* العلامات : قبض العلم - علم الاصاغر-خروج الكذابين-تحذير النبي من الفتن-الدولة الالهية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

* العلامات : قبض العلم - علم الاصاغر-خروج الكذابين-تحذير النبي من الفتن-الدولة الالهية

مُساهمة  طارق فتحي في الإثنين يونيو 03, 2013 3:29 pm

العلامة الأولى : قبض العلم
وهذه العلامة جاء ما يشرح المراد بها في أحاديث أخرى منها :
/ - عن أَبي هُرَيْرَةَ t قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r : } لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ وَتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ وَهُوَ الْقَتْلُ الْقَتْلُ حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ الْمَالُ فَيَفِيضَ . { ([1])
/ - عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ r يَقُولُ : } إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا { ([2])
شرح :
الحديث صريح في بيان كيفية قبض العلم ، وذلك بقبض العلماء ، والأصل أن العلم يتوارث إذا بقي في الأمة الاستعداد لحمل تبعات الرسالة ، لكن إذا فسد حال الناس وزهدوا في طلب العلم وتحمل تبعاته ، وانحصر العلم في حملته فقط ، فإنه يترتب على ذلك أن قبض كل عالم في ذلك الزمان إنما هو قبض لعلمه ؛ لأنه لم يتحمله عنه غيره ، وبقبض العلماء في زمان يزهد الناس فيه في طلبه يقبض العلم ، ويستقر أمر الفتوى –وهي أعلى مراتب العلم (_ ) – بيد الجهال ، فيكون على يديهم ضلال الناس .وقد ورد في أثر عن الإمام أحمد والطبراني عن أبي أمامة أن النبي r إنما قال ذلك في حجة الوداع وفيه : « لَمَّا كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ r وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مُرْدِفٌ الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ عَلَى جَمَلٍ آدَمَ فَقَالَ: } يَا أَيُّهَا النَّاسُ خُذُوا مِنَ الْعِلْمِ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ الْعِلْمُ وَقَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ .. فَقَالَ أعرابي لَهُ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ! كَيْفَ يُرْفَعُ الْعِلْمُ مِنَّا وَبَيْنَ أَظْهُرِنَا الْمَصَاحِفُ وَقَدْ تَعَلَّمْنَا مَا فِيهَا وَعَلَّمْنَا نِسَاءَنَا وَذَرَارِيَّنَا وَخَدَمَنَا ؟ قَالَ : فَرَفَعَ النَّبِيُّ r رَأْسَهُ ، وَقَدْ عَلَتْ وَجْهَهُ حُمْرَةٌ مِنَ الْغَضَبِ . فَقَالَ : أَيْ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ ! هَذِهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى بَيْنَ أَظْهُرِهِمُ الْمَصَاحِفُ لَمْ يُصْبِحُوا يَتَعَلَّقُوا بِحَرْفٍ مِمَّا جَاءَتْهُمْ بِهِ أَنْبِيَاؤُهُمْ . أَلَا وَإِنَّ مِنْ ذَهَابِ الْعِلْمِ أَنْ يَذْهَبَ حَمَلَتُهُ ثَلَاثَ مِرَارٍ . { ([3])
فالأثر السابق يبين لنا أهمية بقاء حملة العلم في الأمة ، وفيه بيان أن بقاء العلم في الكتب لا ينفع مع فناء العلماء الذين يبينون المراد منه ، وقد جاء في أثر آخر ما يشير إلى أن قبض العلم أحد أسباب ثلاثة لضياع الأمة و تنكبها عن صراط الله سبحانه وتعالى ، وعن نهج الشريعة ، فعَنْ سَهْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ r قال : } لَا تَزَالُ الْأُمَّةُ عَلَى الشَّرِيعَةِ مَا لَمْ يَظْهَرْ فِيهَا ثَلَاثٌ مَا لَمْ يُقْبَضِ الْعِلْمُ مِنْهُمْ ، وَيَكْثُرْ فِيهِمْ وَلَدُ الْحِنْثِ ، وَيَظْهَرْ فِيهِمُ الصَّقَّارُونَ . قَالَ : وَمَا الصَّقَّارُونَ أَوِ الصَّقْلَاوُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : بَشَرٌ يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ تَحِيَّتُهُمْ بَيْنَهُمُ التَّلَاعُنُ . { ([4])
وأرى أن هذه العلامة – أي قبض العلم - بهذا الشكل قد تكون بعد عيسى r ، حيث يبدأ الأمر بالانحسار ، فتكون أول علاماته قبض العلماء ، ثم رفع القرآن ، ثم غياب رسم الدين من حياة الناس ، فلا يبقى من يقـول لا إله إلا الله ، أو يقول الله ،
عندها تقوم الساعة .
ويحتمل أن يراد بها ما نعيشه الآن ، أو في الزمان الماضي القريب من ندرة العلماء الربانيين ؛ وإن كان قد كثر من ينتسب لعلم الدين ، ولكن قليل منهم من اتضحت معالم الرسالة لديه ، وحدد هدفه من علمه ، وهو ابتغاء وجه الله سبحانه وتعالى ، والدار الآخرة ؛ وغياب هذا الهدف عند من يحمل علم الدين أخطر على الأمة من غياب العالم نفسه .

لطــيفتان
1- نقل البخاري عن ربيعة الرأي (_ ) قوله : » لا ينبغي لأحد عنده شيء من العلم أن يضيع نفسه . « ([5])
يعقب ابن حجر على كلام ربيعة : » ومراد ربيعة أن من كان فيه فهم وقابلية للعلم لا ينبغي له أن يهمل نفسه ، فيترك الاشتغال ، لئلا يؤدي ذلك إلى رفع العلم ، أو مراده الحث على نشر العلم في أهله لئلا يموت العالم قبل ذلك فيؤدي إلى رفع العلم ، أو مراده أن يشهر العالم نفسه ، ويتصدى للأخذ عنه ، لئلا يضيع علمه ، وقيل مراده تعظيم العلم، وتوقيره ،فلا يهين نفسه بأنه يجعله عرضة للدنيا. « ([6])
2- من علامات قبض العلم ورفعه عدم الاستفادة منه في الحياة العملية ، وهذا المعنى أشار إليه النبي r في حديث أبي أمامة من عدم انتفاع الأمة بالقرآن كما لم ينتفع اليهود والنصارى من التوراة والانجيل ، وهذا فيه إشارة إلى حالة فصل بين الجانب التثقيفي ، والجانب التطبيقي ، وإذا لم يترجم العلم في الواقع أصبح حجة على حامليه ، وأصبح كالمقبوض أو المرفوع حكماً ، أو يصبح مثل حامله كحمار يحمل أسفاراً ، وهذا المعنى أشارت إليه بعض الروايات بأن من علامات الساعة أن يكون الزهد رواية ؛ أي يقتصر على جانب ذكره لا تطبيقه ، وفي بعض الآثار أن عبادة بن الصامت t قال لجبير بن نفير بعدما حدثه حديث رفع العلم عن أبي الدرداء t : » صَدَقَ أَبُو الدَّرْدَاءِ إِنْ شِئْتَ لَأُحَدِّثَنَّكَ بِأَوَّلِ عِلْمٍ يُرْفَعُ مِنَ النَّاسِ الْخُشُوعُ يُوشِكُ أَنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَ الْجَمَاعَةِ فَلَا تَرَى فِيهِ رَجُلًا خَاشِعًا. « ([7])
فالخشوع حالة قلبية ، وقد جاء تسميته بالأثر بأنه أول علم يرفع ، وفي ذلك إشارة إلى أن حقيقة العلم في نوره ، ونوره في تطبيقه ، فإذا نزع التطبيق من الأمة قبضت حقيقة العلم من حياتهم .
وعلى هذا الوجه يمكن القول بأن قبض العلم حكماً قد بدأت إرهاصاته من عهد طويل .
كذلك من أشكال قبض العلم طلب الدنيا به ، أو تحويله مطية لأصحابه يستأكلون به العاجل بالآجل ،يقول الله سبحانه وتعالى : } وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ { ([8])
وهذا التوجه مما ابتليت به الأمة ، وهو من أخطر أمراضها ؛ لأن العلماء مؤتمنون على الدين ، والأصل فيهم ألا يبتغوا بعلمهم إلا وجه الله ورفعة دينه ، إضافة إلى توجيه الناس من الدنيا الفانية إلى الآخرة الباقية ، فهذا هو المعنى الأهم الذي ورثه العلماء من الأنبياء ؛ فإذا غاب هذا المعلم على من ائتمن عليه فهذه هي الطامة الكبرى ، ويترتب على ذلك أن من عنده آثارة من علم ، فإنه سيجتهد في استثمارها لنيل مآربه من الدنيا ؛ وتوظيفها لهذا الغرض ، فيستحل بها الحرام ، ويتتبع الرخص ، ويصرف الناس باسم العلم
أو الدين عن المعالم الحقيقية لدين الله مزينا لهم دنياهم ، مفسداً لهم آخرتهم .
وقد أعجبتني رسالة أوردها الإمام الدارمي لعباد بن عباد الخواص الشامي (_ ) وجهها لأهل العلم اخترت منها قوله : » .. اتقوا الله فإنكم في زمان رق فيه الورع ، وقل فيه الخشوع ، وحمل العلم مفسدوه فأحبوا أن يعرفوا بحمله ، وكرهوا أن يعرفوا بإضاعته فنطقوا فيه بالهوى ، لما ادخلوا فيه من الخطأ وحرفوا الكلم عما تركوا من الحق إلى ما عملوا به من باطل . فذنوبهم ذنوب لا يستغفر منها ، وتقصيرهم تقصير لا يعترف به ، كيف يهتدي المستدل المسترشد إذا كان الدليل حائرا ، أحبوا الدنيا وكرهوا منزلة أهلها ، فشاركوهم في العيش وزايلوهم بالقول ، ودافعوا بالقول عن أنفسهم أن ينسبوا إلى عملهم ، فلم يتبرءوا مما انتفوا منه ولم يدخلوا فيما نسبوا إليه أنفسهم « ([9])
أقول : سبحان الله ! كلمات معبرة تحكي بعض أهل العلم في خير القرون _ القرن الثاني للهجرة - كما يرى عباد بن الخواص ، فكيف بحالنا في هذا العصر وماذا نقول عن أهله ؟ وماذا نقول عن أنفسنا ؟ نسأل الله العفو والعافية .

*العلامة الثانية : التماس العلم عند الأصاغر i
/ - عن أبي أمية الجمحي t قال : قال رسول الله r : } إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُلتمَسْ الْعِلْمُ عندَ الأصاغِرْ { ([1])
هذه العلامة أقحمتها هنا لعلاقتها بالعلامة السابقة ، وقد يتصور البعض أنها تدخل في مضمون علامة قبض العلم السابقة ، و الصواب أنها علامة مستقلة ، وإن كان
لها نوع تعلق بقبض العلم ؛ إذ هي معززة لقبضه .
والأصاغر هنا جمع أصغر ، ويراد به سفلة القوم وجهالهم ، وليس المراد بها صغار السن .
والمراد بهذه العلامة أن يقصد الناس من تزيا بزي العلم وإن كان من غير أهله إما لجهل أو لفسق ونحوه (_ ) ، بينما يزهد الناس في التماس العلم من أهله ممن يصدق في وصفهم بالأكابر في هذا الشأن .
وهذه العلامة تدل على عدة أمور منها فساد حال الناس واختلال موازينهم في الحكم على فلان أنه عالم ، أو دعي علم .
و منها فساد توجهات الناس وزهدهم في العلم الحقيقي ؛ لذا يعمدون إلى من يجاريهم ، ومن يدغدغ عواطفهم ، ومن يغرقهم في الأوهام والخيال ، لا من يرشدهم سبيل النجاة .
وهذه العلامة ظهرت بعد الخلافة الراشدة ، وزادت ذروتها في العهد العباسي ، و هي بازدياد إلى عصرنا الحاضر التي بلغت به ذروتها .
يقول الدكتور محمد عجاج الخطيب عن القصاصين وعلاقتهم بظاهرة وضع الحديث : » ظهرت حلقات القصاصين والوعاظ في أواخر عهد الخلافة الراشدة .. وكان بعض القصاص لا يهمه إلا أن يجتمع الناس عليه ، فيضع لهم ما يرضيهم من الأحاديث التي تستثير نفوسهم ، وتحرك عواطفهم .. ومما يؤسف له أن هؤلاء القصاصين على تعالمهم وكذبهم على رسول الله r قد وجدوا آذانا تسمع لهم وتصدقهم وتدافع عنهم ، وكان هؤلاء – أي القصاصين – من جهلة العامة التي لا يهمها البحث والتقصي . « ([2])
ومن الشواهد على التماس العلم عند الأصاغر أن شعبة رحمه الله قد مر على
مسجد فيه جعفر بن الزبير وعمران بن حدير (_ ) ، فوجد الزحام على جعفر بن الزبير ، وليس عند عمران أحد ، فتعجب شعبة ، وقال: » يا عجباً للناس ! اجتمعوا على أكذب الناس ، وتركوا أصدق الناس . » ([3])
وورد أن الشعبي أنكر على أحد القصاص في بلاد الشام ، فقامت عليه العامة تضربه ، ولم يدعه أتباع القاص حتى قال الشعبي برأي شيخهم نجاة بنفسه . ([4])
ولكي يتضح الأمر لنا أسوق قصة وقعت مع شيخ المفسرين قاطبة الإمام المجتهد محمد بن جرير الطبري : فقد ذكر السيوطي في كتابه تحذير الخواص من أكاذيب القصاص : » أن أحد هؤلاء القصاص جلس ببغداد ، فروى تفسير قوله تعالى : ( عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً) ([5]) وزعم أن النبي r يجلس مع الله سبحانه وتعالى على عرشه ، فبلغ ذلك محمد بن جرير الطبري ، فغضب من ذلك ، وبالغ في إنكاره ، وكتب على باب داره » سبحان من ليس له أنيس ، ولا له على عرشه جليس « فثارت عليه عوام بغداد ، ورجموا بيته بالحجارة حتى استد بابه بالحجارة وعلت عليه . « ([6])
أقول : سبحان الله ! هذا هو عين التماس العلم عند الأصاغر ، ويزيد عليه تحقير الأكابر ، وهذا الطامة التي ابتلي بها الأوائل ، وما زلنا نعيش في نيرها بعدما اشتدت توقداً ، أذكر أمراً عاينته وهو أنه لفت انتباهي الإقبال الشديد على كتاب من الكتب التجارية الغالية الثمن في بلادي ، وعندما تصفحته وجدته محشواً كذباً على الله ورسوله ، والغريب أن أكثر النسخ قد نفدت لشدة الإقبال ، و أعيد تصويرها ، وعندما خرج كتيب صغير الحجم قليل الثمن غزير العلم ينبه الناس من هذه الأكاذيب التي غرق الناس في وحلها ، كان الناس في زهد من اقتنائه ، فسألت متعجباً صديقاً لي صاحب تجربة من أهل العلم عن ذلك فقال : الناس تحب من يخرجها من واقعها الأليم ، ويغرقها في بحر من الخيال والأوهام حتى لو علمت بأنه كاذب ، فإذا جاء من يخرجها من هذه الأوهام ، أو بعبارة أخرى يوقظها من أضغاث الأحلام ، استنفرت وفرت .
أقول : أليس ذلك شكل من أشكال التماس العلم عند الأصاغر ، وطبيعة الناس ونفسيتهم معززة لوجودهم ، ولتصدرهم أمراً ليسوا من أهله .

*العلامة الثالثة : خروج الكذابين وأدعياء النبوة i
مُساهمة طارق فتحي في الإثنين 3 يونيو 2013 - 4:26


هذه العلامة يمكن تقسيمها إلى فقرتين :
الفقرة الأولى : خروج أدعياء النبوة :
/ - عَنْ ثَوْبَانَ t قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r : } إِنَّهُ سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي ثَلَاثُونَ كَذَّابُونَ كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ لَا نَبِيَّ بَعْدِي . { ([1])
/ - عن ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ : } بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ أَنَّهُ وُضِعَ فِي يَدَيَّ سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ فَفُظِعْتُهُمَا وَكَرِهْتُهُمَا فَأُذِنَ لِي فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا فَأَوَّلْتُهُمَا كَذَّابَيْنِ يَخْرُجَانِ . { فَقَالَ عُبَيْدُاللَّهِ أَحَدُهُمَا الْعَنْسِيُّ الَّذِي قَتَلَهُ فَيْرُوزٌ بِالْيَمَنِ وَالْآخَرُ مُسَيْلِمَةُ . ([2])
شرح :
هذه العلامة من دلائل نبوة المصطفى r ؛ حيث ظهر بعض المتنبئين في آخر عصره كمسيلمة الكذاب في اليمامة والأسود العنسي في اليمن ، واستمرت هذه الظاهرة بعد موته r ؛ حيث خرجت سجاح التميمية في بني تميم ، وطليحة بن خويلد في بني أسد بن خزيمة وذلك في عهد أبي بكر t ، وترادف بعد ذلك خروج أدعياء النبوة فما من قرن إلا به من ادعاها ، وكان له أتباع وشوكة منهم المختار بن أبي عبيد الثقفي الذي غلب على الكوفة في أول خلافة ابن الزبير وبدأ دعوته بإظهار حب آل البيت والمطالبة بقتلة الحسين ثم زعم أن جبريل r كان يتنزل عليه ، وقد قتل المختار سنة بضع وستين .
ومن مدعي النبوة أيضاً الحارث الكذاب الذي خرج في خلافة عبد الملك بن مروان فقتل . ([3])
وفي العصور القريبة خرج أحمد القادياني في الباكستان وادعى النبوة ، بل ادعى أنه المسيح الموعود وله ضلالات كثيرة ، وأتباعه يعرفون بالقاديانية أو الأحمدية ، وكذلك خرج علينا علي محمد الشيرازي في إيران والذي اعتبر نفسه باب المهدي ؛ أي الممهد لخروجه ، الذي كان من أتباعه حسين علي الملقب ببهاء الله ، وهذا الأخير قد ادعى إلغاء الأديان واعتبر نفسه مظهر الله الحقيقي الذي بشر به جميع الأنبياء وأدعياء هذه الفرقة تعرف بالبهائية أو البابية ، وهي من المذاهب الهدامة المستغلة من أعداء الأمة ، ([4]) وآخر من خرج علينا المدعو رائيل زعيم الطائفة الرائيلية الذي ادعى النبوة وادعى التقائه بالأنبياء .
والملاحظ في الأحاديث السابقة أنها ركزت على أدعياء النبوة ، ويراد بهم من كان له أتباع وشوكة ، وقد بينت الأحاديث السابقة أنهم ثلاثون ، وفي أثر أن آخرهم الدجال الذي يدعي الألوهية ، وورد في أثر مرفوع بسند جيد عند الإمام أحمد أن عدد أدعياء النبوة سبعة وعشرون منهم أربعة نسوة ، فيكون المراد بعدد الثلاثين هنا جبر الكسر ، ويؤيد هذا الرأي أثر آخر عن جابر t عند أحمد بأنه قال : قريب من ثلاثين .
هذا بالنسبة لأدعياء النبوة ممن كان لهم شوكة ، أما من ادعى النبوة دون أن يكون له أتباع وشوكة فهؤلاء كُثر ، ولا يكاد يخلو منهم عصر أو قطر ، وكان لهم تفانين في ادعاء النبوة ، منها أن إحدى النساء التي ادعت النبوة قد استدلت على دعواها بحديث النبي r : لا نبي بعدي حيث قالت أن النبي r قال : لا نبي بعدي ولم يقل : لا نبية .
وبعضهم غير اسمه وسمى نفسه » لا « ، واعتبر أن حرف النفي في الحديث السابق هو اسم واعتبر أن المراد بالحديث بأنه سيكون نبيٌ بعد محمد r يكون اسمه لا ، وهكذا للكذب طرائف وتفانين لا يخلوا منها عصر .
الفقرة الثانية : خروج الكذابين :
/ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ : } يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ يَأْتُونَكُمْ مِنَ الْأَحَادِيثِ بِمَا لَمْ تَسْمَعُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ لَا يُضِلُّونَكُمْ وَلَا يَفْتِنُونَكُمْ .{ ([5])
/ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ : } سَيَكُونُ فِي آخِرِ أُمَّتِي أُنَاسٌ يُحَدِّثُونَكُمْ مَا لَمْ تَسْمَعُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ { ([6])
/ - عن أبي الجلاس قال : سمعت علياً t يقول لعبد الله السبئي : « وَيْلَكَ ! وَاللهِ مَا أَفْضَى رَسُولُ اللهِ r إِلَيَّ شَيْئًا كَتَمَهُ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ ، وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ ، يَقُولُ : إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ ثَلاَثِينَ كَذَّابًا وَإِنَّكَ لأَحَدُهُمْ .» ([7])
شرح :
هذه الآثار تشير إلى خروج كثير من الدجالين والكذابين بين يدي الساعة ، ولا يشترط إدعاؤهم النبوة كما في الفقرة السابقة ، والأثر الأول والثاني يشيران إلى أن هذه الظاهرة تتضح في آخر الزمان ، أو في آخر الأمة .
وقد دلت الأحاديث إلى بعض أوجه الدجل التي يخرج بها هؤلاء ؛ حيث يحدثون الناس بأخبار وأحاديث مضلة لم يسمع بها المسلم أولم يعهد أي أثارة من علم السابقين عنها ، ولعل الأحاديث السابقة تشير إلى ظاهرة وضع الأحاديث واختلاق الأكاذيب ونسبها للصحابة وغيرهم ، وهذه العلامة بهذا الوصف يشهد الماضي والحاضر بصحتها ، و ما زلنا نسمع بكثير من الأحاديث التي تنسب إلى رسول الله أو إلى غيره من الصحابة والتابعين فيما يتعلق بأسماء وشخصيات ومعارك معاصرة كحرب العراق وأفغانستان ، و من نظر إلى تلك الأكاذيب فإنه لا يساوره شك بأنها من نسج الحاضر .

*النبي يحذر امته قرب الفتن
تحذير النبي r من قرب الفتن
/ - عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها قَالَتِ : } اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ r ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الْفِتَنِ وَمَاذَا فُتِحَ مِنَ الْخَزَائِنِ أَيْقِظُوا صَوَاحِبَاتِ الْحُجَرِ فَرُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الْآخِرَةِ . { ([1])
شرح غريب الحديث :
أنزل : المراد بالإنزال هنا إعـلام الملائكة للنبي r بما قُدر من فتن ستقع فيها الأمة ، أو أن النبي r أوحي إليه في نومه ذاك بما سيقع بعده من الفتن فعبر عنه بالإنزال
الخزائن : أي ما سيفتح على المسلمين من خزائن كسرى وقيصر ، وما يترتب على ذلك من فتن . وقد يكون المراد بفتح الخزائن ما ينزل من الفتن فتكون تأكيداً للعبارة السابقة .
صواحبات الحجر : أراد النبي r أزواجه، وإنما خصهن بالإيقاظ لأنهن حاضرات حينئذ.
شرح الحديث :
- الحديث فيه إشارة إلى قرب الفتن ورؤية النبي r لها وتعجبه من كثرتها أو عظم خطرها ، فبدأ بأقرب الناس إليه وهن نسائه لإيقاظهن للصلاة في جوف الليل لتكون صلاتهن جنة لهن من هذه الفتن التي ستعرض للصحابة ، وفي الحديث إشارة إلى أن الصلاة في جوف الليل من العواصم من الفتن .
- يقول ابن حجر : « وفي الحديث استحباب الإسراع إلى الصلاة عند خشية الشر كما قال تعالى : ( واستعينوا بالصبر والصلاة ) وكان r إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة , وأمر من رأى في منامه ما يكره أن يصلي... وفيه التسبيح عند رؤية الأشياء المهولة , وفيه تحذير العالم من يأخذ عنه من كل شيء يتوقع حصوله , والإرشاد إلى ما يدفع ذلك المحذور » ([2])
/ - عن أُسَامَةَ بن زيد t قَالَ : أَشْرَفَ النَّبِيُّ r عَلـَى أُطُمٍ مِنْ آطَامِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ : } هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَى ؟ إِنِّي لَأَرَى مَوَاقِعَ الْفِتَنِ خِلَالَ بُيُوتِكُمْ كَمَوَاقِعِ الْقَطْرِ . { ([3])
شرح غريب الحديث :
أرى : يحتمل أن تكون بمعنى العلم ، أو أن الفتن قد مثلت له فرآها رأي العين ، كما مثلت له الجنة والنار .
أشرف : نظر من مكان مرتفع
أطم : جمعها آطام وهي الحصون التي تبنى من الحجارة .
مواقع القطر : مواضع سقوط المطر ، شبه سقوط الفتن وتواليها بسقوط المطر في الكثرة والعموم .
شرح :
- يحذر النبي r صحابته الكرام من الفتن القريبة منهم ، وبدأ تحذيره بصيغة استفهام ، وورد في رواية أن الصحابة قالوا للرسول r : لا ؛ أي لا نرى ما تراه ، ثم بين لهم النبي r ما كشف الله له أو ما أعلمه من فتن مستقبلية ستحل في مدينتهم وتعمها وشبه نزولها بالمطر للدلالة على عموم هذه الفتن وانتشارها ، وهذا ما وقع كما أخبر النبي r فقد بدأت الفتنة بالمدينة بمقتل عثمان t ثم
عمت البلاد بعدها .
- هذا الحديث يعتبر من دلائل النبوة ؛ ووجه الإعجاز فيه الإخبار بأن الفتن ستتوالى على الصحابة فهي كالمطر ، وهي خلال البيوت ؛ أي سيكون لكل بيت نصيب منها وإن قل ، وتخصيص كون بداية الفتن في المدينة ، وهذا ما حصل ؛ حيث كان مقتل عثمان t الشرارة الأولى لتلك الفتن ، يقول ابن حجر : « وإنما اختصت المدينة بذلك لأن قتل عثمان رضي الله عنه كان بها , ثم انتشرت الفتن في البلاد بعد ذلك , فالقتال بالجمل وبصفين كان بسبب قتل عثمان , والقتال بالنهروان كان بسبب التحكيم بصفين وكل قتال وقع في ذلك العصر إنما تولد عن شيء من ذلك أو عن شيء تولد عنه . ثم أن قتل عثمان كان أشد أسبابه الطعن على أمرائه ، ثم عليه بتوليته لهم , وأول ما نشأ ذلك من العراق وهي من جهة المشرق فلا منافاة بين حديث الباب وبين الحديث الآتي أن الفتنة من قبل المشرق. » ([4])
/ - عن أبي سعيد الخدري t قال ، حدثني زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ t قَالَ : } بَيْنَمَا النَّبِيُّ r فِي حَائِطٍ لِبَنِي النَّجَّارِ عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ وَنَحْنُ مَعَهُ إِذْ حَادَتْ بِهِ فَكَادَتْ تُلْقِيهِ وَإِذَا أَقْبُرٌ سِتَّةٌ أَوْ خَمْسَةٌ أَوْ أَرْبَعَةٌ قَالَ كَذَا كَانَ يَقُولُ الْجُرَيْرِيُّ فَقَالَ مَنْ يَعْرِفُ أَصْحَابَ هَذِهِ الْأَقْبُرِ فَقَالَ رَجُلٌ أَنَا قَالَ فَمَتَى مَاتَ هَؤُلَاءِ قَالَ : مَاتُوا فِي الْإِشْرَاكِ فَقَالَ : إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا فَلَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الَّذِي أَسْمَعُ مِنْهُ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ قَالُوا : نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ فَقَالَ تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ قَالُوا نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ قَالَ تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ قَالَ : تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ قَالُوا : نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ . { ([5])
شرح :
في الحديث درس عملي للاستجارة بالله من عظائم الأمور ،بدأها النبي r بأقرب هذه العظائم وهي عذاب القبر وفتنته ، ولعل سياق القصة كان وراء البدء به ، ولم يقتصر النبي r عليه ، بل نبه الصحابة للاستعاذة بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن ، وفي هذا إشارة إلى أن مجموع الفتن لا يكون ظاهراً للجميع بل هناك فتن باطنة قد يقع فيها الإنسان دون إدراك منه أو تمييز لها ، وهذا يتفق مع كون الفتنة يلتبس فيها الحق بالباطل والخير بالشر ، بل قد تدخل على قلب الإنسان من باب الخير .
ثم نبه الصحابة للاستجارة من فتنة الدجال ، وهذا من باب عطف الخاص على العام ، وتخصيص هذه الفتنة عن غيرها لعظم خطرها وشموله .
/ - عَنْ أَنَسٍ t أن الصحابة سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ r حَتَّى أَحْفَوْهُ الْمَسْأَلَةَ فَغَضِبَ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ } لَا تَسْأَلُونِي الْيَوْمَ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا بَيَّنْتُهُ لَكُمْ ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ يَمِينًا وَشِمَالًا ، فَإِذَا كُلُّ رَجُلٍ لَافٌّ رَأْسَهُ فِي ثَوْبِهِ يَبْكِي فَإِذَا رَجُلٌ كَانَ إِذَا لَاحَى الرِّجَالَ يُدْعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! مَنْ أَبِي ؟ قَالَ : حُذَافَةُ . ثُمَّ أَنْشَأَ عُمَرُ فَقَالَ : رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا ، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا ، وَبِمُحَمَّدٍ r رَسُولًا نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ . { ([6])
شرح الغريب :
أحفوه : أي ألحوا عليه في المسألة .
لاحى : خاصم
شرح :
في الحديث إشارة إلى أن أكثر أسئلة الصحابة في ذلك المقام كان في الغيبيات والأمور المستقبلية ، يرشد إلى ذلك تعـوذ عمر t من الفتن ، ويؤكـد ذلك رواية
البخاري أن الرسول r قال : ما رأيت كالخير والشر كاليوم قط .
كذلك في الحديث إشارة إلى ضرورة التعوذ من الفتن .
/ - عَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ قَالَ: ايْمُ اللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ r يَقُولُ : } إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنِ إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنُ وَلَمَنِ ابْتُلِيَ فَصَبَرَ فَوَاهًا . { ([7])
شرح الغريب :
إيم الله : أحد أشكال القسم بالله
فواها : المراد بها في الحديث التعجب ؛ أي كأنه قال ما أحسن وما أطيب من ابتلي فصبر على البلاء .
شرح :
1- الحديث فيه إشارة إلى ضرورة تجنب الفتن وعدم التعرض إليها ؛ واعتبره النبي r عنوان سعادة صاحبه ، فالملابس للفتنة والمتعرض لها لا بد سيصيبه من غبارها ؛ لذا كان تجنبها من أصلها أسلم ، وقد أكد النبي r هذا الأمر ثلاث مرات ليعزز فكرة الحذر من الفتن وتوخي تجنبها .
2- أحياناً يحاول الإنسان تجنب الفتن ألا أن الفتن تدركه مع هربه منها ، وأحياناً يدخل البعض في غمارها فيباشرها ، أو يسعى فيها ظاناً أنه سيسلم من لذغاتها ، فتصيبه الفتن ببلاءاتها ، فإن صبر الإنسان على الابتلاء ، وثبت على اعتصامه بالدين ، فهذا الإنسان محط إعجاب رسول الله r .
3- والمعلوم أن كل أمر أُشبه على المسلم ، ولم يستبن فيه الحق من الباطل فهو من الفتن الواجب اجتنابها ، خاصة إذا ترتب على هذا الأمر فرقة أو اختلاف قلوب أو الخوض في الدماء ، أو يكون للسان فيها وقع أشد من السيف في إثارة النفوس وتهييجها .
/ - عَنْ أَبِي مُوسَى t قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r : } أُمَّتِي هَذِهِ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ لَيْسَ عَلَيْهَا عَذَابٌ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُهَا فِي الدُّنْيَا الْفِتَنُ وَالزَّلَازِلُ وَالْقَتْلُ . { ([8])
شرح :
1- هذا الحديث فيه بشارة لأمة محمد r باختصاصها من بين سائر الأمم بعناية الله ورحمته ، يدل على ذلك قول النبي r هذه قبل قوله أمة مرحومة ، وجانب الرحمة لهذه الأمة أنها تبتلى ببلايا تكون كفارة لها على ذنوبها في الدنيا ؛ أي أن هذه الأمة تتميز عن غيرها بتعجيل عقوبات الذنوب الموجبة للنار في الدنيا ، لتطُهر منها ، و مـن أنواع البلايا المكفرة للذنوب الفتن والزلازل و القتل كما بين الحديث .
2- هناك إشكال في الحديث وهو أن مقتضاه يشير إلى أنه لن يدخل النار أحد من أمة محمد r مع أنه ثبت أن أفراد من الأمة يدخلون النار بسبب معاصيهم ، و يمكن دفع هذا الإشكال بأن المراد بالأمة هنا أصحاب رسول الله r على وجه الخصوص يدل على ذلك قول النبي r أمتي هذه ؛ أي الموجودون الآن أو قرنه ، أو يراد به جماعة من الأمة لم تأت ، أو يراد به من كان من الأمة على مثل ذنوب الصحابة دون من غير وبدل منها ؛ أي الفرقة الناجية من السبعين فرقة فهذه إن كان في أفرادها بعض الذنوب ؛ تأتي المصائب والفتن كفارات لها .
3- الحديث فيه إشارة إلى أن الأمة سيكثر فيها الفتن والمصائب ، وواقع الأمة يشهد لذلك منذ الرعيل الأول – أي زمان فتنة مقتل عثمان – إلى عصرنا الحاضر ، بل نلحظ أن الفتن والمصائب قد أحكمت قبضتها على الأمة في زماننا حتى أصبحت موطناً لها من دون الأمم ، بل أصبحت هذه الأمة وتعاليم دينها هي المتهم الوحيد في عالمنا ، ولعل هذا المعنى يشير إليه الأثر الوارد عن أبي الجلد (_ ) : » ليصيبن أهل الإسلام البلاء والناس حولهم يرتعون ،حتى إن المسلم ليرجع يهودياً أو نصرانياً من الجهد . « ([9]) .
4- الحديث يبث روح الطمأنينة في قلوب المخلصين ويدفع عن قلوبهم الشك ؛ إذ قد يضطرب البعض عندما يرى ما أصاب الأمة من دون الأمم من فتن أو بلاءات ، أو ما يلحق الصالحين من الأمة على وجه الخصوص من مصائب ، فيظن أن هذه عقوبة ما بعدها يوم القيامة يكون أشد منها ؛ فجاءت الإشارة في الحديث لدفع هذا التوهم من القلب ، وإثبات خلافه وهو أن ما يصيب الأمة في الدنيا ما هو إلا عنوان من عناوين الرحمة بها بتعجيل عقوبة بعض الذنوب في الدنياً ، وهذا المعنى دل عليه القرآن في مواضع عدة ، و أشار إليه النبي r عندما رأى عمر t يبكي لحال النبي r عندما أثر في جنبه الحصير وهو رسول الله r وكسرى وقيصر يتنعمون في الثمار والأنهار ، فقال له :} يَا ابْنَ الْخَطَّابِ أَلَا تَرْضَى أَنْ تَكـُونَ لَنَا الْآخِرَةُ وَلَهُمُ الدُّنْيَا . قُلْتُ : بَلَى

*الدولة الالهيــــه
قلم الأستاذ هشام طلبة
الباحث في الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة
قال تعالى: (مّحَمّدٌ رّسُولُ اللّهِ وَالّذِينَ مَعَهُ أَشِدّآءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكّعاً سُجّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّنَ اللّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مّنْ أَثَرِ السّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىَ عَلَىَ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزّرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفّارَ وَعَدَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ مِنْهُم مّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً)[الفتح 29].
قبل أن نخوض فى المثلين يستلفت نظرنا المصطلح الذى عبر عن الدولة الإلهية(مّحَمّدٌ رّسُولُ اللّهِ وَالّذِينَ مَعَهُ) فهذا المصطلح استعمل فى كتب اليهود القديمة. على سبيل المثال, كتاب عزرا الرابع (4:28) (المسيا … (الذين معه ), بل فى إنجيل متى (31:25) : ” وإذا جاء ابن الإنسان فى مجده تواكبه جميع الملائكة” (أى أتباعه الملائكيين), وهو نفس المصطلح المستخدم فى نبوءة
(تثنية33:2):” ومعه عشرات الألوف من الملائكة ” , كذلك فى كتاب “الزندافتسا” المقدس عند الزرادشتية (المجوس) نجد دائما كلاما كثيرا عن “النبى المنتظر ورفاقه”..” Soshyos And his Companions”. ـ(1)
تتكلم الآية السابقة عن مثلين للنبى (صلى الله عليه وسلم ) وأصحابه (الدولة الإلهية) يتحدى الله بوجودهما فى كتب السابقين :التوراة والإنجيل.
أما المثل الأول فنجده بالفعل فى كتاب من كتب التوراة (العهد القديم) ألا وهو المزمور (149) فى نبوءة عن أتباع المسيح المنتظر (باتفاق مفسرى الكتاب المقدس) “ليسبحوا اسمه بالرقص ليرنموا له على عزف الدف والعود(2) : الرب يسر بشعبه, يجمل الودعاء بالخلاص ليبتهج الأتقياء بهذا المجد .
يرنمون على أسرتهم (3) . ليهتفوا مسبحين الرب ملئ أفواههم وليتقلدوا بسيف ذى حدين فى أيديهم , لتنفيذ الإنتقام فى الأمم , ومعاقبة الشعوب “(3:149-7) أولئك “المسبحين الرب ملئ أفواههم ” وفى نفس الوقت” يتقلدون بسيف ذى حدين “(4) هم “الأشداء على الكفار” وفى نفس الوقت “رحماء(5) بينهم تراهم ركعًا سجدًا ” .
أما المثل الثانى فى الآية القرآنية السابقة (وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ) فكنا نرى مثلا قريباً منه في أناجيل متى ومرقص ولوقا, ألا وهو مثل بذرة الخردل,”و قال الرب: ماذا يشبه ملكوت الله (6) ؟ و بماذا أشبهه؟ اٍنه يشبه بذرة خردل أخذها إنسان وألقاها في بستانه, فنبتت وصارت شجرة عظيمة, وآوت طيور السماء في أغصانها” (لوقا 13:18,19).

كتاب باللغة الإنكليزية يتكلم عن مكتبة نجع حمادي المكتشفة في الصعيد والتي دفنت في القرن الرابع الميلادي وتتبع طائفة الغنوص المسيحية المنقرضة
· أما الآن و بعد اكتشاف مخطوطات نجع حمادي عـام 1945م (مخطوطات نجع حمادى دفنت فى القرن الرابع الميلادى وتتبع طائفة الغنوص المسيحية المنقرضة )(7).
فقد وجدنا في إحدى تلك المخطوطات تشبيهاً يكاد يتطابق مع المثل القرأني. تلك المخطوطة هي “رسالة جيمس السرية” The Apocryphon Of James” ـ (Cool (حيث يشبه المؤلف مملكة السماء-و هي دولة المسيح المنتظر, يشبهها بنخلة خرج منها برعم (شطأ-فراخ)ثم تدلي من هذا البرعم ثمار حوله, وأخرجت هذه الثمار ورقاً.و حين شبت استغلظت هذه الثمار تسببت في جفاف منبعها. و أصبحت هذه الثمار (الخارجة من البرعم) مع تلك الخارجة من الشجرة الأصلية.
“Do not allow the kingdom of heaven to wither; for it is like a palm shoot whose fruit has dropped down around it . they (I.E, the fallen fruits) put forth leaves, and after they had sprouted , they caused their womb to dry up. So it is also with the fruit which had grown from this single root.
يختلف هذا التشبيه عن مثل حبة الخردل في أنه بدأ بالزرع (الشجرة) كما بدأ المثل القرأني و لم يبدأ ببذرة. كما أنه يذكر الشطأ (البرعم) و قد ذكر الكتاب (رسالة جيمس السرية) أمثلة أخرى لملكوت السماء عدا مثل “برعم الشجرة”, وعد منها مثل الحبة أى أن الكتاب فرق تماماً بين المثلين.
(2) هذه الفقرة لا نجدها فى القرآن بالطبع .
(3) تذكرنا بقوله تعالى (الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم … ) آل عمران:191 .
(4) ذلك السيف كان مشهورا عند العرب .
(5) الرحماء هم الودعاء حسب النص التوراتى ( المزامير149) .
(6)مع أن العهد القديم يفهم منه تماماً أن مملكة الله أو ملكوت الله هو دولة الله أو الدولة الاٍلهية” .. لأن الرب رزقني بنين كثيرين اصطفي سليمان ابني ليجلس على عرش ملك الرب علي اٍسرائيل ” ( أخبار أيام أول 28:5),واٍذا ذكرت مملكة الله في صيغة نبوءة قصد بها تلك الدولة التى يقيمها نبى آخر الزمان,مزامير 45:6و 145 :11-13 وغيرها . ورغم ذلك يفسرها النصارى (على أنها جنة سماوية لا مجال للمجتمع فيها بينما يفسرها فريق آخر (الألفيين-Premillennium) على أنها مملكة أرضية سوف يقيمها المسيح عيسى عندما يجيئ ثانية حسب أعتقادهم (ملكوت الله) : د . فهيم عزيز ص204,205بتصرف.
(7) مخطوطات نجع حمادى دفنت فى القرن الرابع الميلادى وتتبع طائفة الغنوص المسيحية المنقرضة . تلك الطائفة كان عندها تثليث يختلف عن تثليث النصارى الحالى . إذ كان عندهم الآب والإبن والأم لا الروح القدس (The nag hammadi library-J.M.Robinson P.208وقد كتبت تلك المخطوطات فى القرن الأول والثانى الميلادى فى الأصل باليونانية ثم ترجمت إلى القبطية (اللغة التى وجدت مكتوبة بها ) فى عدد من الأماكن فى مصر وقد استغرقت عملية الترجمة هذه أكثر من قرن من الزمان (المرجع السابق ص14) وقد دفنت هذه المخطوطات في تلال نجع حمادي في صعيد مصر مخافة بطش الرومان الذين كان لهم عقيدة نصرانية مخالفة(المرجع السابق ص5 _ 23).
(Cool كلمة Apocryphon تعني كتاب سري _ المرجع السابق ص29 _ أي يمنع أي فرد من غير طائفة القنوص الإطلاع عليها .
العجيب أيضاََ أن تكون الشجرة التي يخرج منها البرعم نخلة وهي الشجرة التي يشبه النبي صلى الله عليه وسلم المؤمن بها ” مثل المؤمن مثل النخلة, ما أخذت منها من شيئ ينفعك “
ومن الطريف أيضاً أن سفرأ شعيا (4:2) في نبوءة مسيحانية يعبر عن المسيا بالشطأ : ” في ذلك اليوم يكون نبت الرب بهاءً ” . فالكلمة الأصلية في العبرية لنبت هي ” صمح ” وهي تعني أولاً الشطأ أو البرعم !!.
__________________
(1) حديث صحيح رواه الطبراني عن ابن عمر ( صحيح الجامع الصغير و زيادته –للألبانى المجلد الثانى ص1018) .
avatar
طارق فتحي
المدير العام

عدد المساهمات : 2805
تاريخ التسجيل : 19/12/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alba7th.3oloum.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى