعض الأنبياء فمن وافق خطة ذلك النبي فهو ذاك أي فهو صحيح من بين الخط بما عضده من الوحي لذلك النبي الذي كانت عادته أن يأتيه الوحي عند الخط و أما إذا أخذ ذلك من الخط مجرداً من غير موافقة وحي فلا و هذا معنى الحديث و الله أعلم. فإذا أرادوا استخراج مغيب بزعمهم عمدوا إلى قرطاس أو رمل أو دقيق فوضعوا النقط سطوراً على عدد المراتب الأربع ثم كرروا ذلك أربع مرات فتجيء ستة عشر سطراً ثم يطرحون النقط أزواجاً و يضعون ما بقى من كل سطر زوجاً كان أو فرداً في مرتبته على الترتيب فتجيء أربعة أشكال يضعونها في سطر متتالية ثم يولدون منها أربعة أشكال أخرى من جالب العرض باعتبار كل مرتبة و ما قابلها من الشك الذي بإزائه و ما يجتمع منهما من زوج أو فرد فتكون ثمانية أشكال موضوعة في سطر ثم يولدون من كل شكلين شكلاً تحتهما باعتبار ما يجتمع في كل مرتبة من مراتب الشكلين أيضاً من زوج أو فرد فتكون أربعة أخرى تحتها ثم يولدون من الأربعة شكلين كذلك تحتها من الشكلين شكلاً كذلك تحتهما ثم من هذا الشكل الخامس عشر مع الشكل الأول شكلاً يكون أخر الستة عشر ثم يحكمون على الخط كله بما اقتضته أشكاله من السعودة و النحوسة بالذات و النظر و الحلول و الامتزاج و الدلالة على أصناف الموجودات و سائر ذلك تحكماً غريباً و كثرت هذه الصناعة في العمران و وضعت فيها التآليف و اشتهر فيها الأعلام من المتقدمين و المتأخرين و هي كما رأيت تحكم و هوى و التحقيق الذي ينبغي أن يكون نصب فكرك أن الغيوب لا تدرك بصناعة البتة و لا سبيل إلى تعرفها إلا للخواص من البشر المفطورين على الرجوع من عالم الحس إلى عالم الروح و لذلك يسمى المنجمون هذا الصنف كلهم بالزهريين نسبة إلى ما تقتضيه دلالة الزهرة بزعمهم في أصل مواليدهم على إدراك الغيب فالخط و غيره من هذه أن كان الناظر فيه من أهل هذه الخاصية و قصد بهذه الأمور التي ينظر فيها من النقط أو العظام أو غيرها إشغال الحس لترجع النفس إلى عالم الروحانيات لحظة ما، فهو من باب الطرق بالحصى و النظر في قلوب الحيوانات و المرايا الشفافة كما ذكرناه. و أن لم يكن كذلك و إنما قصد معرفة الغيب بهذه الصناعة و أنها تفيده ذلك فهذر من القول و العمل و الله يهدي من يشاء. و العلامة لهذه الفطرة التي فطر عليها أهل هذا الإدراك الغيبي أنهم عند توجههم إلى تعرف الكائنات يعتريهم خروج عن حالتهم الطبيعية كالتثاؤب و التمطط و مبادىء الغيبة عن الحس و يختلف ذلك بالقوة و الضعف على اختلاف وجودها فيهم فمن لم توجد له هذه العلامة فليس من إدراك الغيب في شيء و إنما هو ساع في تنفيق كذبه.
avatar
طارق فتحي
المدير العام

عدد المساهمات : 2799
تاريخ التسجيل : 19/12/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alba7th.3oloum.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى