مـنـتـديــات الــبـــاحـــث
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

* إنكار أحاديث نزول عيسى عليه السلام آخر الزمان -رهن النبي درعه عند اليهودي

اذهب الى الأسفل

 * إنكار أحاديث نزول عيسى  عليه السلام آخر الزمان -رهن النبي درعه عند اليهودي Empty * إنكار أحاديث نزول عيسى عليه السلام آخر الزمان -رهن النبي درعه عند اليهودي

مُساهمة  طارق فتحي الثلاثاء ديسمبر 16, 2014 6:27 pm

مضمون الشبهة:
يطعن بعض المغرضين في صحة أحاديث نزول عيسى - عليه السلام - آخر الزمان، ويرون أنها لا تتعدى أن تكون خرافة دسها اليهود والنصارى في الدين الإسلامي.
مستدلين على ذلك بأنها أخبار آحاد تفيد الظن ولا تفيد اليقين، ولا يعتمد في العقائد على الظن، بالإضافة إلى أن القرآن ليست فيه إشارة إلى نزول المسيح - عليه السلام - كما قالت الأحاديث، بل إن هذه الأحاديث تتناقض مع قوله تعالى: )إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا( (آل عمران: 5٥)، وقوله تعالى - حاكيا عن عيسى عليه السلام: )فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم( (المائدة: ١١٧)، وقوله تعالى: )وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون (34)( (الأنبياء).
ويتساءلون كيف ينزل عيسى ابن مريم - عليه السلام - بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - والله تعالى يقول: )ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين( (الأحزاب:٤٠)، وقد جاء في الحديث الصحيح: «لا نبي بعدي»؟!
وجوه إبطال الشبهة:
1) لقد تعددت آيات القرآن الكريم التي تثبت نزول عيسى ابن مريم - عليه السلام - آخر الزمان، وأن الله رفعه إليه حيا، وأما الأحاديث التي جاءت بذلك فهي صحيحة متواترة، قال بتواترها أعلام الحديث؛ كابن كثير، والمباركفوري، والشوكاني، والغماري، والكشميري، وأحمد شاكر، والألباني، وقد جاوزت الأحاديث في ذلك سبعين حديثا، فوجب تصديقها.

2) لا تعارض مطلقا بين قوله تعالى: )إني متوفيك ورافعك إلي( وبين القول بنزول عيسى عليه السلام؛ لأن المعنى: إن رافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا، ومتوفيك بعد أن تنزل من السماء، وقوله تعالى: )فلما توفيتني(؛ أي: لـما رفعتني إلى السماء، وأما قوله تعالى: )وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد(؛ أي: قضى الله تعالى أن لا يخلد في الدنيا بشر، وعيسى - عليه السلام - مهما طال عمره فسوف يموت.

3)  لا تعارض ألبتة بين أحاديث نزول عيسى - عليه السلام - وكون النبي - صلى الله عليه وسلم - خاتم النبيين؛ فقد دلت هذه الأحاديث صراحة على نزوله حكما مقسطا يحكم بشريعة الإسلام، وليس نبيا.

التفصيل:
أولا. الأحاديث الواردة في نزول عيسى - عليه السلام - متواترة، وقد أشار القرآن إلى نزوله في أكثر من موضع:
لقد جاء في نزول عيسى - عليه السلام - أكثر من خمسين حديثا مرفوعا، أكثرها من الصحاح. منها ما ورد في الصحيحين باتفاق، ومنها ما ورد في صحيح البخاري، ومنها ما ورد في صحيح مسلم، ومنها ما أخرجه أصحاب السنن والمسانيد والمعاجم وغيرها.
فمن الأحاديث التي أخرجها الشيخان في صحيحيهما: ما رواه أبو هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد»[1].
قال النووي في شرحه: قوله صلى الله عليه وسلم: «فيكم» أي: في هذه الأمة، وإن كان خطابا لبعضها ممن لا يدرك نزوله، وقوله صلى الله عليه وسلم: «حكما» أي: ينزل حاكما بهذه الشريعة، لا ينزل نبيا برسالة مستقلة وشريعة ناسخة، بل هو حاكم من حكام هذه الأمة.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «ويضع الجزية» فالصواب في معناه أنه لا يقبلها، ولا يقبل من الكفار إلا الإسلام، ومن بذل منهم الجزية لم يكف عنه بها، بل لا يقبل إلا الإسلام أو القتل... وعلى هذا قد يقال: هذا خلاف حكم الشرع اليوم، فإن الكتابي، إذا بذل الجزية وجب قبولها، ولم يجز قتله ولا إكراهه على الإسلام. وجوابه: أن هذا الحكم ليس بمستمر إلى يوم القيامة، بل هو مقيد بما قبل عيسى - عليه السلام - وقد أخبرنا النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذه الأحاديث الصحيحة بنسخه، وليس - عليه السلام - هو الناسخ، بل نبينا - صلى الله عليه وسلم - هو المبين للنسخ، فإن عيسى يحكم بشرعنا. فدل على أن الامتناع من قبول الجزية في ذلك الوقت هو شرع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم" [2].
وروى البخاري أن أبا هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم»[3].
وروى مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، قال: فينزل عيسى ابن مريم - عليه السلام - فيقول أميرهم: تعال صل لنا. فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة»[4].
وأخرج مسلم - أيضا - في حديث طويل في الفتن عن عبد الله بن عمر؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أراني ليلة عند الكعبة، فرأيت رجلا آدم كأحسن ما أنت راء من أدم الرجال، له لمة[5] كأحسن ما أنت راء من اللمم. قد رجلها[6] فهي تقطر ماء، متكئا على رجلين - أو على عواتق رجلين - يطوف بالبيت، فسألت من هذا؟ فقيل: هذا المسيح ابن مريم...»[7] الحديث.
وليس هذا فحسب، بل لقد حدد - صلى الله عليه وسلم - في أحاديثه المكان الذي سينزل فيه عيسى - عليه السلام - ويقتل الدجال.
من ذلك ما رواه النواس بن سمعان أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر الدجال فقال: «إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم... إلى أن قال: ثم ينزل عيسى ابن مريم عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، فيدركه عند باب لد فيقتله»[8].
هذه بعض الأحاديث الصحيحة في نزول عيسى - عليه السلام - آخر الزمان، وهناك غيرها العديد من الأحاديث الصحيحة أيضا.
يقول الإمام الشوكاني: وقد ورد في نزول عيسى - عليه السلام - من الأحاديث تسعة وعشرون حديثا، ثم سردها، وقال بعد ذلك: وجميع ما سقناه بالغ حد المتواتر كما لا يخفي على من له فضل اطلاع[9].
"قال القاضي - رحمه الله تعالى: نزول عيسىـ عليه السلام - وقتله الدجال حق وصحيح عند أهل السنة؛ للأحاديث الصحيحة في ذلك، وليس في العقل ولا في الشرع ما يبطله، فوجب إثباته"[10].
وقال العظيم أبادي: "تواترت الأخبار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في نزول عيسى ابن مريم - عليه السلام - من السماء بجسده العنصري إلى الأرض عند قرب الساعة، وهذا هو مذهب أهل السنة"[11].
وذكر ابن حجر أن أبا الحسن الخسعي قال: "تواترت الأخبار بأن المهدي من هذه الأمة وأن عيسى يصلي خلفه"[12].
وقال الحافظ ابن كثير - رحمه الله - معلقا على أحاديث نزول عيسى عليه السلام: "فهذه أحاديث متواترة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من رواية أبي هريرة وابن مسعود، وعثمان بن أبي العاص، وأبي أمامة، والنواس بن سمعان، وعبد الله بن عمرو بن العاص، ومجمع بن حارثة، وأبي شريحة، وحذيفة بن أسيد - رضي الله عنهم - وفيها دلالة على صفة نزوله ومكانه، من أنه بالشام، بل بدمشق عند المنارة الشرقية، وأن ذلك يكون عند إقامة صلاة الصبح"[13]
وقال الغماري: "وقد ثبت القول بنزول عيسىـ عليه السلام - عن غير واحد من الصحابة والتابعين وأتباعهم، والأئمة والعلماء من سائر المذاهب على مر الزمان إلى وقتنا هذا، وقد تواتر هذا تواترا لا شك فيه بحيث لا يصح أن ينكره إلا الجهلة الأغبياء؛ كالقاديانية ومن نحا نحوهم؛ لأنه نقل بطريق جمع عن جمع حتى استقر في كتب السنة التي وصلت إلينا تواترا بتلقي جيل عن جيل".
وممن جمع الأحاديث في نزول عيسى - عليه السلام - الشيخ محمد أنور شاه الكشميري في كتابه"التصريح بما تواتر في نزول المسيح "فذكر أكثر من سبعين حديثا[14].
وقال الشيح أحمد شاكر: "نزول عيسى - عليه السلام - في آخر الزمان مما لم يختلف فيه المسلمون؛ لورود الأخبار المتواترة الصحاح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك... وهذا معلوم من الدين بالضرورة لا يؤمن من أنكره"[15].
وقال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني: اعلم أن أحاديث الدجال، ونزول عيسى - عليه السلام - متواترة، يجب الإيمان بها، ولا تغتر بمن يدعي فيها أنها أحاديث آحاد فإنهم جهال بهذا العلم، وليس فيهم من تتبع طرقها، ولو فعل لوجدها متواترة، كما شهد بذلك أئمة هذا العلم؛ كالحافظ ابن حجر وغيره، ومن المؤسف حقا أن يتجرأ البعض على الكلام فيما ليس من اختصاصهم لا سيما والأمر دين وعقيدة[16].
فدل ذلك على أن الأحاديث التي أخبرت بنزول عيسى - عليه السلام - آخر الزمان أحاديث متواترة وليست آحاد - مع العلم أن أحاديث الآحاد إن صحت وجب تصديقها؛ لذلك فهي تفيد اليقين لا الظن، وبهذا فلا حجة لهم في ردها؛ إذ لا يخفى على كل منصف أن نزول عيسى ابن مريم إلى الأرض حكما مقسطا بذاته الشريفة ثابت بالأحاديث الصحيحة.
هذا عن نزول عيسى ابن مريم آخر الزمان في الأحاديث، أما الزعم أن القرآن لم يذكر هذا الأمر فهو زعم باطل، فقد دلت الآيات القرآنية دلالة صريحة على نزول عيسى - عليه السلام - ومن هذه الآيات قوله تعالى: )وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا (159)( (النساء).
وقد نقل ابن كثير عن الطبري ترجيحه لأولى الأقوال في تفسير هذه الآية: "وهو أنه لا يبقى أحد من أهل الكتاب بعد نزول عيسى - عليه السلام - إلا آمن به قبل موت عيسى - عليه السلام - ثم علق ابن كثير قائلا: ولا شك أن هذا الذي قاله ابن جرير هو الصحيح؛ لأنه المقصود من سياق الآي في تقرير بطلان ما ادعته اليهود من قتل عيسى وصلبه"[17].
والآية بذلك صريحة في أن عيسى - عليه السلام - حي وقت نزول آية النساء هذه، فهل يعقل أن يموت بعدها، ولم يتحقق ما أخبرت به الآية بعد؟!
وقوله تعالى عن عيسى عليه السلام: )ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين (46)( (آل عمران).
قال الطبري: "قد كلمهم عيسى في المهد، وسيكلمهم إذا قتل الدجال، وهو يومئذ كهل"[18].
"وقال أبو العباس: كلمهم في المهد حين برأ أمه فقال: )إني عبد الله( (مريم: ٣) (وأما كلامه وهو كهل فإذا أنزله الله تعالى من السماء، أنزله على صورة ابن ثلاث وثلاثين سنة وهو الكهل، فيقول لهم: "إني عبد الله "كما قال في المهد، فهاتان آيتان وحجتان"[19].
وقال تعالى بعد ذكره عيسى عليه السلام: )وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها واتبعون هذا صراط مستقيم (61)( (الزخرف).
ذكر ابن كثير في تفسيره: أن المراد بذلك نزول عيسى - عليه السلام - قبل يوم القيامة.
ويؤيد هذا المعنى القراءة الأخرى: "وإنه لعلم للساعة" بفتح العين واللام؛ أي: أمارة ودليل على وقوع الساعة.
قال مجاهد: )وإنه لعلم للساعة( (الزخرف: ٦١) أي: آية للساعة خروج عيسى ابن مريم - عليه السلام - قبل يوم القيامة.
وهكذا روي عن أبي هريرة، وابن عباس، وأبي العالية، وأبي مالك وعكرمة، والحسن، وقتادة، والضحاك وغيرهم" [20].
"فهذه الآيات الكريمة والنصوص الصحيحة الثابتة المتواترة عن رسول - صلى الله عليه وسلم - تدل دلالة قاطعة على نزول عيسى ابن مريمـ صلى الله عليه وسلم - من السماء إلى الأرض عند قرب الساعة، ولا ينكر نزوله إلا ضال مضل، معاند للشرع، مخالف لكتاب الله وسنة رسوله، واتفاق أهل السنة"[21].
ثانيا. لا تعارض بين نصوص القرآن والقول بنزول عيسى ابن مريم عليه السلام:
الذي عليه جل المحققين من أهل التفسير أن عيسى - عليه السلام - لم يمت، بل رفعه الله إليه حيا، وهذا لا يعارض قوله تعالى: )إني متوفيك ورافعك إلي(.
قال القرطبي في تفسيرها: "والصحيح أن الله تعالى رفعه إلى السماء من غير وفاة ولا نوم، كما قال الحسن وابن زيد، وهو اختيار الطبري، وهو الصحيح عن ابن عباس، وقاله الضحاك"[22].
ونقل القرطبي - أيضا - عن جماعة من أهل المعاني - منهم الضحاك والفراء - أن القول في الآية "على التقديم والتأخير؛ لأن الواو لا توجب الرتبة - أي الترتيب - والمعنى: إني رافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا، ومتوفيـك بعـد أن تنـزل مـن السمـاء؛ كقولــه: )ولولا كلمة سبقـت مـن ربـك لكـان لزامـا وأجـل مسمـى (129)( (طه)، والتقدير: ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى لكان لزاما[23].
وقال صالح بن فوزان: فهذا دليل على أنه لم يعن بذلك الموت.
إذ لو أراد بذلك الموت لكان عيسى في ذلك كسائر المؤمنين، فإن الله يقبض أرواحهم، ويعرج بها إلى السماء، فعلم أن ليس في ذلك خاصية، وكذلك قوله: )ومطهرك من الذين كفروا( (آل عمران: 55) ولو كان قد فارقت روحه جسده؛ لكان بدنه في الأرض كبدن سائر الأنبياء أو غيره من الأنبياء.
وقد قال تعالى في آية أخرى: )وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا (157) بل رفعه الله إليه( (النساء).
فقوله هنا: )بل رفعه الله إليه( يبين أنه رفع ببدنه وروحه، كما ثبت في الصحيح أنه ينزل ببدنه وروحه؛ إذ لو أريد موته لقال: وما قتلوه وما صلبوه بل مات.
ولذا قال بعض العلماء: )إني متوفيك( (آل عمران: ٥٥) أي: قابضك، أي: قابض روحك وبدنك، يقال: توفيت الحساب واستوفيته، ولفظ التوفي لا يقتضي توفي الروح دون البدن ولا توفيهما جميعا إلا بقرينة منفصلة[24].
وقد يراد به توفي النوم، كقوله تعالى: )الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجـل مسمـى إن فـي ذلك لآيـات لقـوم يتفكـرون (42)( (الزمر)، وقوله تعالى: )وهو الذي يتوفاكم بالليل( (الأنعام: ٦٠) [25].
وعلى أي حال، فإن الترجيح في الآية لغير توفي الموت، وهو ما عليه جماهير المفسرين.
ومن ثم، فإن قوله تعالى في الآية الأخرى: )فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم( (المائدة: ١١٧)، ليس المراد منه توفي الموت، وإنما المراد: فلما رفعتني إلى السماء حيا[26]، "وهذا قول جمهور العلماء"[27].
قال الحسن: الوفاة في كتاب الله - عز وجل - على ثلاثة أوجه: وفاة الموت، وذلك قوله تعالى: )الله يتوفى الأنفس حين موتها( (الزمر: ٤٢)؛ يعني وقت انقضاء أجلها، ووفاة النوم؛ قال الله تعالى: )وهو الذي يتوفاكم بالليل( (الأنعام:٦٠)؛يعني الذي ينيمكم. ووفاة الرفع، قال الله تعالى: )يا عيسى إني متوفيك( (آل عمران: ٥٥)" [28].
وأما الآية الثالثة التي استدل بها على نفي أحاديث نزول عيسى - عليه السلام - آخر الزمان لزعمهم أنها تدل على موته، وهي قوله تعالى: )وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون (34)( (الأنبياء)، فإنها لا تدل على موت عيسى - عليه السلام - أو أنه لا ينزل آخر الزمان، إذ المراد منها: "أن الكفار كانوا يقدرون أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سيموت فيشمتون به في قولهم: )نتربص به ريب المنون (30)( (الطور)، فنفى الله عنه الشماتة بهذه الآية، )أفإن مت فهم الخالدون (34)( أي: قضى الله تعالى أن لا يخلد في الدنيا بشر، لا أنت ولا هم"[29].
وعليه، فلو كانت هذه الآية تدل على موت عيسى - عليه السلام - لكانت الآيتان السابقتان أولى بهذا، فهما قد صرحا بلفظ التوفي لكن على التأويل، فلما امتنع هذا دل دلالة واضحة على أن هذه الآية لا تدل بحال على موت عيسى - عليه السلام - قبل نزوله آخر الزمان، فضلا عن أن الخطاب فيها عام.
ومن ثم، فالقول بأن أحاديث نزول عيسى - عليه السلام - تعارض القرآن هو قول باطل يخالف القرآن الكريم الذي أشار في العديد من آياته إلى نزول عيسى - عليه السلام - كما بينا سابقا.
ثالثا. لا تعارض بين أحاديث نزول عيسى - عليه السلام - وكون محمد خاتم النبيين، ولا نبي بعده:
لا تعارض بين الأحاديث التي قالت بنزول عيسى ابن مريم آخر الزمان وبين الآيات والأحاديث التي أكدت أن محمداـ صلى الله عليه وسلم - خاتم النبيين والمرسلين، وأنه لا نبي بعده أبدا؛ إذ إن عيسىـ عليه السلام - سوف ينزل حكما عدلا، يحكم بشريعة الإسلام، وليس نبيا مرسلا، بل ويصلي خلف إمام من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - وهو المهدي المنتنظر.
وقد رد القاضي عياض على من أنكر أحاديث نزول عيسى - عليه السلام - من المعتزلة والجهمية ومن وافقهم - لزعمهم أنها تعارض قوله تعالى: )وخاتم النبيين( (الأحزاب:٤٠)، وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا نبي بعدي»[30]، فقال: هذا استدلال فاسد؛ لأنه ليس المراد بنزول عيسىـ عليه السلام - أنه ينزل نبيا بشرع ينسخ شرعنا، ولا في هذه الأحاديث ولا في غيرها شيء من هذا، بل صحت الأحاديث أنه ينزل حكما مقسطا يحكم بشرعنا، ويحيي من أمور شرعنا مـا هجـره الناس [31].
قال الحافظ ابن حجر: قال ابن الجوزي: لو تقدم عيسى إماما لوقع في النفس إشكال، ولقيل: أتراه تقدم نائبا أو مبتدئا شرعا، فصلى مأموما لئلا يتدنس بغبار الشبهة في قوله صلى الله عليه وسلم: «لا نبي بعدي»[32].
وقد دلت الأحاديث الصحيحة على أنه سوف ينزل حكما مقسطا، يصلي خلف إمام من هذه الأمة - وهو المهدي المنتظر - تكرمة لها، فقد روي عن جابر بن عبد الله قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، قال: فينزل عيسى ابن مريم - عليه السلام - فيقول أميرهم: تعال صل لنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة»[33].
ففي هذا الحديث دلالة صريحة على أنه سوف ينزل حكما لا نبيا، وبذلك فإن نزوله لا يتعارض مع الآيات والأحاديث التي أكدت أنه لا نبي بعد محمد - صلى الله عليه وسلم - وأنه خاتم النبيين والمرسلين، وعليه فقد انعقد الإجماع على نزول عيسى عليه السلام.
"قال السفاريني في شرح عقيدته: نزول المسيح عيسى ابن مريم - عليه السلام - ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، ولم يخالف فيه أحد من أهل الشريعة، وإنما أنكر ذلك الفلاسفة والملاحدة ومن لا يعتد بخلافه، وقد انعقد الإجماع على أنه ينزل ويحكم بهذه الشريعة المحمدية"[34].
فهل بعد هذا البيان الشافي الكافي يحق لمدع أن يرد أحاديث نزول عيسى - عليه السلام - آخر الزمان، والتي ثبت تواترها، أو أن يزعم تعارضها مع الآية الكريمة: "وخاتم النبين"، وحديث: "لا نبي بعدي"؟!
الخلاصة:
·   أجمع علماء الأمة على تواتر الأحاديث الواردة في نزول عيسى - عليه السلام - آخر الزمان، فقد جاء في نزوله أكثر من سبعين حديثا، أكثرها من الصحاح، ومن ذلك ما رواه أبو هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية, ويفيض المال، حتى لا يقبله أحد».
·   لقد أشار القرآن الكريم في العديد من آياته إلى نزول عيسى - عليه السلام - من ذلك قوله تعالى: )وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها واتبعون هذا صراط مستقيم (61)( (الزخرف)، قال جمهور المفسرين: المراد بذلك نزول عيسى - عليه السلام - قبل يوم القيامة، ويؤيد هذا المعنى القراءة الأخرى: "وإنه لعلم للساعة" - بفتح العين واللام - أي: أمارة ودليل على قرب الساعة.
ومن الآيات التي نصت على ذلك قولـه تعالـى: )وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنـن به قبل موتـه ويـوم القيامـة يكـون عليهـم شهيـدا (159)( (النساء(، أي لا يبقى أحد من أهل الكتاب بعد نزول عيسى إلا آمن به قبل موت عيسى - عليه السلام - وأيضا قوله تعالى: )ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين (46)( (آل عمران)، أي: قد كلمهم عيسى في المهد، وسيكلمهم إذا قتل الدجال وهو يومئذ كهل.
·   لا تعارض بين أحاديث نزول عيسى - عليه السلام - آخر الزمان والقرآن الكريم، ففي قوله تعالى: )إني متوفيك ورافعك إلي( (آل عمران:٥٥)، قد ذكر جمهور المفسرين أن المراد بالتوفي - هنا - ليس الموت، وإنما هو رفع عيسى - عليه السلام - حيا إلى السماء، وقال البعض: المراد بالتوفي: النوم، كقوله تعالى: )وهو الذي يتوفاكم بالليل( (الأنعام:٦٠)، وقال بعضهم: الآية على التقديم والتأخير، والمعنى إني رافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا، ومتوفيك بعد أن تنزل من السماء؛ لأن الواو لا توجب الرتبة. وأما قوله تعالى: )فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم( (المائدة: ١١٧)، فإن المراد: فلما رفعتني إلى السماء حيا، وهو قول الجمهور.
·   أما قوله تعالى: )وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون (34)( (الأنبياء) فإنه لا يدل من قريب أو بعيد على نفي أحاديث نزول عيسى - عليه السلام - فضلا عن أن الخطاب في الآية عام.

إنكار حديث رهن النبي - ص- درعه عند اليهودي
مضمون الشبهة:
يواصل المغرضون أباطيلهم وافتراءاتهم على أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، فينكرون حديث رهن النبي - صلى الله عليه وسلم - درعه عند اليهودي من أجل الطعام، والذي رواه الشيخان من حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: «إن النبي - صلى الله عليه وسلم - اشترى طعاما من يهودي إلى أجل ورهنه درعا من حديد». زاعمين أن هذا الحديث مكذوب على النبي صلى الله عليه وسلم. ويستدلون على ذلك: بأن معنى هذا الحديث يتعارض مع قوله عز وجل: )ووجدك عائلا فأغنى (Cool( (الضحى)، فالحديث يدل على درجة كبيرة من الفقر كان يعيشها النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى رهن درعه من أجل الطعام، على حين أن الآية القرآنية تدل على أن الله - عز وجل - قد أغناه وأزال عنه فقره. ويتساءلون: إذا كان الله تعالى قد أغنى نبيه فعلا، فلماذا يرهن درعه لأجل الطعام؟ وكيف يعدل في الرهن عن المسلمين إلى اليهود وهم أعداؤه؟ فأين الأغنياء من المسلمين؟ وأين نصيبه في الفيء والغنائم؟ خاصة مع وجود الأموال وكثرة الخيرات بعد الفتوحات، وكيف يكون الرهن في السلاح؟ أليس في هذا إطلاع للعدو على أسرار صناعته وتقنيتها؟ رامين من وراء ذلك إلى التشكيك في أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - تمهيدا لإنكارها وإبطال العمل بها.
وجها إبطال الشبهة:
1) إن حديث رهن النبي - صلى الله عليه وسلم - درعه عند اليهودي حديث صحيح في أعلى درجات الصحة، حيث ورد في الصحيحين وفي كتب السنة الأخرى بطرق صحيحة متصلة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولا تعارض مطلقا بين الحديث وقوله تعالى: )ووجدك عائلا فأغنى (Cool(؛ لأن الغنى المقصود في الآية ليس الترف والدعة والثراء الفاحش، وإطلاق العنان للشهوات، وإنما هو غنى النفس وترفعها عن شهوات الدنيا وملذات الحياة، وحتى لو كان الغنى في الآية بمعنى الثراء المادي، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وما كان يبقي لنفسه شيئا، وقد اختار - صلى الله عليه وسلم - لنفسه الحياة البسيطة الزاهدة، ولم يرض من الدنيا إلا بالقليل، وعلم أنها متاع زائل لا قيمة له، فزهد في ملذاتها، وعاش حياة الفقراء، فلا غرابة بعد ذلك من رهنه درعه عند اليهودي، ولا تعارض بهذا بين الآية والحديث.
2) إن عدول النبي - صلى الله عليه وسلم - في رهن درعه عن المسلمين إلى اليهود كان لحكم شرعية عديدة في المعاملات، من أهمها: بيان جواز معاملة أهل الذمة والكفار فيما لا حرمة فيه، وجواز بيع السلاح ورهنه وإجارته من الكافر ما لم يكن حربيا، وغير ذلك من الحكم، كما أنه - صلى الله عليه وسلم - قد عدل عن المسلمين إلى اليهودي ليبين لهم جواز هذا الأمر، وحتى لا يضيق على الصحابة؛ حيث لا يأخذون منه ثمنا ولا يقبلون لهم عوضا في ذلك، كما أن رهن السلاح في هذا الوقت لم يكن فيه أي خطورة على المسلمين، فالسلاح في هذا الوقت كان بسيطا ومنتشرا، ولم تكن في صناعته أي أسرار حتى تخفى، كما أن اليهودي كان ذميا معاهدا، وكان الوقت آنذاك وقت سلم لا حرب، فلا مانع من رهن السلاح لغير المسلمين بهذه الشروط.
التفصيل:
أولا. إن حديث رهن النبي - صلى الله عليه وسلم - درعه لليهودي حديث صحيح في أعلى درجات الصحة، ولا تعارض بينه وبين الآية الكريمة مطلقا:
حديث رهن النبي - صلى الله عليه وسلم - الدرع عند اليهودي صحيح في أعلى درجات الصحة؛ فقد رواه الإمام البخاري في صحيحه عن عائشة: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اشترى طعاما من يهودي إلى أجل ورهنه درعا من حديد»[1]. وأورده الإمام مسلم في صحيحه عن عائشة قالت: «اشترى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من يهودي طعاما ورهنه درعا من حديد»[2].
وأورد البخاري - أيضا - عن أنس رضي الله عنه: «أنه مشى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بخبز شعير، وإهالة[3] سنخة[4]، ولقد رهن النبي - صلى الله عليه وسلم - درعا له بالمدينة عند اليهودي، وأخذ منه شعيرا لأهله، ولقد سمعته يقول: ما أمسى عند آل محمد - صلى الله عليه وسلم - صاع بر، ولا صاع حب، وإن عنده لتسع نسوة»[5].
وعلى هذا فإن الحديث قد جاء في الصحيحين بطرق مختلفة عن عائشة - رضي الله عنها، وقد جاء من طريق آخر عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - في صحيح البخاري، وهذا يعد دليلا قاطعا على صحة هذه الأحاديث، وثبوتها سندا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وبالإضافة إلى هذا فإن الحديث قد جاء في كتب السنن الأخرى - أيضا - بطرق صحيحة مختلفة متصلة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقد رواه الإمام النسائي في سننه من طريق الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها[6]، ومن طريق هشام عن قتادة عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - بنحوه[7]. وقد رواه الإمام ابن ماجه في سننه - أيضا - من هذين الطريقين[8].
وقد رواه الإمام أحمد في مسنده بهما[9].
وهذا ما يؤكد صحة الحديث، وثبوته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبهذا فلا مجال للطعن في صحته أو تكذيبه، حيث روي بطرق صحيحة مختلفة عنه صلى الله عليه وسلم، وكفى تصديقا به وروده في الصحيحين.
أما عن التعارض المتوهم بين الحديث النبوي الشريف والآية القرآنية في قوله تعالى: )ووجدك عائلا فأغنى (Cool(؛ حيث يدل الحديث على درجة كبيرة من حياة الفقر كان يعيشها النبي صلى الله عليه وسلم، إلى درجة أنه يرهن درعه من أجل الطعام، في حين أن الآية تنص على أن الله - عز وجلـ قد أغنى النبي - صلى الله عليه وسلم - وأجزل له العطاء.
في حقيقة الأمر لا يوجد تعارض مطلقا بين الحديث والآية؛ حيث إن الغنى في الآية الكريمة إما أنه بمعنى التعفف، وغنى النفس، والقناعة، والرضا، وفي هذه الحالة ينتفي التعارض بينهما، وإما أن الغنى بمعنى الثراء، وكثرة الأموال-وبالفعل فقد فتح الله على نبيه أبواب الخير كلها - إلا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يرض من الدنيا إلا بالقليل، وزهد في ملذاتها وشهواتها، وعلم أنها متاع زائل لا قيمة له، وعاش حياة الفقراء، وبهذا - أيضا - ينتفي التعارض بين الحديث والآية الكريمة، والأدلة على ذلك كثيرة:
· فالغنى بالمعنى الأول، قد جاء في كثير من كتب التفاسير عند تفسير هذه الآية، فقد نقل الإمام القرطبي هذا المعنى عن كثير من العلماء، فقال: "وقال مقاتل: فرضاك بما أعطاك من الرزق، وقال الكلبي: قنعك بالرزق، وقال ابن عطاء: ووجدك فقير النفس، فأغنى قلبك"[10].
وقال الإمام ابن كثير: "وقوله تعالى: )ووجدك عائلا فأغنى (Cool(: أي كنت فقيرا ذا عيال، فأغناك الله عمن سواه، فجمع له بين مقامي الفقير الصابر، والغني الشاكر صلى الله عليه وسلم "[11].
· وقال البغوي نقلا عن مقاتل: "فرضاك بما أعطاك من الرزق، واختاره الفراء، وقال: لم يكن غنيا عن كثرة المال، ولكن الله رضاه بما آتاه، وذلك حقيقة الغنى"[12].
· وذكر صاحب "الظلال" معنى الآية فقال: "كنت فقيرا فأغنى الله قلبك بالقناعة"[13].
· وفي تفسير الجلالين: "أغناك بما قنعك به من الغنيمة وغيرها"[14].
وعلى هذا فإن الغنى المذكور في الآية لا يقصد به مطلقا الترف والثراء الفاحش، والبذخ، والتبذير، وإنما كان القناعة، والرضا برزق الله، وغنى القلب عن الشهوات والملذات، وحقا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أغنى الناس وأعفهم، وأرضاهم برزق الله، واختار لنفسه التبسط في المعيشة.
فإذا كان الغنى على هذا المعنى، فلا ضير بعد ذلك أن يقنع النبيـ صلى الله عليه وسلم - بالقليل من الطعام لنفسه ولأهله، وأن يرهن درعه لأجل الطعام، فلا تعارض مطلقا بين الحديث النبوي والآية الشريفة.
· وعلى فرض أن الغنى - في الآية - مقصود به الثراء وكثرة الأموال، فلا تعارض بينهما أيضا؛ لأن الله - عز وجل - فتح على نبيه أبواب الخير من كل مكان، خاصة الفتوحات والغنائم، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - كان غنيا بالمعنى الكامل لكلمة الغنى، إلا أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يرض لنفسه الثراء والبذخ.
وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - تأتيه الأموال الطائلة، فيوزعها جميعا على الفقراء والمحتاجين، ولا يبقي لآل بيته شيئا، ونام - صلى الله عليه وسلم - على الحصير، وكان يخصف نعله، ويرقع ثوبه، وكان يقنع بأقل الطعام، والأدلة على ذلك كثيرة في كتب السنة، منها:
o ما رواه علقمة عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: «نام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على حصير، فقام وقد أثر في جنبه، فقلنا: يا رسول الله، لو اتخذنا لك وطاء، فقال: مالي وما للدنيا؟ ما أنا إلا كراكب استظل تحت شجرة، ثم راح وتركها»[15].
وهذا الحديث يدل دلالة قاطعة على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يملك الرفاهية والتنعم، إلا أنه أدرك حقيقة الدنيا فانصرف عنها، ورضي منها بالقليل، وزهد في نعيمها.
وقد بين النبي - صلى الله عليه وسلم - منزلة الدنيا ومدى حقارتها، فقال: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء»[16].
فهذا يعكس رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - لهذه الحياة الدنيا، حيث تنعدم قيمتها في نفسه، ولذلك كانت له العزة الكاملة.
o وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبيت الليالي المتتابعة طاويا، وأهله لا يجدون عشاء. قال: وكان عامة خبزهم خبز الشعير»[17].
o وعن هشام بن عروة عن أبيه قال: «سأل رجل عائشة: هل كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعمل في بيته شيئا؟ قالت: نعم، كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخصف نعله، ويخيط ثوبه، ويعمل في بيته كما يعمل أحدكم في بيته»[18].
o وقد جاء في الصحيح عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في حديث طويل، ذكر فيه: «فدخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو مضطجع على حصير، فجلست، فأدنى عليه إزاره - وليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثر في جنبه، فنظرت ببصري في خزانة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع، ومثلها قرظا في ناحية الغرفة، وإذا أفيق[19] معلق، قال: فابتدرت عيناي، قال: ما يبكيك يا ابن الخطاب؟ قلت: يا نبي الله، ومالي لا أبكي؟! وهذا الحصير قد أثر في جنبك، وهذه خزانة لا أرى فيها إلا ما أرى، وذاك قيصر وكسرى في الثمار والأنهار، وأنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصفوته، وهذه خزانتك، فقال: يا ابن الخطاب، ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا، قلت: بلى...»[20] الحديث.
هكذا كانت حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - وآل بيته، تقوم على القليل من متاع الدنيا، وتنصرف بكاملها إلى الآخرة، وما فيها من نعيم مقيم، فترك الدنيا وراء ظهره، ولم يرغب في لهوها وغرورها، ورضي منها بما يكفل له مجرد العيش.
ومع هذا فلم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - معدما، لا يجد خيرا ولا يرزق مالا، بل كان لديه الأموال الكثيرة، وفتح الله عليه الكثير من أبواب الخير والرزق، ورغم كثرة الخيرات والأموال في الدولة الإسلامية، إلا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يبقي على شيء، فكان يوزعه في الحال، وكان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وما كان ليطلع الصحابة على حاله صلى الله عليه وسلم، فقد كان أحق الناس بقوله عز وجل: )يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا( (البقرة: 273).
وقد كثرت الأموال والخيرات في الدولة الإسلامية، حتى غر ذلك المغرضين وقالوا: كيف يجوع من يجهز الجيوش، ومن يسوق المئين من البدن، وله مما أفاء الله عليه مثل"فدك"[21] وغيرها؟!
وكيف يحدث هذا وقد كان نحر بالحديبية سبعين بدنة، واستاق في عمرة القضاء - مكان عمرته التي صده المشركون عنها - ستين بدنة؟! وكيف يجوع من وقف سبعة حوائط بالعالية[22] ثم لا يجد - مع هذا - من يقرضه أصواعا من شعير، حتى يرهن درعه؟!
لقد رأى القوم جانبا من حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأغفلوا جانبا، فنحن لا ننكر كثرة الأموال والخيرات، ولا ننكر من كان حاله موسرا من المسلمين، لكن الذي نسيه القوم وأغفلوه هو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان أجود بالخير من الريح المرسلة، وكان يؤثر بماله ويفرقه على المستحقين من أصحابه، وعلى الفقراء والمساكين، مواساة وجودا، بل تأليفا لقلوبهم، فأعطى الرجل من الغنم ما بين الجبلين، وفي صحيح مسلم عن أنس رضي الله عنه: «أن رجلا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - غنما بين جبلين، فأعطاه إياه، فأتى قومه، فقال: أي قوم، أسلموا. فوالله إن محمدا ليعطي عطاء ما يخاف الفقر، فقال أنس: إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها»[23].
هل نسي هؤلاء قول خديجة - رضي الله عنها: «فوالله، لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق»[24].
فهكذا كان حاله صلى الله عليه وسلم، فما كان ليرد سائلا، ولا يعطي - إذا وجد - إلا كثيرا، ولا يضع درهما فوق درهم، فليس في هذا ما يستعظم أو ينكر، فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - معروفا بالزهد والتقلل من الدنيا مع قدرته عليها، وكان لا يبقي ولا يدخر شيئا، بل الذي عهد عنه هو التواضع والزهد والكرم، ذالكم الكرم الذي أفضى به إلى عدم الادخار، حتى احتاج إلى رهن درعه، والصبر على ضيق العيش، والقناعة باليسير[25].
وعن أم سلمة قالت: «دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو ساهم الوجه[26]، قالت: فحسبت أن ذلك من وجع، فقلت: يا نبي الله، مالك ساهم الوجه، قال: من أجل الدنانير السبعة التي أتتنا أمس، أمسينا وهي خصم الفراش»[27] [28].
ثم لماذا تستبعد هذا؟ أما صادفك مرة أن رأيت بخيلا موسرا تأتي عليه تارات لا يحضره فيها ماء، وله الضيعة والأثاث والديون، ويحتاج إلى أن يقترض وإلى أن يرهن؟! فكيف بالكريم الذي لا يبقى له درهم، ولا يفضل عن مواساته ونوائبه زاد؟!
وكيف يعلم المسلمون وأهل اليسار من صحابته بحاجته إلى الطعام، وهو لا يعلمهم، ولا ينشط في وقته ذلك إليهم؟!
ثم انظر أيها المغرض إلى قولك" كثرة الأموال والخيرات" فإن سلمت معي - كما سبق - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما كان يبقي على شيء، فما أراك تقصد إلا مال الصدقة، أفكنت تظن أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يأكل من مال الصدقة؟!! إن هذا لشيء عجاب[29]!!
وهكذا فهم النبي - صلى الله عليه وسلم - المعنى الحقيقي للغنى والعزة، وتمثل هذا الفهم، حيث قال: «ليس الغنى عن كثر العرض، ولكن الغنى غنى النفس»[30].
فلم يكن الغنى قط في متاع الدنيا وزينتها، وإنما الغنى الحق هو غنى النفس والترفع والتعفف، والرضا والقناعة، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - خير مثال على هذا، وبهذا لا يبقى أدنى شك في اتفاق الحديث والآية، ويرتفع التعارض المتوهم بينهما، وتتفرق حجج المبطلين في هذا أيادي سبأ.
ثانيا. إن عدول النبي - صلى الله عليه وسلم - في رهن درعه عن المسلمين إلى اليهودي كان لحكم شرعية عديدة، ولم يكن في ذلك خطر على الإسلام والمسلمين.
لقد أرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - لهذه الأمة هاديا ومبلغا، وجاء مشرعا لها في كل أمورها من عبادات ومعاملات، فكان قوله صلى الله عليه وسلم، وفعله، ووصفه، وتقريره تشريعا ومنهجا يسير عليه عامة المسلمين من بعده.
وعلى هذا، فكان لرهن النبي - صلى الله عليه وسلم - درعه لليهودي، وعدوله عن المسلمين حكما جليلة، وتشريعات عدة، وقد ذكر الإمام ابن حجر جزءا من هذه التشريعات والحكم في هذا الحديث، فقال: "في الحديث جواز معاملة الكفار فيما لم يتحقق تحريم عين المتعامل فيه، وعدم الاعتبار بفساد معتقدهم ومعاملاتهم فيما بينهم، واستنبط منه جواز معاملة من أكثر ماله حرام، وفيه جواز بيع السلاح ورهنه وإجارته- وغير ذلك- من الكافر مالم يكن حربيا، وفيه ثبوت أملاك أهل الذمة في أيديهم، وجواز الشراء بالثمن المؤجل، واتخاذ الدروع والعدد وغيرها من آلات الحرب، وأنه غير قادح في التوكل... وقال العلماء: الحكمة في عدوله - صلى الله عليه وسلم - عن معاملة مياسير الصحابة إلى معاملة اليهود إما لبيان الجواز، أو لأنهم لم يكن عندهم إذ ذاك طعام فاضل عن حاجة غيرهم، أو خشي أنهم لا يأخذون منه ثمنا أو عوضا، فلم يرد التضييق عليهم، فإنه لا يبعد أن يكون فيهم إذ ذاك من يقدر على ذلك وأكثر منه، فلعله لم يطلعهم على ذلك، وإنما أطلع عليه من لم يكن موسرا به ممن نقل ذلك، والله أعلم"[31].
وقال الإمام النووي تعليقا على هذا الحديث: "فيه جواز الرهن، وجواز رهن آلة الحرب عند أهل الذمة، وجواز الرهن في الحضر، وبه قال الشافعي ومالك وأبو حنيفة وأحمد والعلماء كافة... وأما اشتراء النبي - صلى الله عليه وسلم - الطعام من اليهودي ورهنه عنده دون الصحابة، فقيل: فعله بيانا لجواز ذلك، وقيل: لأنه لم يكن هناك طعام فاضل عن حاجة صاحبه إلا عنده، وقيل: لأن الصحابة لا يأخذون رهنه صلى الله عليه وسلم، ولا يقبضون منه الثمن، فعدل إلى معاملة اليهودي لئلا يضيق على أحد من الصحابة"[32].
وقال الإمام ابن قتيبة: "إنما رهن درعه عند يهودي؛ لأن اليهود في عصره كانوا يبيعون الطعام، ولم يكن المسلمون يبيعونه، لنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن الاحتكار"[33].
هذه حكم جليلة عظيمة الفائدة وراء رهن النبي - صلى الله عليه وسلم - درعه لليهودي، وما كان للمؤمنين أن يعلموها دون فعله صلى الله عليه وسلم، وفيه تشريعات للمسلمين في معاملاتهم مع أهل الذمة وغيرهم، وفيه جواز الرهن وغيره من المعاملات المالية.
وهكذا تتهاوى حجج المغرضين تباعا، ولا تبقى لهم حجة منطقية يرد لأجلها حديث النبي صلى الله عليه وسلم، غير أنهم يذهبون إلى قول مريض هزيل البنيان يظنون فيه حجة لهم، إلا أنه كسيح القدم، متهافت الرأي، فيردون الحديث بحجة أن هذا الرهن كان في سلاح، أي: آلة حربية، وهذا مما يطلع العدو على سر صناعة السلاح، ونقل فكرته إلى العدو، مما يكون سببا في هزيمة الجيوش، وضعف الأمة، كما أن السلاح مفخرة الأمة وشرفها، فكيف يفعل ذلك قائد الأمة ومعلمها؟!
مغالطات عديدة، وترهات سفيهة، لا تنم إلا عن إلحاح مدع، أو إضمار حاقد لا يحمل للسنة النبوية إلا غيرة وحسدا.
فلم يكن في رهنه - صلى الله عليه وسلم - الدرع لليهودي أي خطر على الإسلام والمسلمين، ولم يكن في صناعة الدروع أسرار وتقنية، حتى يطلعهم علىها، فالسلاح كان في هذا الزمان بسيط الصناعة ومنتشرا، كما أن الرجل الذي رهن النبي - صلى الله عليه وسلم - درعه عنده كان ذميا معاهدا، وكان الوقت وقت سلم لا حرب، فكل هذه مسوغات لا تمنع من رهن الدرع لليهودي.
ولقد اهتم علماء الفقه وأصوله بشرح هذا الحديث، وبيان حكم الرهن، خاصة رهن السلاح، وقد انتهى جمهورهم إلى القول بأن رهن السلاح جائز من المسلم للمسلم، وهو جائز كذلك عند الذمي، وحتى الكافر المعاهد، ولكنه غير جائز أن يكون عند الكافر الحربي، وهذا اليهودي بالطبع كان من أهل الذمة، والرهن له جائز[34].
وقد استدل أهل العلم على جواز ذلك بهذا الحديث الصحيح، فقد بوب البخاري في صحيحه بابا بعنوان "الرهن عند اليهود وغيرهم"، وعلق عليه ابن حجر في الشرح فقال: "وغرضه جواز معاملة غير المسلمين"[35].
وذكر ابن حجر أيضا: "وفي الحديث جواز معاملة الكفار فيما لم يتحقق تحريم عين المتعامل فيه، وعدم الاعتبار بفساد معتقدهم ومعاملتهم فيما بينهم، وفيه جواز بيع السلاح ورهنه وإجارته وغير ذلك من الكافر ما لم يكن حربيا"[36].
وقد حكى الإجماع على ذلك الإمام النووي، والإمام الشوكاني، أما الإمام النووي فقد قال معلقا على حديث الرهن: "وقد أجمع المسلمون على جواز معاملة أهل الذمة وغيرهم من الكفار إذا لم يتحقق تحريم ما معه، لكن لا يجوز للمسلم أن يبيع أهل الحرب سلاحا، وآلة حرب يستعينون به في إقامة دينهم"[37].
ولا يظنن ظان أن هذا كلام يعارض فعل النبي صلى الله عليه وسلم، إنما قصد الإمام النووي بقوله: "لا يجوز للمسلم أن يبيع أهل الحرب..." الكافر المحارب، وهذا بخلاف اليهودي الذي رهنه النبي - صلى الله عليه وسلم - درعه؛ لأنه من أهل الذمة، وليس من المحاربين.
أما الإمام الشوكاني فقد قال في "نيل الأوطار" في شرحه لأحاديث الرهن: "وفيها دليل على جواز معاملة الكفار فيما لم يتحقق تحريم العين المتعامل فيها، وجواز رهن السلاح عند أهل الذمة لا عند أهل الحرب باتفاق"[38].
وإذا كان العلماء قد أجازوا بيع السلاح للذمي وللكافر المعاهد بخلاف الكافر الحربي، فمن باب أولى الرهن، ومنهم الإمام ابن القيم[39]، والإمام النووي؛ لأن البيع يملك صاحبه الشيء، بخلاف الرهن، فهو على نية الرد لا الملكية.
وهكذا تذهب حجج المغرضين في إنكار حديث رهن النبي - صلى الله عليه وسلم - درعه عند اليهودي أدراج الرياح، لا تثبت منها حجة واحدة تصلح للشك في الحديث أو إنكاره، بل يثبت الحق الساطع لا تزعزعه الادعاءات، بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه، فإذا هو زاهق، وتظل أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - صينة عن كل اتهام، بريئة من التقول والادعاء.
الخلاصة:
· إن حديث رهن النبي - صلى الله عليه وسلم - درعه عند اليهودي حديث صحيح في أعلى درجات الصحة؛ حيث رواه الشيخان البخاري ومسلم، كما ورد في كثير من كتب السنة الأخرى بطرق صحيحة متصلة إلى النبي صلى الله عليه وسلم،كما هو الحال في سنن النسائي وابن ماجه، وفي مسند الإمام أحمد، وبهذا فلا مجال للطعن في صحة هذا الحديث أو إنكاره، أو الادعاء بأنه مكذوب.
· إن حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - والآية الكريمة في أتم اتفاق ولا تعارض بينهما ألبتة؛ حيث إن الغنى المقصود في الآية هو التعفف، وغنى النفس، والقناعة، والرضا، وقد كانت حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - خير مثال على هذا، فكان أقنع الناس وأرضاهم بقضاء الله وقدره، وأعفهم عن محارمه، وتمثل ذلك في أمور حياته كلها، حتى أنه رهن درعه - راضيا - عند يهودي لأجل الطعام.
· إذا كان من المسوغ تفسير الغنى في الآية على معنى الثراء وكثرة المال، فلا تعارض - أيضا - بين الحديث والآية؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم - وإن كان معه من الخير الكثير، وفتح الله له أبوابا من الرزق والمال، وجعل له نصيبا في الفيء - كان ينفق ويوزع كل ما معه من مال على الفقراء والمحتاجين، ولا يبقي لنفسه شيئا، وكان أزهد الناس في الدنيا، وعلم أنها متاع زائل لا خير فيه، فرضي منها بالقليل، فلا غرابة بعد هذا أن يرهن درعه عند يهودي لأجل طعامه.
· لقد كان لعدول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الرهن عن المسلمين إلى اليهودي حكم بليغة، وتشريعات جليلة، وأخلاق عظيمة؛ حيث يجوز - من الحديث - معاملة أهل الذمة والكفار فيما لا حرمة فيه، وجواز بيع السلاح ورهنه وإجارته، وجواز الشراء بالثمن المؤجل، وجواز الرهن في الحضر، وثبوت أملاك أهل الذمة في أيديهم، وهذه أحكام شرعية ما كان للمسلمين أن يعرفوها إلا بفعل النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإن فعله وقوله وتقريره تشريع ملزم لهذه الأمة.
· إن الحكمة في عدوله - صلى الله عليه وسلم - عن معاملة الميسورين من الصحابة إلى معاملة اليهود، إما أنها لبيان جواز هذا الأمر، أو لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - خشي أنهم لا يأخذون منه ثمنا أو عوضا، فلم يرد التضييق عليهم في ذلك، وربما لأن اليهود هم الذين كانوا يبيعون الطعام في ذلك الوقت، ولم يكن المسلمون يبيعونه لنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن الاحتكار.
· لم يكن في رهن النبي - صلى الله عليه وسلم - درعه لليهودي أي خطر على الإسلام والمسلمين، ولم يكن في ذلك إفشاء لسر صناعة السلاح، أو عونا على هزيمة المسلمين؛ فإن السلاح في ذلك الوقت كان بسيط الصناعة، كثير التداول، وفكرته بسيطة لا تحتاج إلى كتمان أو إخفاء، فلم يكن هناك مانع من رهن الدرع، أو آلة الحرب عند غير المسلمين.
· إن هذا اليهودي الذي رهن النبي - صلى الله عليه وسلم - عنده درعه كان ذميا معاهدا، وكان وقتها وقت سلم لا حرب، فلا مانع مطلقا من رهن الدرع عند اليهودي، أما إذا كان الذمي أو الكافر حربيا فلا يجوز رهن آلة الحرب عنده، كما ذهب إلى ذلك كافة العلماء، وبهذا تتهاوى كل الحجج التي ساقها المغرضون لإنكار أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وتتفق النصوص الشرعية في انسجام تام لا تعارض فيها ولا اختلاف، وتذهب ترهات المغرضين أدراج الرياح.
طارق فتحي
طارق فتحي
المدير العام

عدد المساهمات : 2456
تاريخ التسجيل : 19/12/2010

https://alba7th.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة

- مواضيع مماثلة

 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى