* دليل المصطلحات الواردة في التنزيل الحكيم - 2

اذهب الى الأسفل

* دليل المصطلحات الواردة في التنزيل الحكيم - 2

مُساهمة  طارق فتحي في السبت نوفمبر 18, 2017 6:53 am


الملّة: هي صفة الثبات في السلوك لا في الاعتقاد، أي الثبات في ممارسة الشعائر، وبسبب هذا الثبات في السلوك فإنّ الملل تختلف بعضها عن بعض وتتعدّد، إذ نجد أنّ هناك: الملة اليهودية، الملة المسيحية، الملة المحمّدية… وقد ذكر التنزيل الحكيم اختلاف الشعائر في الملل ولم يلغ أيّاً منها، ففي الملة المحمّدية جاءت الشعائر (الصلاة، الزكاة، الصوم، الحجّ) مع البعثة المحمّدية وظلت ثابتة كما هي من يومها حتى الآن، وكذلك شعائر الملّتين اليهودية والنصرانية كانت وما زالت ثابتة إلى يومنا هذا. أمّا التشريع في الرسالة المحمّدية فهو حنيفي متطوّر لقوله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} (الروم 30)، أي يقوم على خاصّية التطوّر في التشريع “الحنيفية” وتبقى المحرمات هي الثوابت. والحنيفية ملّة إبراهيم لقوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّه وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} (النساء 125). وقد ألغت الرسالة الخاتمة تشريع الملة اليهودية والنصرانية لأنّه تشريع ثابت لا يتّصف بالحنيفية، وجاءت بالحنيفية في التشريع، وعن هذا الأمر تحديداً جاء قوله تعالى: {وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ…} (البقرة 120)، أي أنّ رضاهم عن النبي (ص) كان مرتبطا باتباعه لهم في التشريع غير الحنيفي، لكنه (ص) لم يتبعهم في تشريعاته بل اتبع الحنيفية التي جاء بها إبراهيم، في حين أن الفقهاء بعده ألغوا الحنيفية في التشريع وسلكوا طريق التشريع غير الحنيفي في الفقه.

الظلم: هو وضع الشيء في غير محله، وبشكل عام هو الوقوع في الوهم، فالذي يعطي أجرا لإنسان دون المستحق فهو يظلمه بذلك لأنه ظن أنه لا يستحق أكثر. وهذا هو المعنى العام للظلم، فمن يقدس مظاهر الطبيعة يظلم نفسه لأنه يقع في الوهم بأن مظاهر الطبيعة تضر وتنفع. وكذلك من يقدس الأصنام والتماثيل والاعتقاد بثبات الظواهر والمجتمعات يعتبر ظالما لنفسه لأنه وقع في الوهم وفي نفس الوقت ظلم غيره باعتقاده كما جاء في قوله تعالى: {وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا} (الكهف 59)، لأنه لا يمكن أن يهلك القرى إلا أذا توقفت عن الحركة والتطور في هذا الكون المتحرك. وقد ورد مصطلح الظلم كثيرا في التنزيل الحكيم لذا علينا أن نفهم المعنى المقصود منه ضمن للموضوع الذي ذكر فيه.

التمام والكمال: التمام هو اكتمال المستمرّ دون انقطاع. فالصيام مثلاً يجب إتمامه دون انقطاع لقوله تعالى: {… وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ…} (البقرة 187). أمّا الكمال فهو اكتمال المتقطع كما هي حال الرضاع لقوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ…} (البقرة 233). فالرضاع يتمّ على فترات متقطعة على عكس الصيام في اليوم الواحد الذي يكون مستمرّاً. ونجد المصطلحين معاً في قوله تعالى: {… الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا…} (المائدة 3)، إذ بالنسبة لقوله: {أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} يُفهم منه أنّ الله عز وجلّ أكمل في الرسالة المحمّدية دينه الذي جاء متقطعاً حسب فترات بعث الأنبياء والرسل، وبالنسبة لقوله: {وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) يُفهم منه أنه أتمّ نعمته على عباده التي لم تنقطع يوماً منذ خلقهم.

الحرام (SIN): هو حكم شامل أبدي ثابت بالمنع الذي لا رخصة فيه، خصّ به الله عزّ وجلّ نفسه حصراً لأنّه يمثّل حاكمية الله. والحرام لا يتغيّر إلّا بإرسال رسول جديد عنده بيّنات من ربّه. والمحرّمات في حقيقتها قيود تكبّل السلوك الإنساني، كانت في رسالة موسى كثيرة لكن على شكل أوامر ونواهٍ، ثم صارت في رسالة محمّد (ص) محرّمات ختمت وحصرت بالعدد (14) محرّماً فقط مصداقاً لقوله تعالى: {… يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ…} (البقرة 185)، بحيث جاء أحد المحرّمات في تحريم التقوّل على الله أي إضافة محرّمات إلى محرّماته أو تحليل أحد محرّماته لقوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} (الأعراف 33)، فالتقوّل على الله محرّم ويأتي من ضمنه إضافة محرّمات إلى محرّمات الله أو تحليل محرّماته لقوله تعالى: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ} (النحل 116). والاجتهاد الإنساني يكون في تفصيل المحرّمات الـ 14 فقط كما جاء في الرسالة وفي تقييد الحلال لأنّ الحلال لا يمارس إلّا مقيّداً.

الفواحش: هو جمع مفرد فاحشة. وهي كلّ ما يُكره فعله أو قوله، أي كلّ ما تأنفه الفطرة الإنسانية السليمة التي لم يَشُبْها أيّ خلل، وله علاقة بالجنس لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ…} (آل عمران 135)، والفواحش من المحرّمات لقوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ…} (الأعراف 33). وعدد الفواحش ست (6) هي: نكاح المحارم، نكاح المتزوّجة، الزنا (الجنس العلني)، السفاح (الجنس الجماعي)، المثلية الجنسية (الأخذان)، ونكاح ما نكح الآباء (الأصول من جهة الأب والأمّ مهما علت بمن فيهم الأعمام والأخوال). والفواحش قسمان ظاهرة وباطنة، فالظاهرة هي: نكاح المتزوّجة والزنا والسفاح ونكاح ما نكح الأب. والباطنة هي: نكاح المحارم والمثلية الجنسية. والفواحش باطلة كلّها حتى لو قونَنْتها المجالس التشريعية والبرلمانات.

الخمر: هي كلّ شراب وصل بشاربه إلى حدّ السكر بغضّ النظر عن طريقة تناوله (الفم، الحقن، الشم…)، بحيث لا يعلم ما يقول ولا يميّز ما يفعل لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ…} (النساء 43). وقد سُمّيت الخمر خمراً لأنها تغطي بخمارها (السكر) على العقل. والسُكر لا علاقة له بالكمّية المشروبة وبعدد الكؤوس لاختلاف البشر بعضهم عن بعض. والسكر هو رجس الخمر المنهيّ عنه في قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (المائدة 90).

الرجس: هو الاختلاط في الأمور أو ما يسمى باللغة الإنجليزية (confusion)، فرجس الخمر هو السكر حيث وصفه التنزيل الحكيم في قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ..} (النساء 43). ورجس الأوثان أن تختلط عليك الأمور بأن تظن أن الأوثان تنفع أو تضر، فالأوثان ظاهرة عامة وتشمل:

عبادة وتقديس ظواهر الطبيعة من رعد وبرق ونار… وتقديس الكواكب والقمر والنجوم…
تقديس مجسمات لا تعبر عن شيء بعينه كمزيج بين جسم إنسان ورأس حيوان أو العكس. وهذه من الأصنام فمثلا أصنام الكعبة قديما لم تكن مجسمات تمثل أحدا بعينه.
التماثيل: كأن تصنع تمثالا لشخص بعينه مثل تمثال سعد زغلول بمصر.
بالنسبة للوثنية المرتبطة بمظاهر الطبيعة، ولأنه لا يمكن إزالة هذه المظاهر من الوجود، فقد قال تعالى بشأنها: {.. فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ ..} (الحج 30) بمعنى اجتناب أن تختلط عليكم الأمور فيها فتظنوا أنها تنفع وتضر. وقد تطور مستوى وعي الإنسان في العصر الحالي بحيث أصبح يدرك أن مظاهر الطبيعة لا تنفع ولا تضر، وكذلك أصبح يدرك أنّ التماثيل التي تمثل رموزا وطنية أو منحوتات تاريخية لا تنفع ولا تضر وبالتالي لا ضرورة من إزالتها، لأن الاختلاط في الأمور (الرجس) بشأنها لم يعد موجودا كما كان في السابق. وبالتالي تحريم النحت والرسم لا مبرر له نهائيا، وكذلك وضع الرموز المنحوتة كتمثال الحرية مثلا لا علاقة له بالحرام إطلاقا.

اجتنبوا: يأتي هذا الفعل في التنزيل الحكيم للظواهر التي نواجهها بشكل مباشر دون أن نقصدها، كأن تقول لإنسان يقود السيارة “اجتنب الحفر في الطريق” أي أنه سيصادفها في طريقه دون أن يقصدها. ومثالها ظواهر الطبيعة من نجوم وكواكب وقمر ورعد وبرق ونار… التي علينا اجتناب الرجس فيها أي الاعتقاد بأنها تملك قوى خارقة تستطيع أن تنفعنا وتضرنا بها: {.. فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ ..} (الحج 30). واجتناب قول الزور الوارد في قوله: {.. وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ..} (الحج 30) فمعناه اجتناب اللغو في القول كأن تمدح أو تذم بضاعة أو نحوها، ويختلف عما جاء في قوله تعالى: {.. وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى..} (الأنعام 152)، فالمقصود في هذه الآية هو الإدلاء بالشهادة في القضاء لذا طلب العدل فيها. أما الخمر بمعناه العام فشائع استعماله في العالم بأسره بحيث نصادفه دون أن نقصده بحيث يمكننا أن نصادفه دون أن نقصده، وبالتالي اجتناب رجس الخمر بمعنى اجتناب السكر فقط، وهو الإثم بغير الحق، أما السكر من أجل التخدير في العمليات الجراحية فهو إثم بحق.

لا تقربوا: تستعمل للأمور التي نقصدها عن سابق إصرار ووعي مثل الفواحش فإننا لا نصادفها دون قصد بل نقصدها في مظانها: {.. وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ..} (الأنعام 151). وكذلك الأمر بالنسبة لمال اليتيم فإنك تقصده لأخذه: {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ..} (الأنعام 152)، فنحن نعلم أنه مال اليتيم ولا نصادفه في أي تعامل مالي.

الإثم: له معنى عام هو التخلف عن الشيء، نقول أثمت الناقة أي تخلفت في المسير عن غيرها. وقد جاء الإثم والبغي بغير حق كأحد المحرمات لأن اقترافهما تخلف عن العمل الصالح. فقولنا لأحدهم لا إثم عليك إذا قام بعمل ما، بمعنى أنه لم يتخلف في الثواب أو في العمل عمّن لم يقم به والعكس صحيح. فالسكر فيه إثم كبير: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ..} (البقرة 219)، لأن من سكر يتخلف في السيطرة على سلوكه وكلامه عمّن لم يسكر، أما السكر من أجل التخدير للعلاج فهو إثم بحق لهذا قال عنه: {وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ}. كذلك من يشرك بالله فقد اقترف إثما عظيما: {.. وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} (النساء 48)، بمعنى أنه رجع أشواطا بعيدة عمّن لم يشرك به.

البغي: هو طلب شيء ما للحصول عليه. وهناك بغي بحق وبغي بغير حق. فهناك من يقدم شيئا تطوعا فيسمى ابتغاء كما جاء في قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ} (البقرة 207). والبغي بحق هو أخذ الأشياء بموافقة أصحابها كأن تشتري شيئا وتدفع ثمنه. أما البغي بغير حق فهو كل شيء يؤخذ من الغير بغير موافقته، وتحت هذا البند تندرج كل أنواع السرقة والاحتيال والابتزاز…وهو من المحرمات: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقّ..} (الأعراف 33).

النهي: النهي ظرفي وهو ضدّ الأمر. علما أنّ النواهي والأوامر الإلهية ظواهر ثابتة لكن التشريع فيها يخضع للاجتهاد الإنساني الظرفي لأنّ ظروفها ومعطياتها تتغيّر حسب تغيّر الزمان والمكان والمستوى المعرفي للمجتمعات. لهذا ترك الله مهمّة الاجتهاد فيها للسلطة التشريعية لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} (النحل 90). فالنهي قد يأمر به الله كما جاء في آية النحل 90، أو يأمر به النبي (ص) لقوله تعالى: {… وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا…} (الحشر 7)، أو قد تأمر به التشريعات الإنسانية. وهو لا يحمل صفة الإكراه، فإن حمل هذه الصفة يصبح منعاً، لأنّ الطبيب ينهى عن التدخين، أمّا السلطة فتمنع التدخين في الأماكن العامّة. وبناءً على ذلك فإنّ الدين يُحَرِّم ويَنْهَى ويَأمُر لكنه لا يَمنع لأنّه (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ…} (البقرة 256)، أما سلطة الدولة فتَنْهَى وتَأمُر وتَمنَع لكنّها لا تُحرِّم.

التبذير: هو تجاوز حدود الإنفاق في الوجوه المشروعة المباحة، مثاله رجل أوصى بـ 90% من ثروته للجمعيات الخيرية. ورجل دعا ثلاثة من أصحابه إلى مأدبة فصنع لهم طعاماً يكفي ثلاثين. والتبذير لا يكون إلّا في الكمّ ضمن الحلال لقوله تعالى: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا} (الإسراء 26).

الإسراف: هو الاشتطاط والإيغال في الخروج من الحلال إلى الحرام، ولا علاقة له بزيادة أو نقصان. فكثيره وقليله سواء. في الحلال نجد في قوله تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} (الأعراف 31). وفي الحرام في قوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ} (الإسراء 33)، فقتل القاتل حلال عن طريق تطبيق القانون (التشريع) وليس بالانتقام، أما قتل كلّ أسرته أو عشيرته فإسراف في ممارسة عقوبة وذلك محرّم. وقل مثل ذلك في الكفر بالله الذي يُعدّ إسرافاً: {… وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ} (يونس 83)، وفي غيره من المحرّمات الأخرى كالغشّ في المواصفات وغيرها. والإسراف لا يكون إلّا في الكيف.

السيّئة: هو كلّ عمل يُلحِق بالآخرين ضرراً، قلَّ أو كثُر. ولا تكون السيّئة بحق الله تعالى، فالله عزّ وجلّ لا يُحسن إليه ولا يُساء له لأنّه لا تنفعه ولا تضرّه أعمال الخلق لقوله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} (الجاثية 15). ومثال السيّئة: السرقة والافتراء والتطفيف أو الإخسار في الكيل والميزان لقوله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} (الشورى 40). فالإساءة للآخر تكون بإلحاق الضرر به ومن يقترف السيّئة يكُن مذنباً.

الذنب: هو كلّ عمل غير صالح يرتكبه الإنسان باقتراف محرّمات الله عزّ وجلّ أو نواهيه أو عدم الامتثال لأوامره. إمّا بارتكابها بحق الله تعالى فقط كارتكاب بعض المحرّمات والنواهي التي ليس فيها إساءة للناس مثل: الشرك بالله، واقتراف الفواحش، وإمّا باقتراف عمل غير صالح بحقّ الله والناس معاً كارتكاب المحرّمات التي فيها إساءة للآخر كعقوق الوالدين والسرقة وشهادة الزور… ويتمّ إصلاح الذنب بطلب المغفرة، بينما يتمّ إصلاح السيّئة بالتكفير عنها لقوله تعالى: {رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ} (آل عمران 193).

الابتلاء: هو نوع من الامتحان بنوعيه الإيجابي والسلبي، له وجود كقانون موضوعي ساري على كل أهل الأرض لقوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلا} (الكهف 7)، وقوله: {فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ* وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ} (الفجر 15-16). ومعنى أن الابتلاء قانون موضوعي أّنّنا نلمسه في اختلاف الدخل بين الناس، لأنه إذا تساوى الدخل بينهم كما يريد البعض عندها تموت كل الطموحات عند كل فرد ويصاب المجتمع ساعتها بالشلل. في حين أنّنا نجد أنّ الابتلاء الشخصي محدد الموضوع وخاص بالشخص نفسه، فقد ابتلى الله عزّ وجلّ ابراهيم بمجموعة من القوانين الموضوعية لفهمها وقد نجح إبراهيم في ذلك لقوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا..} (البقرة 124)، كما ابتلى محمداً (ص) بالنبوة والرسالة معا وقد نجح فيهما. أما البلاء فهو الامتحان السلبي الجماعي كما حصل لقوم موسى مع فرعون في قوله تعالى: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ} (البقرة 49)، إذ نلاحظ هنا أن البلاء جاء بشكل جماعي ناتج عن ادعاء فرعون الربوبية وتحويله بني إسرائيل إلى عبيد.
avatar
طارق فتحي
المدير العام

عدد المساهمات : 2805
تاريخ التسجيل : 19/12/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alba7th.3oloum.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى