* الجزء الخامس :أحلام الصهيونية بين الواقع والخيال ص 1

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

* الجزء الخامس :أحلام الصهيونية بين الواقع والخيال ص 1

مُساهمة  طارق فتحي في السبت أبريل 29, 2017 3:26 pm

الجزء الخامس:
العبرة والعظة من تواريخ وعبر لمنْ أراد أن يعتبر:
تبلغ الفترة من 1897 تاريخ انعقاد مؤتمر اليهود الأول في مدينة بازل بسويسرا بقيادة تيودور هرتزل، وحتى سنة 1948 تاريخ إعلان بن جوريون لقيام دولة إسرائيل على أرض فلسطين تبلغ نحو خمسين عاما تقريبا، وقعت خلالها العديد من الأحداث، التي تٌمثل بدايات الصراع العربي الصهيوني، تحول اليهود فيها من الشتات إلى التجمع في أرض الميعاد كما يزعمون، بينما تحول الفلسطينيين من الاستقرار في أرضهم إلى الشتات في أرض الجوار، وغير أرض الجوار.

وبين هذين التاريخين 1897 : 1948وقعت العديد من الأحداث الجسام، وقامت الكثير من الثورات، وانعقدت الكثير من المؤتمرات، ووقعت الحربين العالميتين الأولى والثانية، ووقعت اتفاقات ... الخ أثرت جميعها في تطورات الأحداث داخل الوطن العربي بصفة عامة، وفي شبة الجزيرة العربية بصفة خاصة، وداخل الأراضي الفلسطينية بصفة أخص.
فعندما احتل البريطانيون فلسطين عام 1917 م، كان عدد اليهود 50 ألفا تقريبا،وعندما غادروها عند نهاية الانتداب في سنة 1948،  كان هذا العدد قد تضاعف نحو عشر مرات فبلغ نصف مليون تقريبا.
لقد أُعلن أول تقدير لعدد سكان فلسطين في القرن العشرين في فترة الحكم العثماني في عام 1914 و هي ذات السنة التي نشبت فيها الحرب العالمية الأولى. حيث قُدر عدد سكان فلسطين بـ 689.275 نسمة منهم 8% من اليهود. وبعد خضوع فلسطين للانتداب البريطاني أصبح عدد سكان فلسطين حسب التقدير الرسمي 673.000 منهم 521.000 من المسلمين و 67.000 من اليهود و 78.000 من المسيحيين و 7000 من المذاهب الأخرى.
وفي نهاية الصراع تغلب الـــ 67 ألف يهودي على الـــ 606 ألف مسلم ومسيحي ومذاهب أخرى تغلب اليهود عليهم وأسسوا دولتهم إسرائيل في خلال ما يقرب من خمسين عاما من العمل الدءوب،والسعي الذي لا يفتر، والهمة التي لا تعرف الكسل.
فإذا أدركنا أن تيودور هرتزل المؤسس الحقيقي لدولة اليهود في فلسطين لم يتعلم العبرية في حياته ولم يزر فلسطين،ولكنه مع ذلك فهو الذي نظم المؤتمر الصهيوني الشهير في بازل بسويسرا عام 1897، ورأس المنظمة الصهيونية العالمية التي انبثقت عن المؤتمر حتى وفاته عام 1904. هذا المؤتمر الصهيوني الذي سعي إلى الحصول على موافقة دولية و تأييدا لهجرة اليهود إلى فلسطين تمهيداً لإقامة دولة يهودية هناك.
لقد رأى تيودور هرتزل أن الحل الأمثل للمشكلة اليهودية التي كان يتعرض أصحابها في أوروبا للاضطهاد وللكراهية هو: إقامة دولة لهم في أي مكان وليكن في فلسطين، على أن تحظى هذه الدولة الوليدة بموافقة الدول الكبرى،وقد أخلص لتحقيق هذه الفكرة سواء بالكتابة أو بتنظيم المؤتمرات أو بالاتصال بالسياسيين وأصحاب القرار، ولذا نجح في تحقيق هدفه.
وفي النهاية تمكن اليهود خلال خمسون عاما تقريبا من مؤتمرهم الأول في بازل بسويسرا سنة 1897 من إنشاء دولتهم إسرائيل عام 1948 على الأرض العربية في فلسطين فقد تمكنوا حيث كان عددهم لا يُمثل نسبة تُذكر من عدد العرب والمسلمين لأنهم ركزوا على الإخلاص في العمل، بينما نحن ركزنا على الإخلاص في القول.
لقد انعقدت جلسات المؤتمر الصهيوني الأول بين التاسع والعشرين والحادي والثلاثين من شهر آب 1897 في المدينة السويسرية بتنظيم وإشراف ورئاسة المفكر والكاتب اليهودي المجري تيودور هرتزل الذي يُعدُ أبو الصهيونية العالمية، وحمل المؤتمر شعار "العودة إلى صهيون". وصهيون هو جبل في مدينة القدس الفلسطينية المحتلة.

حضر هذا المؤتمر  204 مندوبا من اليهود، منهم 117 مندوبا مثلوا جمعيات صهيونية مختلفة، وسبعون جاءوا من روسيا وحدها. كما حضره مندوبون من القارتين الأمريكيتين والدول الاسكندنافية وبعض الأقطار العربية وبالأخص الجزائر. وكان مقرراً للمؤتمر أن ينعقد في مدينة ميونخ الألمانية، إلا أن الجالية اليهودية هناك عارضت ذلك لأسباب خاصة بها مما استوجب نقله إلى مدينة بازل السويسرية. وافتتح الإرهابي تيودور هرتزل المؤتمر بخطابٍ "ناري وعاطفي" كشف فيه عن الهدف الحقيقي من وراء عقده لهذا المؤتمر، حيث قال في خطابه:
"زملائي أعضاء الوفود: إنني كواحد من الذين دعوا إلى عقد هذا المؤتمر أرحب بكم ، وهذا ما سأفعله باقتضاب ، ذلك لأننا إذا كنا نريد أن نخدم القضية وجب علينا أن نقتصد فى اللحظات القيمة للمؤتمر. فهناك الكثير من الأمور التي ينبغي تحقيقها خلال الثلاثة الأيام التي سيستمرها المؤتمر. إننا نريد أن نرسم أسس البناء الذي سيأوي يوما ما الشعب اليهودي. إن الواجب كبير جدا بحيث إننا سوف نتعرض له بأبسط الأساليب. وسنعرض ملخصا لوضع المشكلة اليهودية فى خلال الأيام الثلاثة القادمة ولقد تم تصنيف المادة الضخمة الموجودة تحت أيدينا عن طريق رؤساء اللجان.
وسنستمع إلى تقارير عن وضع اليهود فى مختلف الأقطار. وتعلمون جميعا ولو حتى بطريقة مشوشة أن الوضع باستثناء حالات نادرة، لا يدعو للارتياح ولو كان الوضع على غير هذا لما انعقد هذا الاجتماع. ولقد عانت وحدة مصيرنا التوقف والانقطاع الطويل بالرغم من أن الشتات المبعثر للشعب اليهودي قد تحمل فى كل مكان اضطهادا مماثلا. وقد أدت عجائب الاتصال فى وقتنا هذا قد أدت إلى التفاهم المتبادل والوحدة بين الجماعات المنعزلة. وفى هذه الأيام، حيث التقدم فى كل مظهر فإننا نعرف أننا محوطون بكراهية قديمة. إن العداء للسامية والذي تعرفونه جيدا ويا للأسف هو اسم هذه الحركة.
إن أول تأثير تركه على يهود اليوم هو الاندهاش الذي ترك مكانه للألم والاستياء. وربما لا يدرك أعداؤنا عمق الجرح الذي أصاب أحاسيس هؤلاء اليهود الذين لم يكونوا هدفا أساسيا لهجومهم. إن هذا الجزء من اليهود العصريين والمثقفين والذين خرجوا من نطاق " الجيتو " وفقدوا عادة الاتجار فى السلع الحقيرة قد أصابهم السهم فى القلب.
ومنذ التاريخ السحيق والعالم يسيء فهمنا. فعاطفة التضامن التي كثيرا ما نالنا التأنيب بسببها كانت آخذة فى التحلل فى نفس الوقت الذي تعرضنا فيه للعداء للسامية. ولقد ساعد العداء للسامية على تقويتها من جديد، وعدنا إلى بيتنا (يقصد الجيتو) ذلك لأن الصهيونية هي العودة إلى الحياة اليهودية قبل أن تكون عودة إلى الأرض اليهودية.
إننا نحن الأبناء الذين عُدنا ، نجد الكثير الذي ينبغي تقويمه تحت سقف أجدادنا ، لأن كثيرا من أخوتنا قد انحدروا إلى قاع البؤس والشقاء.
لقد حققت الصهيونية شيئا رائعا كان حتى هذه اللحظة يعتبر مستحيلا: ألا وهو الاتحاد القومي بين العناصر اليهودية الممعنة فى العصرية والممعنة فى المحافظة وكون هذا الأمر قد تحقق دون تنازلات مشينة من أي من الجانبين، ودون تضحيات ثقافية لهو دليل آخر- أن كانت هناك حاجة إلى دليل على الوحدة القومية لليهود - إن وحدة من هذا النوع لا يمكن أن تقوم إلا على أساس قومي.
ومما لا شك فيه انه سيكون هناك مناقشات حول موضوع إقامة منظمة نشعر جميعا بالحاجة إليها.
فالمنظمة هي الشاهد على معقولية " الحركة الصهيونية " ولكن هناك نقطة واحدة ينبغي أن تُؤكد بوضوح وقوة حتى نصل إلى حل للمشكلة اليهودية . إننا نحن الصهيونيين لا نريد عصبة دولية بل نريد مناقشة دولية. ولسنا بحاجة إلى القول أن التمييز بينها له الأهمية الأولى فى نظرنا.
إن مثل هذا التمييز هو الذي يبرر عقد مؤتمرنا. ولن يكون هناك مكان للمؤامرات والتدخل السري والأساليب الملتوية بين صفوفنا، بل سنفصح عن آرائنا لتكون تحت حكم الرأي العام، وسيكون من أول نتائج حركتنا تحويل المسألة اليهودية إلى مسألة خاصة بصهيون.
إن حركة شعبية لها مثل هذه الأبعاد الواسعة سوف تتعرض للهجوم من جهات عديدة ولذالك فان المؤتمر سوف يشغل نفسه بالوسائل الروحية التي ينبغي استخدامها لإحياء وتدعيم الشعور القومي لليهود. وهنا كذلك ينبغي علينا أن نناضل ضد عدم الفهم. فليست لدينا أقل نية للتزحزح قيد أنملة عن ثقافتنا التي اكتسبناها. وعلى العكس فإننا نهدف إلى ثقافة أوسع مثل تلك التي تجلبها زيادة المعرفة. وفي الحقيقة فان اليهود كانوا دائما أكثر. نشاطا من الناحية العقلية أكثر من الناحية الجسمانية .
ولما كان الرواد العمليون الأوائل للصهيونية قد أدركوا هذا فإنهم قد بدأوا العمل الزراعي لليهود. إننا لن نكون قادرين ولن نكون راغبين في التحدث عن محاولات استعمار فلسطين والأرجنتين بدون شعور العرفان بالجميل. لكنهم وضعوا اللبنات الأول للحركة الصهيونية ، ذلك لأن الحركة الصهيونية ينبغي أن تكون أوسع فى مداها إذا ما أريد لها أن تقوم بالفعل .
إن الشعب لا يُجزى إلا على جهوده هو وإذا لم يكن في استطاعته أن ينهض بنفسه ، فإنه لن ينال العون ، وإننا نحن الصهيونيين نريد أن نرتفع بالشعب إلى درجة مساعدة نفسه بنفسه. ولن نوقظ الآمال الفجة أو الغير ناضجة.
إن هؤلاء الذين يولون الأمر اهتمامهم سوف يعترفون بأن الصهيونية لن تحقق أهدافها دون التفاهم القاطع مع الوحدات السياسية المشتركة. ومن المعروف بصفة عامة أن مشاكل الحصول على حقوق الاستعمار لم تخلقها الصهيونية في وضعها الراهن. وان الإنسان ليعجب عن الدوافع المحركة لمروجي هذه القصص . إذ يمكن الاستحواذ على ثقة الحكومة التي نريد التفاوض معها بخصوص توطين جماهير اليهود على نطاق واسع وذلك عن طريق اللغة البسيطة والتعامل القويم" انتهى خطاب هرتزل

إخواني وبني جلدتي:
لقد حدد أعدائنا من اليهود والغرب الصليبي ( أوربا وأمريكا)  هدفهم في الوقت الحاضر مثلما حددوا أهدافهم في الماضي، فهل سنأخذ دروس من الماضي؟! وما جرى لنا فيه؟! أم سنستمر في غفلتنا؟!
إذا ما تأملنا الأحداث سالفة الذكر والتي وقعت خلال الخمسين عاما التي سبقت إعلان دولة إسرائيل لخرجنا بعدد من الدروس والعبر منها ما يخص الجانب الصهيوني، ومنها ما يخص الجانب العربي وذلك النحو التالي:
أولا: ما يخص الجانب اليهودي الصهيوني:

الدرس الأول: تحديد الهدف:
منذ البدء حدد اليهود هدفهم وهو العودة إلى فلسطين، التي خروجوا منها بعد التدمير الثاني للهيكل على يد الرومان ، ولذا فقد رفضوا الاندماج في المجتمعات التي هاجروا إليها، وعاشوا في عُزلة خاصة بهم، حتى لا يذوبوا في تلك المجتمعات، وذلك لما لديهم من موروث عقائدي بأنهم شعب الله المختار، وأن ما عداه من الشعوب أو الجوييم ما هم إلا أملاك لليهودي.
فهرتزل المؤسس الحقيقي لدولة اليهود يرى أن العنصر اليهودي في أي مجتمع من المجتمعات عنصر مثير للاضطراب والتمرد داخل المجتمع الأوروبي، وهذا أمر يتعلق بطبيعة اليهودي، فهو بطبيعته لا يستطيع الحياة مع الشعوب الأخرى، وإن عاش فلكي يكون عنصرا مدمرا لقوة هذه الشعوب ومحرضا على الثورة وقلب الأوضاع.
وقد استند هرتزل إلى هذا الرأي في مراسلاته مع ملوك وحكام أوروبا، فقد صور لهم أن بقاء اليهود داخل المجتمعات التي يحكمونها ليس في صالح هذه المجتمعات ولا في صالح حكوماتها، ولهذا يجب على هذه الحكومات تشجيع فكرة الصهيونية وإنشاء الوطن اليهودي حتى تتخلص هذه الحكومات من العناصر المناهضة لها.
من رأي هرتزل السابق نفهم كيف عاش اليهود فى أوروبا فى أحياء وحارات وأزقة يهودية،مركزين أهدافهم فى الحصول على المال والذهب بكل الطرق الشريفة أو غير الشريفة فبالمال والذهب يمكن تسخير كل الشعوب وإخضاعها لإرادة الشعب اليهودي، وبدأت عمليات السيطرة على مصادر المال كاحتكار التجارة والصناعة والمراقص وبيوت الدعارة والسيطرة على وسائل الإعلام لنشر الأفكار المسمومة.
لم تكن لقرارات الكنيسة المسيحية أي أثر ملموس فى تغيير سياسة اليهود ، ففي إنجلترا اكتشفت محاكم التفتيش أن المرابين اليهود يقرضون طلبة جامعة أكسفورد بالربا الفاحش .
ومن الغريب أن اليهود لجأوا إلى برادة أطراف العملات الذهبية للحصول على كميات كبيرة من تراب الذهب تمكنهم من إعادة سبكها مرة أخرى ، كما شوهوا الجنيه الإنجليزي الذهب،وساد ارتباك فى الاقتصاد الإنجليزي وكادت الأحوال المالية أن تنهار أمام مؤامرات اليهود
وانتشر الفساد فى البلاد وظهرت لأول مرة بيوت الدعارة والملاهي والخمارات وهو ما يتنافى مع أخلاق الشعب الإنجليزي فى ذلك الوقت مما اضطر الملك إدوارد الأول الذي ضاق بوجود اليهود فى مملكته لأن يصدر قراراً فى عام 1290م يقضى بطرد اليهود من إنجلترا وأعطى لهم مهلة ثلاثة شهور لمغادرة البلاد وهكذا كانت بريطانيا أول دولة أوربية تطرد اليهود من أراضيها
ما حدث فى إنجلترا قد تكرر فى فرنسا وكادت تنهار فرنسا كما انهارت الدولة الرومانية من قبل وكثرت حوادث المصادمات بين أفراد الشعب الفرنسي واليهود ، وهاجم الفرنسيون الأحياء اليهودية وهدموا المعابد والمدارس اليهودية لولا تدخل الحكومة الفرنسية، وتم طرد اليهود من فرنسا ومن أغلب دول أوربا كما تقدم قبل ذلك.
تلك الأخلاق اليهودية دفعت الأوربيون إلى السعي في إيجاد خل للمشكلة اليهودية خارج الحدود الجغرافيا للقارة الأوربية، ومن ثمة فشل موضوع توطين اليهود في بولندا رغم أنها فتحت أبوابها لاستقبال اليهود المطرودين من دول أوروبا، كما رفض اليهود التوطين في الأرجنتين أو في أوغندا، وذلك لأنهم حددوا هدفهم من البداية في العودة إلى فلسطين، رغم أن علاقتهم بها، لا تزيد شيئا يُذكر عن علاقاتهم بكل الدول التي أقاموا فيها.

قال المؤرخ البريطاني ج.ه ويلز "موجز التاريخ"
"كانت حياة العبر انيين في فلسطين تشبه حالة رجل يصر على الإقامة وسط طريق مزدحم فتدوسه الحافلات والشاحنات باستمرار، ومن البدء حتى النهاية لم تكن ممتلكاتهم سوى حادث طارئ في تاريخ مصر وسوريا وأشور وفينيقيا ذلك التاريخ الذي هو أكبر وأعظم من تاريخهم".
وقال: المفكر اليهودي: "شلومو ساند" في مقدمة كتابه "اختراع الشعب اليهودي"الطبعة العربية -2010
"على ا لرغم من أن مصطلح " شعب" فضفاض، وغير واضح جدًا ، إلا أني لا أعتقد بأنه كان في أي زمن مضى شعب يهودي واحد . إن الرواية التاريخية القائلة إن "الشعب اليهودي" قائم منذ نزول التوراة في سيناء، وإن الإسرائيليات والإسرائيليين من ذوي الأصل اليهودي هم ذراري ذلك الشعب، الذي "خرج" من مصر واحتل "أرض إسرائيل" واستوطن فيها لكونها "الأرض الموعود ة" من طرف الرب، وأقام من ثم "مملكتي داوود وسليمان" ، وإن هذا الشعب تشرد نحو ألفي عام في الدياسبورا بعد دمار الهيكل الثاني. هي رواية غير موثوق فيها على الإطلاق ، بل إنها انتفت تمامًا ولم يكن لها أي أنصار أو أي مريدين حتى نهاية القرن التاسع عشر".
ثم قال:
"شرعت بالتفتيش عن كتب تبحث في طرد اليهود من البلاد، وعن سبب أو عن حدث مؤسس في التاريخ اليهودي، كالمحرقة النازية تقريبًا ، لكنني فوجئت حين تبين لي أنه لا وجود لكتب أو أدبيات توثق مثل هذا الحد ث. والسبب بسيط وهو أنه لم يقم أحد على الإطلاق بطرد شعب البلاد، فالرومانيون لم يطردوا شعوبًا (عقب احتلالاتهم)، وما كان في إمكانهم القيام بذلك حتى لو رغبوا فيه، إذ لم تتوفر لديهم قطارات أو شاحنات من أجل ترحيل أو نفي شعوب أو مجموعات سكانية بأكملها".

الدرس الثاني: التخطيط الجيد
ولقد تمثل هذا التخطيط الجيد في محاضر اجتماعات القيادات اليهودية، والتي اُشتهرت ببروتوكولات حكماء صهيون، ونقتبس جزء من البروتوكول التاسع يوضح لنا مدى ما وصل إليه اليهود من التخطيط المحكم والتغلغل داخل المؤسسات الحاكمة في الدول الكبرى في ذلك الوقت وعلى  رأسها بريطانيا العظمى، ولقد استغلوا في سبيل ذلك كل شيء من: عقيدة ومال وجنس وإعلام -  يقول البروتوكول:
وأنني أستطيع في ثقة أن أصرح اليوم بأننا أصحاب التشريع،  وأننا المتسلطون في الحكم، والمقررون للعقوبات، وأننا نقضي بإعدام من نشاء ونعفو عمن نشاء، ونحن ـ كما هو واقع ـ أولو الأمر الأعلون في كل الجيوش، الراكبون رؤوسها، ونحن نحكم بالقوة القاهرة، لأنه لا تزال في أيدينا الفلول التي كانت الحزب القوي من قبل، وهي الآن خاضعة لسلطاننا، إن لنا طموحاً لا يحد، وشرهاً لا يشبع، ونقمة لا ترحم، وبغضاء لا تحس. إننا مصدر إرهاب بعيد المدى. وإننا نسخر في خدمتنا أناساً من جميع المذاهب والأحزاب، من رجال يرغبون في إعادة الملكيات، واشتراكيين ، وشيوعيين، وحالمين بكل أنواع الطوبيات(1)، ولقد وضعناهم جميعاً تحت السرج، وكل واحد منهم على طريقته الخاصة ينسف ما بقي من السلطة، ويحاول أن يحطم كل القوانين القائمة. وبهذا التدبير تتعذب الحكومات، وتصرخ طلباً للراحة، وتستعد ـ من أجل السلام ـ لتقديم أي تضحية، ولكننا لن نمنحهم أي سلام حتى يعترفوا في ضراعة بحكومتنا الدولية العليا.

الدرس الثالث: التنفيذ السريع المحكم إخلاصا للهدف:
بعد القرارات الهامة التي خرج بها المؤتمر الصهيوني الأول في بازل بسويسرا عام 1897م، والتي  من أهمها إنشاء وطن قومي يهودي في فلسطين يضمنه القانون العام، حدد المؤتمر الوسائل الكفيلة بتحقيق هذا الغرض وهي:
1-      تشجيع الاستعمار الاستيطاني في فلسطين علي أسس مناسبة من قبل العمال الزراعيين وإنشاء مستعمرات زراعية وعمرانية في فلسطين.
2-    إنشاء منظمة تربط يهود العالم، وذلك عن طريق منظمات محلية تابعة لها في كل بلد يتواجد فيه اليهود.
3-    تقوية الشعور القومي وتعزيزه لدي اليهود.
4-     اتخاذ خطوات تمهيدية من اجل الحصول علي موافقة حكومة دولية لتحقيق أهداف الصهيونية

هرتزل والسعي لقيام دولة بني صهيون:
بعد أن تم انتخاب هرتزل رئيسا المنظمة الصهيونية العالمية وبدأ علي الفور بإجراء اتصالات دولية فأجري هرتزل اتصالات مع الدولة العثمانية بهدف السماح لليهود بالهجرة إلي فلسطين غير إن السلطان العثماني عبد الحميد الثاني رفض ذلك،
بعد أن تأكد هرتزل انه من المستحيل إقناع السلطان أو شراؤه بالمال لذلك دبر الصهاينة مؤامرة لخلعه، و زج تركيا في حرب عالمية، والتقت مصلحة اليهود مع مصلحة جماعة يهود الدونمة في مجلس تركيا الفتاة للإطاحة بالسلطان، وفعلا ابلغ السلطان بخلعه في 24/4/1909م.
فقد استطاعت (جمعية تركيا الفتاة) من خلال البرلمان التركي أن تجمع حولها مجموعة من زعماء العثمانيين، وعزلت السلطان عبد الحميد الثاني قضاءً، وعينت هذه اللجنة سلطاناً آخر بحيث يكون الحكم الفعلي للجمعية، وقد تركز النفوذ في الحكومة التركية بأيدي ثلاثة وزراء يهود. وبعد ذلك بستة أشهر قامت ثورات شعبية تعترض على هذا التشكيل اليهودي الواضح، فقتلت بعض زعماء الحرب، وأعادت السلطان، غير أن اليهود أوعزوا لـ (مصطفى كمال) الذي كان يدير الجيش للتحرك لقمع الثورة، وفعلاً احتل الجيش عاصمة الخلافة، وأسقط السلطان مرة ثانية، وتم نفيه للخارج، وتم بذلك تثبيت حكم اليهود في تركيا، وتم إصدار مجموعة قوانين منها السماح بالهجرة اليهودية والسماح لليهود بشراء الأراضي.
فاتجه هرتزل بعد ذلك إلي كل من فرنسا وروسيا القيصرية وألمانيا، ولكنه فشل في محادثاته معها، ثم اتجه إلي انجلترا، ولكن الحكومة البريطانية رفضت تعضيد أطماع الصهيونية في فلسطين، خشية إغضاب الدولة العثمانية؛ مما جعل هرتزل يعرض مشروعات بديلة فاقترح علي الحكومة البريطانية باستيطان جزيرة قبرص فرفضت بريطانيا طلبه كما رفضت طلبا أخر باستيطان اليهود في العريش وعرضت بريطانيا علي هرتزل أوغندا كمكان لاستيطان اليهود فيها، وقد وافق هرتزل علي ذلك بينما عارضه كثير من زعماء الصهيونية.

حاييم وايزمان والسعي لقيام دولة بني صهيون
توفي هرتزل في عام 1904م، وخلفه حاييم وايزمان في زعامة المنظمة الصهيونية العالمية والذي كان له (حاييم وايزمان) نفوذ واسع في انجلترا وتربطه بساستها صداقة حميمة، ونتيجة لتلاقي أهداف الاستعمار التي حددها مؤتمر كامبل بانرمان في لندن عام 1907م والتي تقضي بتمزيق البلاد العربية وتفتيتها عن طريق إنشاء حاجز بشري يفصل بين مشرق الوطن العربي ومغربه، فاغتنم وايزمان الفرصة وقدم مذكرة إلي الحكومة البريطانية بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين.
أيد الوزير البريطاني هربرت صموئيل اليهودي تأسيس دولة يهودية في فلسطين تحت إشراف بريطانيا فقدم مذكرة إلي حكومته يقترح فيها ذلك، وقد حظيت مذكرة هربرت صموئيل بموافقة عدد من السياسيين البريطانيين أمثال: بلفور، ولويد جورج، ومثلت نموذجا للتخطيط الاستعماري البريطاني الذي تمخض عنه صدور تصريح بلفور.
لقد تطورت السياسة البريطانية تجاه الصهيونية من العطف كما جاء في تصريح بلفور عام 1917م، إلي الالتزام بتنفيذ ما جاء في التصريح، وذلك في أعقاب الاحتلال البريطاني لفلسطين بقيادة الجنرال اللبني الذي دخلت جيوشه القدس في 11 ديسمبر 1917م، أي بعد فترة من إعلان ذلك التصريح.

وأعلن اللنبي الأحكام العسكرية، وشكل إدارة عسكرية تتولي شؤون البلاد، وقد اتصفت فترة الحكم العسكري في فلسطين بثلاث مظاهر رئيسية هي: الحكم المطلق، وسيطرة العناصر اليهودية علي الإدارة العسكرية، والمحافظة علي بعض الأنظمة العثمانية في إدارة البلاد والتي كانت تخدم أهداف ومصالح الاحتلال العسكري ومصالحه في فلسطين.
ومهما كان الأمر، فان الصهاينة لم يكتفوا باستصدار تصريح بلفور بل عملوا جاهدين من خلال توافق سياستهم مع السياسة الاستعمارية البريطانية علي كسب تأييد الدول الكبرى الأخرى لذلك التصريح لكي يكسب شرعية دولية، وقد أثمرت جهودهم تلك قبل صدور التصريح نفسه حينما جاء أول تأييد دولي من رئيس الولايات المتحدة الأمريكية ولسون وفي 14 فبراير عام  1918م وافقت عليه فرنسا كما أيدته، واعترفت به ايطاليا في 9 مايو من العام نفسه.
ولم يمض وقت طويل علي انتهاء الحرب العالمية الأولي واستسلام تركيا في تاريخ 30 أكتوبر 1918م حتى قرر المجلس الأعلى لمؤتمر الصلح في باريس في عام 1919م عدم إمكانية إعادة المقاطعات العربية المحتلة ومنها فلسطين إلي الحكم العثماني.
وفي تاريخ 25 ابريل 1920م قرر مجلس الحلفاء المنعقد في سان ريمو وضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني، وقبل أن تصادق عصبة الأمم علي هذا القرار كانت بريطانيا قد سارعت في عام 1920م إلي إقامة إدارة مدنية لتحكم بواسطتها فلسطين، وعينت أول مندوب سام لها هناك وهو احد كبار الصهاينة البريطانيين هو السير هربرت صموئيل والذي كان له اليد العليا في إصدار وعد بلفور، وهكذا تشكلت الإدارة المدنية الجديدة التي أخذت علي عاتقها تنفيذ الساسة البريطانية بجعل فلسطين وطنا قوميا لليهود، وذلك أثناء فترة الانتداب البريطاني علي فلسطين.
فبمجرد صدور قرار مؤتمر سان ريمو لدول الحلفاء عام 1920م بالموافقة علي تصريح بلفور وانتداب بريطانيا علي فلسطين، حتى سارعت الدبلوماسية البريطانية والصهيونية إلي العمل في عصبة الأمم للحصول علي صك الانتداب البريطاني يكون بمثابة تصديق دولي رسمي لذلك القرار ويتضمن الخطوات الكفيلة بتنفيذ تصريح بلفور، أي بناء الوطن القومي اليهودي بإشراف الانتداب البريطاني.
حافلة بريطانية مُجهزة لحماية اليهود من الحجار والقنابل اليدوية
هذا وقد وضعت مسودات صك الانتداب كتصريح بلفور بالتشاور السري بين الحكومة البريطانية حيث أن مؤتمر الصلح في باريس قد طلب من المنظمة الصهيونية العالمية أن تصوغ مقترحاتها بشأن الانتداب علي فلسطين في مشروع متكامل فوضعته وقدمته إلي الحكومة البريطانية ب تاريخ 15 يوليو 1919م، فأدخلت فيه بعض التعديلات وقدمته إلي عصبة الأمم بتاريخ 6 ديسمبر 1920م، وفي النهاية صودق عليه في مجلس العموم بتاريخ 29 سبتمبر 1923م
في أثناء الحرب العالمية الثانية حدث تطور مهم في علاقات الحركة الصهيونية مع الولايات المتحدة الأمريكية،  ففي عام 1942م عقدت الحركة الصهيونية مؤتمرها في فندق بلتيمور في نيويورك وطالبت علنا وبصراحة بإقامة دولة يهودية في فلسطين وإنشاء جيش يهودي، وفتح باب الهجرة إلي فلسطين بدون قيود.
وقد تنافس الحزبان الأمريكان: الديمقراطي والجمهوري علي تأييد مطالب الحركة الصهيونية، وبذلك يمكن القول أن الحركة الصهيونية منذ هذا التاريخ أصبحت مرتبطة بصورة علنية بالولايات المتحدة الأمريكية التي أصبحت تضغط علي بريطانيا لتحقيق مطالب اليهود في فلسطين.
وبعد هذا التأييد العلني من أمريكا للصهيونية أخذت الوكالة اليهودية تدرب جيش الهاغاناه علي أيدي الضباط الإنجليز، وشكلت بريطانيا فليقا يهوديا بضباطه وجنوده وضمته إلي جيوش الحلفاء ليكون نواة جيش الدولة اليهودية بعد انتهاء الحرب.
بوش وكيري أعضاء في منظمة الجمجمة والعظام
وبالرغم من كل المساعدات المالية والعسكرية والسياسية التي قدمتها بريطانيا لليهود في فلسطين، قام اليهود بثورة ضد بريطانيا لإجبارها علي فتح باب الهجرة والسيطرة علي الأرضي الفلسطينية، واخذوا يأسرون الضباط البريطانيين ويقتلون الجنود ويصلبونهم علي الشجر وأعمدة الكهرباء بعد تعذيبهم وقتلهم، ثم أطلقوا النار علي المندوب السامي وزوجته، ولم تكن بريطانيا تتخذ ضدهم إلا ابسط الإجراءات مثل تغريم المستعمرة التي التجأ إليها الإرهابيون خمسمائة جنيه فقط ولم تحصلها، في الوقت الذي كانت فيه تتخذ ضد العرب اقسي العقوبات من إعدام وسجن وتدمير للبيوت وحرق للمزروعات.
ولم يكتف اليهود بقتال الإنجليز داخل فلسطين بل قاموا باغتيال وزير الدولة البريطاني في القاهرة اللورد موين، معتمدين في أعمالهم الإرهابية هذه علي التأييد الأمريكي الكامل الذي أعلنته الحكومة الأمريكية، مستغلين في الوقت نفسه انشغال بريطانيا في حربها ضد ألمانيا.
وقبيل انتهاء الحرب العالمية الثانية زاد ضغط الولايات المتحدة الأمريكية علي بريطانيا من اجل أن تسمح بهجرة اليهود إلي فلسطين بدون قيد أو شرط، ورضخت الحكومة البريطانية للضغوط الأمريكية، وأصبح الفلسطينيون يواجهون بريطانيا العظمي والولايات المتحدة الأمريكية وهما من اكبر الدول في العالم في ذلك الوقت، بالإضافة إلي الحركة الصهيونية والدول الأخرى المؤيدة لها.

الدرس الرابع: تحديد الوسائل:
من أبرز الوسائل التي استعان بها اليهود لتحقيق أهدافهم:
(1)      العقيدة:
أفكار ثابتة لا تُشكل الفكر اليهودي فحسب بل تُشكل العقيدة اليهودية، ومن تلك الأفكار:

(أ)  أن اليهود شعب الله المختار المفضل على غيره من الشعوب، والتي قد لا ترقى من وجهة نظر اليهودي لمستوى الحيوان، يُطلق عليها الجوييم، ومن ثمة تكون تلك الشعوب بمثابة العبيد، وهو سيدها المطلق.
مصطلح «الشعب المختار» ترجمة للعبارة العبرية «هاعم هنفحار»، ويوجد معنى الاختيار في عبارة مثل «عم سيجولاه»، أو «عم نيحلاه» أي «الشعب الكنز». وإيمان بعض اليهود بأنهم شعب مختار مقولة أساسية في النسق الديني اليهودي، وتعبير آخر عن الطبقة الحلولية التي تشكلت داخل التركيب اليهودي وتراكمت فيه(2)
الحلولية هي الاعتقاد بأن الإله يحل في بعض بني الإنسان، وقد عرفت هذه الفكرة في المسيحية حيث يعتقدون أن الله حل في المسيح (3)
والثالوث الحلولي مُكوَّن من الإله والأرض والشعب، فيحل الإله في الأرض، لتصبح أرضاً مقدَّسة ومركزاً للكون، ويحل في الشعب ليصبح شعباً مختاراً، ومقدَّساً وأزلياً (وهذه بعض سمات الإله). ولهذا السبب، يُشار إلى الشعب اليهودي بأنه «عم قادوش»، أي «الشعب المقدَّس» و«عم عولام» أي «الشعب الأزلي»، و«عم نيتسح»، أي «الشعب الأبدي».
وقد جاء في سفر التثنية (14/2) "لأنك شعب مقدَّس للرب إلهك. وقد اختارك الرب لكي تكون له شعباً خاصاً فوق جميع الشعوب الذين على وجه الأرض".
في سفر التثنية 7:7-9 تخبرنا، "ليس من كونكم أكثر من سائر الشعوب، التصق الرب بكم واختاركم، لأنكم أقل من سائر الشعوب. بل من محبة الرب إياكم، وحفظه القسم الذي أقسم لآبائكم، أخرجكم الرب بيد شديدة وفداكم من بيت العبودية من يد فرعون ملك مصر، فأعلم أن الرب إلهك هو الله، الإله الأمين، الحافظ العهد والإحسان للذين يحبونه ويحفظون وصاياه إلي ألف جيل".

والفكرة نفسها تتواتر في سفر اللاويين (20/24، 26): "أنا الرب إلهكم الذي ميَّزكم من الشعوب... وتكونون لي قديسين لأني قدوس أنا الرب. وقد ميَّزتكـم من الشعـوب لتكونوا لي". ويشـكر اليهــودي إلهه في كل الصلــوات لاختيــاره الشعب اليهودي. وحينما يقع الاختيار على أحد المصلين لقــراءة التــوراة عليه أن يحمد الإله لاختياره هذا الشعـب دون الشعـوب الأخــرى، ولمنحه التوراة عـلامة على التميز.
هذه هي الصورة المكذوبة و المقدسة التي تقدمها كتب اليهود الدينية لشخصية اليهودي، والتي منها تتشكل عقيدة اليهود. وهي قداسة الشخصية اليهودية الناجمة عن الحلول الإلهي في الشعب اليهودي.
ولاشك أن هذه الصورة المقدسة لليهودي كذبة كبرى من اختراع اليهود أنفسهم، فقد يكون الحق تبارك وتعالى قد فضل اليهود في العهد القديم على منْ عاصروهم من الوثنيين أيام الوثنية وأيام أن كان اليهود هم المؤمنين بالله وسط هذا العالم الوثني، أما أن يظل ذلك التفضيل لليهود مع نزول رسالتين سماويتين بعد اليهودية وهما المسيحية والإسلام، وعدم إيمان اليهود بهما، هذا بخلاف عدم التزام الشعب اليهودي بالعهد مع الله أو مع رسله – عليهم السلام – يُضاف إلى ذلك عدم التزام اليهود بأدنى مبادئ الأخلاق التي هي أساس الرسالات السماوية ومع كل هذا يستمر وصف اليهود بأنهم شعب الله المختار، فهذا ما لا يقبله عقل ولا نقل والدليل على ذلك من:

التوراة:
ها هي التوراة تُحدثنا عن فساد ذلك الشعب وعدم التزامه فتقول:
" الأرض تدنست تحت سكانها لأنهم تعدوا الشرائع، غيروا الفريضة، نكثوا العهد الأبدي، لذلك لعنة أكلت الأرض وعوقب الساكنون فيها. لذلك احترق سكان الأرض وبقي أناس، قلائل"  أ ش 54:5"
و " قد رجعوا إلي آثام آبائهم الأولين الذين أبوا أن يسمعوا كلامي وقد ذهبوا وراء آلهة أخري ليعبدوها وها قد نقض بيت إسرائيل عهدي الذي قطعته مع آبائهم" آر 11: 10. "هو ذا بيتكم يترك لكم خرابا".

القرآن الكريم:
قال تعالى:{ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَٰرَىٰ نَحْنُ أَبْنَٰؤُاْ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ }سورة المائدة – 18 -
قَالَ اِبْن عَبَّاس : خَوَّفَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْمًا مِنْ الْيَهُود الْعِقَاب فَقَالُوا : لَا نَخَاف فَإِنَّا أَبْنَاء اللَّه وَأَحِبَّاؤُهُ ; فَنَزَلَتْ الْآيَة . قَالَ اِبْن إِسْحَاق : أَتَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُعْمَان بْن أَضَا وَبَحْرِيّ بْن عَمْرو وَشَأْس بْن عَدِيّ فَكَلَّمُوهُ وَكَلَّمَهُمْ , وَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَحَذَّرَهُمْ نِقْمَته فَقَالُوا : مَا تُخَوِّفنَا يَا مُحَمَّد ؟ ; نَحْنُ أَبْنَاء اللَّه وَأَحِبَّاؤُهُ , كَقَوْلِ النَّصَارَى ; فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِيهِمْ " وَقَالَتْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللَّه وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبكُمْ بِذُنُوبِكُمْ " إِلَى آخِر الْآيَة .
قَالَ لَهُمْ مُعَاذ بْن جَبَل وَسَعْد بْن عُبَادَة وَعُقْبَة بْن وَهْب : يَا مَعْشَر يَهُود اِتَّقُوا اللَّه , فَو َاَللَّهِ إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُول اللَّه , وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَذْكُرُونَهُ لَنَا قَبْل مَبْعَثه , وَتَصِفُونَهُ لَنَا بِصِفَتِهِ ; فَقَالَ رَافِع بْن حُرَيْمِلَة وَوَهْب بْن يَهُوذَا : مَا قُلْنَا هَذَا لَكُمْ , وَلَا أَنْزَلَ اللَّه مِنْ كِتَاب بَعْد مُوسَى , وَلَا أَرْسَلَ بَشِيرًا وَلَا نَذِيرًا مِنْ بَعْده ; فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " يَا أَهْل الْكِتَاب قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولنَا يُبَيِّن لَكُمْ عَلَى فَتْرَة مِنْ الرُّسُل " إِلَى قَوْله : " وَاَللَّه عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير " . السُّدِّيّ : زَعَمَتْ الْيَهُود أَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَوْحَى إِلَى إِسْرَائِيل عَلَيْهِ السَّلَام أَنَّ وَلَدك بِكْرِي مِنْ الْوَلَد . قَالَ غَيْره : وَالنَّصَارَى قَالَتْ نَحْنُ أَبْنَاء اللَّه ; لِأَنَّ فِي الْإِنْجِيل حِكَايَة عَنْ عِيسَى " أَذْهَبُ إِلَى أَبِي وَأَبِيكُمْ " , وَقِيلَ : الْمَعْنَى : نَحْنُ أَبْنَاء رُسُل اللَّه , فَهُوَ عَلَى حَذْف مُضَاف .
وَبِالْجُمْلَةِ . فَإِنَّهُمْ رَأَوْا لِأَنْفُسِهِمْ فَضْلًا ; فَرَدَّ عَلَيْهِمْ قَوْلهمْ فَقَالَ{وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ}(4)

(ب) أن أرض فلسطين حق مكتسب كمنحة لا ترد ولا تُستبدل منحها لهم إلههم الذي يعبدون، وأنه لا حق يٌقابل تلك المنحة وذلك الوعد الممنوح لهم من إلههم، ويستدلون على ذلك بما:
- جاء في سفر التكوين, الإصحاح 17, العدد 18, يقول الرب مخاطباً إبراهيم: "وأعطي لك ولنسلك من بعدك أرض غربتك, كل أرض كنعان ملكاً أبدياً وأكون ألههم".
- وفي سفر التكوين 15:18-21 : حدود أرض الميعاد هو توضيح لأراضي الشعوب القديمة المختلفة، على النحو التالي :
"وفي ذلك اليوم قطع الرب مع إبرام عهدا، وقال :" لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير، نهر الفرات—أرض القينيين، القنزيين، القدمونيين والحثيين والفرزيين والأموريين والكنعانيين والجرجاشيين واليبوسيين ".
- سفر الخروج : 33: 1 و قال الرب لموسى اذهب اصعد من هنا أنت و الشعب الذي أصعدته من ارض مصر إلى الأرض التي حلفت لإبراهيم و اسحق و يعقوب قائلا لنسلك أعطيها .
- تثنية : 34: 4 "و قال له الرب هذه هي الأرض التي أقسمت لإبراهيم و اسحق و يعقوب قائلا لنسلك أعطيها [موسى] قد أريتك إياها بعينيك و لكنك إلى هناك لا تعبر .
يدور الفكر اليهودي الحلولى دوماً حول ثلاثية الإله والأرض والشعب، فيحل الإله في الأرض، لتصبح أرضاً مقدَّسة ومركزاً للكون، ويحل في الشعب ليصبح شعباً مختاراً، ومقدَّساً وأزلياً.
فاليهود يعتقدون أن الوعد في البدء كان لإبراهيم ولكنه انتقل إلى ابنه إسحاق ثم إلى يعقوب ومن ثم أبناء وأحفاده، إلى أن وصل إلى موسى ثم إلى اليهود الحاليون.
وهنا نقول إذا كان الحق – تبارك وتعالى – قد منح اليهود أرض فلسطين كما يزعمون، فإن ذلك المنح من الله مشروط  بطاعة وتنفيذ أمره، وأن الوصية بالوعد بتوريث الأرض مشمولة بالوعيد بالعذاب والشتات إذا ما انقلبوا عن طاعة الله ومصداق ذلك ما جاء في:

الكتاب المقدس:
- جاء في الإصحاح 4 من العدد 25-27من سفر التثنية "إذا ولدتم أولاداً، وأولاد أولاد، وأطلتم الزمان في الأرض وفسدتم وصنعتم تمثالاً منحوتاً صورة شيء ما، وفعلتم الشر في عيني الرب إلهكم لإغاظته. أشهد عليكم اليوم السماء والأرض أنكم تبيدون سريعا عن الأرض التي أنتم عابرون الأردن إليها لتمتلكوها. لا تطيلون الأيام عليها بل تهلكون لا محالة. ويبددكم الرب في الشعوب فتبقون عدداً قليلاً بين الأمم التي يسوقكم الرب إليها"
- جاء في الإصحاح8 العدد17- 20من نفس السفر: "لئلا تقول في قلبك: قوتي وقدرة يدي اصطنعت لي هذه الثروة. بل اذكر الرب إلهك أنه هو الذي يعطيك قوة لاصطناع الثروة لكي يفي بعهده الذي أقسم لآبائك كما في هذا اليوم. وإن نسيت الرب إلهك وذهبت وراء آلهة أخرى وعبدتها وسجدت لها أشهد عليكم اليوم أنكم تبيدون لا محالة. كالشعوب الذين يبيدهم الرب من أمامكم كذلك تبيدون لأجل أنكم لم تسمعوا لقول الرب إلهكم".
- ومثل ذلك جاء في التوراة السامرية ، وفيها على غرار ما جاء في نص العبرانية الأخير: "ولئلا تقول في سرك حيلي وعظم يدي اصطنعت لي الأيسار هذا. بل تذكر الله إلهك أنه المعطي لك القدرة على اكتساب الغنى حتى يثبت عهده الذي أقسم لآبائك، لإبراهيم ولإسحاق وليعقوب كاليوم هذا. وتكون إن نسيان تنسي الله إلهك فتضل في إتباع آلهة آخر وتعبدها وتسجد لها، أشهدت عليكم اليوم، أن هلاكا تهلكون. كالشعوب الذين الله مهلك من قدامكم كذلك تهلكون جزاء أن لم تسمعوا من أمر الله إلهكم.
- جاء فى الإصحاح التاسع منها 4-6 "لا تقل في سرك إذ يدفع الله إلهك إياهم من بين يديك قولاً: لزكاتي أدخلني الله لوراثة الأرض هذه، ولفجور الشعوب هؤلاء الله قارضهم من بين يديك. ليس بزكاتك ولا بسلامة قلبك أنت داخل لوراثة أرضهم، بل لفجور الشعوب هؤلاء الله قارضهم من بين يديك وحتى يثبت الأمر الذي أقسم لآبائك لإبراهيم ولإسحاق وليعقوب. فاعلم أن ليس لزكاتك الله إلهك معطيك الأرض الحسنة هذه وراثة إذ شعب قاسى العرف أنت".
- جاء في العدد الأول من نفس النسخة والسفر والإصحاح: "كل الوصايا التي أنا موصيك اليوم تحفظون للامتثال حتى تبقوا وتكثروا وتدخلوا وترثوا الأرض التي أقسم الله لآبائكم".
وفي مثيلها من التوراة العبرانية: "جميع الوصايا التي أنا أوصيكم بها اليوم تحفظون لتعملوها لكي تحيوا وتكثروا وتدخلوا وتمتلكوا الأرض التي أقسم الرب لآبائكم"، وفي الإصحاح 11عدد8، 9تثنية: "احفظوا كل الوصايا التي أنا أوصيكم بها اليوم لكي تتشددوا وتدخلوا وتمتلكوا الأرض التي انتم عابرون إليها لتمتلكوها. ولكي تطيلوا الأيام على الأرض التي أقسم الرب لآبائكم أن يعطيها لهم ولنسلهم أرضاً تفيض لبناً وعسلاً".
- جاء فى سفر اللاويين 20: 22-24 "تحفظون جميع فرائضي وجميع أحكامي وتعملونها لكي لا تقذفكم الأرض التي أنا آت بكم إليها لتسكنوا فيها. ولا تسلكون في رسوم الشعوب التي أنا طاردهم من أمامكم، لأنهم قد فعلوا كل هذا فكرهتهم. وقلت لكم ترثون أنتم أرضهم وأنا أعطيكم إياها لترثوها أرضا تفيض لبناً وعسلاً، أنا الرب إلهكم الذي ميزكم من الشعوب".
وليس هناك أكثر صراحة من ارتباط وتوقف التمكين لليهود والاستخلاف في الأرض المقدسة - سواء الذي حدث لهم أيام موسى أو ما أعقبها في عهد سليمان- على أمر الطاعة  لله وحفظ الوصايا، مما جاء في سفر الملوك الأول9: 3-9 في مخاطبة الله لسليمان بن داود عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام وفيه: "قال له الرب قد سمعت صلاتك وتضرعك الذي تضرعتَ به أمامي، قدستُ هذا البيت الذي بنيتَه لأجل وضع اسمي فيه إلي الأبد وتكون عيناي وقلبي هناك كل الأيام. وأنت إن سلكت أمامي كما سلك داود أبوك بسلامة قلب واستقامةٍ وعملت حسب كل ما أوصيتك وحفظت فرائضي وأحكامي. فإني أقيم كرسيَّ ملكك على إسرائيل إلى الأبد كما كلمت داود أباك قائلأً: لا يعدم لك رجل عن كرسيّ إسرائيل. إن كنتم تنقلبون أنتم أو أبناؤكم من ورائي ولا تحفظون وصاياي – فرائضي- التي جعلتها أمامكم بل تذهبون وتعبدون آلهة أخرى وتسجدون لها. فإني أقطع إسرائيل عن وجه الأرض التي أعطيتهم إياها والبيت الذي قدسته لاسمي أنفيه من أمامي ويكون إسرائيل مثلا وهزأة في جميع الشعوب. وهذا البيت يكون عبرة، كل من يمر عليه يتعجب ويصْفُرُ ويقولون لماذا عمل الرب هكذا لهذه الأرض ولهذا البيت. فيقولون من أجل أنهم تركوا الرب إلههم الذي أخرج آباءهم من أرض مصر وتمسكوا بآلهة أخرى وسجدوا لها وعبدوها، لذلك جلب الرب عليهم كل هذا الشر".
avatar
طارق فتحي
المدير العام

عدد المساهمات : 2805
تاريخ التسجيل : 19/12/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alba7th.3oloum.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى