* (6) السيطرة الصهيونية على دوائر صُنع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

* (6) السيطرة الصهيونية على دوائر صُنع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية

مُساهمة  طارق فتحي في الأربعاء أبريل 26, 2017 1:08 pm

(6) السيطرة الصهيونية على دوائر صُنع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية
توطئة:
إذا ما تتبعنا تاريخ دولة إسرائيل منذ إنشائها وانضمامها لهيئة الأمم المتحدة لوجدنا أنها الدولة الوحيدة على مستوى العالم التي تضرب عرض الحائط بقواعد القانون الدولي دون أدني شعور بالألم أو وخز الضمير أو حتى مبالاة بالانتقادات التي توجه لها في هذا الشأن، فساسة إسرائيل سواء كانوا من حزب العمل أو الليكود أو غيرها من الأحزاب اليمنية المتطرفة لا يختلفون فيما بينهم في قراراتهم السياسية و التي تتفق جميعها في عدم احترام ما يُسمى بالقانون الدولي أو العدالة الدولية فلا فرق بين إسحاق شامير أو إسحاق رابين ولا فرق شارون أو نتنياهو كما لا فرق بين ليبرمان أو شيمون برييز فجميعهم اشترك في نحر العدالة الدولية دون خوف أو مبالاة.
ففي عهد هؤلاء جميعا رغم اختلاف لغة حوارهم عن الحقوق والواجبات قامت إسرائيل ولسنوات طويلة بانتهاك مبادئ القانون الدولي الراسخة، بل إنها تحدت قرارات الأمم المتحدة العديدة التي صدرت أثناء احتلالها للأرض التي استولت عليها عنوة سواء في فلسطين أو لبنان أو سوريا.

ولم تكتف إسرائيل بعمليات العدوان العسكري المتكررة خارج نطاق القانون الدولي بل إنها مارست العديد من عمليات الاغتيال خارج نطاق ذات القانون سواء داخل الأراضي المحتلة أو خارجها في العديد من الدول، فلقد قامت إسرائيل ولسنوات طويلة باغتيال كل منْ يُعارضها أو يرفع في وجهها عصا المعصية، ولم تقف اغتيالات إسرائيل على المعارضين لسياساتها بل تعدت ذلك إلى اغتيال العديد من العلماء العرب حتى لا يُسهموا في تطور مجتمعاتهم كالدكتور/ يحيى المشد وغيره،هذا بخلاف جواسيسها الذين تنشرهم في كل مكان من العالم.
يرى غالبية العالم أن سياسات إسرائيل - وخاصة اضطهادها للفلسطينيين - إجرامية وشائنة.وهذا ما يبدو واضحا الإجماع الدولي على سبيل المثال في العديد من قرارات الأمم المتحدة التي تدين إسرائيل والتي تمت الموافقة عليها بأغلبية ساحقة، ولكن أين ذهبت هذه القرارات سواء كانت من الأمم المتحدة أو مجلس الأمن فجميعها ظل حبيس الأدراج ولم ير النور، ولم يُسرع السيد/ مجلس الأمن بفرضها أو تنفيذها بالقوة، فالعدالة الدولية سريعة التنفيذ على العالم العربي والإسلامي فقط، فقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن بردا وسلاما على إسرائيل، ونارا وسموما على العرب والمسلمين.
إن حال إسرائيل وتصرفها مع القرارات الدولية يٌعطينا نتيجة واحدة إذا ما حاولنا تفسير ما نراه وتقوم به إسرائيل على مدار تاريخها منذ ولادتها ولادة مُبتسرة من رحم الأطماع الأنجلو ساكسون، تتركز هذه النتيجة في: أن إسرائيل دولة فوق القانون، فهي لا تحترم القانون الدولي إلا في حالة واحدة هي خدمة مصالحها فقط ، أما أن تٌقدم تنازلات فهذا أمر غير وارد، وهذا ما يؤكده: كوفي عنان السكرتير العام للأمم المتحدة مؤخرا حيث قال " إن العالم بأسره يطالب بانسحاب إسرائيل من المناطق الفلسطينية المحتلة، لا أظن أن العالم بأسره .. يمكن أن يكون على خطأ." (1)

(أ) أسباب الانحياز الأمريكي لإسرائيل:
ألا يجعلنا ذلك القول من كوفي عنان وتلك التصرفات من إسرائيل وذلك الصمت من مجلس الأمن والأمم المتحدة أن نتساءل لماذا تُسرع العدالة الدولية بتنفيذ قراراتها وإظهار قوة عضلاتها على العرب والمسلمين، بينما تتأخر تلك العدالة بل وتتلاشى قوتها أمام انتهاكات إسرائيل؟!
وتأتينا الإجابة من الولايات المتحدة الأمريكية فهي الداعم الرئيسي لإسرائيل من خلال ما يقوم به السياسيون الأمريكان ووسائل الإعلام بتأييد إسرائيل وسياستها بحماس مفرط. ومنقطع النظير لقد زودت الولايات المتحدة إسرائيل لسنين طويلة بالدعم الحاسم دبلوماسيا وعسكريا وماليا، وقد شمل ذلك ما يربو على ثلاثة بلايين دولارا سنويا.
وهذا الدعم المبالغ فيه من قبل الأمريكان إلى إسرائيل لا يرجع إلى قوة إسرائيل، وإنما يرجع إلى عاملين هما:
العامل الأول: قوة هيمنة وسيطرة اليهود على دوائر صُنع القرار داخل الولايات المتحدة الأمريكية حتى أننا يمكننا القول بأن الولايات المتحدة الأمريكية تُدار قراراتها الداخلية والخارجية وفقا لمصلحة اليهود، ومن ثمة لمصلحة إسرائيل.
العامل الثاني:
دعوى الانتساب إلى ما يسمى بـ ( البقية المختارة ) من أبناء يعقوب أو بني إسرائيل ، حيث تتنافس الطائفتان اليهودية، والمسيحية البروتستانتية في احتكار الانتساب إلى بقية (الشعب المختار ) من سلالة أسباط بني إسرائيل، تلك السلالة التي يعتقدون أنها لن تنقرض حتى يخرج منها جيل الخلاص الذي سيشهد أحداث نهاية العالم .

والآن تعالوا بنا نناقش هذين العاملين في شيء من التفصيل:
أولا: قوة هيمنة وسيطرة اليهود على دوائر صُنع القرار داخل الولاياتالمتحدة الأمريكية
ومن أشهر الشهادات التي تؤكد قوة وسطوة اليهود داخل الولايات المتحدة الأمريكية ما يلي:
- المطران دزموند توتو Bishop Desmond Tutu من جنوب أفريقيا – والحائز على جائزة نوبل للسلام لعام 1984 – حيث قال"لقد تم وضع الحكومة الإسرائيلية فوق منصة عالية (بالولايات المتحدة) وإذا ما انتقدها أحد وصموه فورا بالعداء للسامية. يخاف الناس في هذه البلاد من نعت الخطأ بالخطأ لأن اللوبي اليهودي قوي .. قوي جدا."(2)
- الكاتب اليهودي وأستاذ العلوم السياسية بنيامين جنزبرج "توصل اليهود منذ الستينيات إلى امتلاك واستخدام النفوذ القوي بنواحي الحياة الأمريكية الاقتصادية والثقافية والفكرية والسياسية، ولعب اليهود دورا مركزيا في الشئون المالية الأمريكية خلال الثمانينيات وكانوا من بين المنتفعين الرئيسيين من عمليات اندماج وإعادة تنظيم الشركات الكبرى. أما اليوم فرغم أن اليهود يصل عددهم بالكاد إلى حوالي 2% من تعداد السكان إلا أن قرابة نصف بليونيرات هذه الأمة من اليهود. ومن اليهود أيضا المديرون التنفيذيون لأكبر ثلاث شبكات تلفازية وأربعة من أكبر استوديوهات السينما وأكبر دار لإصدار الصحف وجريدة النيويورك تايمز أكبر الجرائد وأعظمها أثرا .. ودور اليهود ملحوظ أيضا في الحياة السياسية الأمريكية .." (3)
- ستيفن شتاينلايت Stephen Steinlight المدير السابق للشئون القومية باللجنة اليهودية الأمريكية قال إن لليهود " قوة سياسية لا تتناسب مع عددهم .. وهي أعظم من قوة أي مجموعة عرقية أو ثقافية في أمريكا" ويمضي ليشرح أن النفوذ الاقتصادي لليهود وقوتهم يتركزان بصورة غير متناسبة في هوليوود والتلفاز وفي مجال الأخبار" (4)
- سيمور ليبست وإيرل راب الكاتبان اليهوديان في كتابهما "اليهود والحال الأمريكي الجديد" المنشور عام 1995 حيث قالا "شكل اليهود خلال العقود الثلاثة الماضية:
50% من أفضل 200 مثقف بالولايات المتحدة..
20% من أساتذة الجامعات الرئيسية .. 40
% من الشركاء بالمكاتب القانونية الكبرى بنيويورك وواشنطون ..
59% من الكتاب والمنتجين للخمسين فيلما سينمائيا التي حققت أكبر إيراد مابين عامي 1965 - 1982
58% من المديرين والكتاب والمنتجين لاثنين أو أكثر من المسلسلات بوقت الذروة التلفازي."(5)
- أحد الأعضاء البارزين في مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأمريكية الرئيسية أن اليهود قد أسهموا بحوالي 50% من أموال الحملة الانتخابية لإعادة انتخاب الرئيس الأمريكي بل كلنتون عام 1996(6)

- . مايكل مدفد الكاتب والناقد السينمائي اليهودي المعروف قال "ليس معقولا أن ننكر حقيقة قوة اليهود وبروزهم في الثقافة العامة. إن أي قائمة بأسماء مديري الإنتاج ذوي النفوذ بكل استوديوهات السينما الكبرى تحتوي على أغلبية كبيرة من الأسماء اليهودية الواضحة" (7)
- جوناثان جولدبرج رئيس تحرير الجريدة الأسبوعية اليهودية البارزة "فوروارد Forward" كتب قائلا "إذا نظرت إلى عدد من القطاعات الأساسية – وخاصة قطاع المديرين باستوديوهات هوليوود – لوجدت أن أعداد اليهود تطغى لدرجة أن القول بأن تلك الأماكن يحكمها اليهود مجرد ملاحظة إحصائية لا أكثر" (Cool
- تشارلس لندبرج وقف في 11 سبتمبر 1941 يخطب في جمع من7000 مستمع في دي موين Des Moines بولاية إيوا Iowa عن خطورة تورط الولايات المتحدة في الحرب التي كانت تدور رحاها بأوربا حينئذ، فشرح كيف أن البريطانيين واليهود وإدارة روزفلت شكلوا المجموعات الرئيسية الثلاث التي كانت تدفع بأمريكا إلى الحرب.

قائلا عن اليهود "إن خطرهم الأعظم على هذه البلاد يرجع إلى ملكيتهم الضخمة ونفوذهم بالسينما والصحافة والراديو والحكومة في بلادنا." واستمر لندبرج قائلا في فقرة أخرى "إنهم يريدون لنا التورط في الحرب لأسباب مفهومة من وجهة نظرهم بقدر ما هي غير حكيمة من وجهة نظرنا، فهي أسباب غير أمريكية. نحن لا نستطيع لومهم لأنهم يتطلعون إلى ما يعتقدون أنه في صالحهم ولكننا يجب أيضا أن نتطلع إلى صالحنا. لا يمكن لنا أن نسمح للعواطف الطبيعية لقوم آخرين وتحيزاتهم بأن تدفع ببلادنا إلى الخراب. (9)
- ألفرد للينثال الباحث اليهودي الأمريكي في عام 1978 قال في دراسته المفصلة بعنوان "الصلة الصهيونية" "كيف فرضت الإرادة الصهيونية على الشعب الأمريكي؟ .. إنها الصلة اليهودية وذلك الترابط القبلي فيما بينهم وجذبهم العجيب لغير اليهود. تلك هي العوامل التي صاغت تلك القوة غير المسبوقة .. تنتشر تلك الصلة اليهودية الصهيونية في مناطق المدن الكبرى فتتخلل الدوائر الثرية المالية والتجارية والاجتماعية والترفيهية والفنية."
و قال ليلينثال أيضا بأن تغطية أنباء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني - بالتلفاز والصحف والمجلات الأمريكية - تتعاطف مع إسرائيل دون هوادة بسبب القبضة اليهودية الممسكة بالإعلام. يظهر ذلك بجلاء على سبيل المثال في تصوير "الإرهاب" الفلسطيني أو كما يقول للينثال "تم ضمان وجود التقارير أحادية الجانب عن الإرهاب - التي لا تربط أبدا بين السبب والنتيجة - لأن السيطرة الإعلامية هي أكثر مكونات الصلة اليهودية فاعلية." (10)

- يهودا بوير Yehuda Bauer مؤرخ الهولوكوست الإسرائيلي والأستاذ بالجامعة العبرية بالقدس قال عن إستغلال وتزييف الحقائق الخاصة بالهولوكوست "لقد أصبح الهولوكوست رمزا متسيدا في ثقافتنا سواء كان عرضه أصيلا أو غير أصيل وسواء كان متمشيا مع الحقائق التاريخية أو متعارضا معها وسواء كان عرضه عن فهم وتفهم أو كان أثرا رمزيا مبتذلا ينقصه الذوق ... من الصعب أن يمر شهر دون إنتاج تلفازي جديد أو فيلم جديد أو مسرحية جديدة أو كتاب جديد أو شعر أو نثر متعلق بالموضوع وهذا الفيضان يتزايد بدلا من أن يتراجع." (11)
- نورمان فنكلشتين Norman Finkelstein وهو باحث يهودي كان مدرسا للعلوم السياسية بكلية هنتر Hunter College التابعة لجامعة المدينة بنيويورك City University of New York فقد ورد بكتابه "صناعة الهولوكوست " The Holocaust Industry قوله:
"استثارة الهولوكوست خدعة تهدف إلى تحريم كل انتقاد لليهود .. فعقيدة الهولوكوست الراسخة – بإضفائها البراءة التامة على اليهود - تعطي المناعة لإسرائيل ويهود أمريكا ضد النقد المشروع .. لقد استغلت التنظيمات اليهودية هولوكوست النازي لصد انتقاد اسرائيل وسياساتها التي لا يمكن أن يكون هناك دفاع أخلاقي عنها." كتب فنكلشتين أيضا عن "الابتزاز" الفاجر الذي مارسته إسرائيل والتنظيمات اليهودية ضد ألمانيا وسويسرا وغيرها من البلدان لكي "تغتصب بلايين الدولارات". ويتوقع فنكلشتين أن يصبح الهولوكوست "أكبر جريمة سرقة في تاريخ البشرية". (12)
- آري شافيت Ari Shavit الصحفي الإسرائيلي كتب عن شعور اليهود الإسرائيليين بالحرية لممارسة التصرف الهمجي ضد العرب قائلا "هناك اعتقاد ويقين مطلق بأن حياة الآخرين لا تعادل حياتنا في قيمتها، فالبيت الأبيض اليوم في أيدينا ومعه مجلس الشيوخ والكثير من الإعلام الأمريكي."(13)
- الأدميرال توماس مورر Thomas Moorer الرئيس السابق لهيئة الأركان المشتركة بالجيش الأمريكي تحدث عن التحكم اليهودي الإسرائيلي في الولايات المتحدة فقال بحنق واضح"لم أر أبدا رئيسا أمريكيا .. أيا كان .. يقف في وجههم < الإسرائيليين >. إن ذلك يحير العقل، فهم يحصلون دائما على ما يريدون. يعلم الإسرائيليون دائما ما هو جار، وقد وصلت يوما إلى درجة الامتناع عن تدوين أي شيء. لو علم الأمريكيون مدى سيطرة هؤلاء الناس على حكومتنا لحملوا السلاح وثاروا. لا شك أن مواطنينا لا يعلمون شيئا عما يجري." (14)
- د. دافيز D. Davis السفير الفرنسي في لندن أقر مؤخرا بأن إسرائيل خطر على السلام العالمي ونعتها بأنها "الدولة الصغيرة القذرة" قائلا "لماذا يتعرض العالم لخطر قيام حرب عالمية ثالثة بسبب هؤلاء الناس؟"(15)
يمتلك اليهود ويستخدمون قوة هائلة ونفوذا بالولايات المتحدة، واللوبي اليهودي عامل محدد في تأييد الولايات المتحدة لإسرائيل. المصالح اليهودية الصهيونية ليست مطابقة للمصالح الأمريكية، بل إنها متضاربة في واقع الأمر.

طالما بقي اللوبي اليهودي الشديد القوة متحصنا فلن تكون هناك نهاية للتشويه اليهودي المنظم للتاريخ والأحداث الجارية والسيطرة اليهودية الصهيونية على الجهاز السياسي للولايات المتحدة والقهر الصهيوني للفلسطينيين والصراع الدموي بين اليهود وغير اليهود بالشرق الأوسط والتهديد الإسرائيلي للسلام.

ثانيا: دعوى الانتساب إلى ما يسمى بـ ( البقية المختارة ) من أبناء يعقوب أو بني إسرائيل
قبل مناقشة تلك العقيدة المسماة بالبقية المختارة من أبناء يعقوب لابد لنا من أن نتعرف على حقيقة مصطلحين سيكثر ذكرهما في حوارنا وهما:
(1) مصطلح الأنجلوساكسون : هم عنصر البيض البروتستانت ، يعتبرون أنفسهم صفوة المجتمع الأمريكي وأصحاب الفضل في تأسيس دولته العملاقة ، فهم الذين شكلوا بذرة الهجرة الأولى لهذه الأرض الجديدة قبل 300 عام ، وهم يحملون في غالبيتهم معتقد البروتستانت (Protestant) الذي يعني الاحتجاج ، وبالرغم من وجود شرائح كبيرة من الأمريكيين ترجع إلى أصول أسبانية وآسيوية وإفريقية ، إلا أن الأنجلوساكسون ذوي الأصول الأوروبية هم العنصر المسيطر والمتسيّد في الولايات المتحدة .

(2) مصطلح الأسباط : جمع سبط ، وهو ابن الابن ، أو الحفيد ، والأسباط المذكورون في القرآن هم أبناء يعقوب الذين هم أحفاد إسحاق بن إبراهيم - عليهم السلام - ، ومن هؤلاء الأسباط تشعبت قبائل أبناء يعقوب أو (بني إسرائيل) وهم اثنا عشر ، ستة منهم لأم واحدة ، والباقون كل اثنين من أم .
إن المراقب للتاريخ الأمريكي تصدمه وقائع الطريقة التي تعامل بها الأمريكيون مع شعوب العالم الأخرى ؛ إذ سرعان ما يكتشف المرء ألا فرق كبيراً بين نظرة اليهود إلى ( الجوييم ) أو الأمميين العوام المستباحي الأرواح والدماء والأعراض ، وبين نظرة الأنجلوساكسون إليهم ، فكلا النظرتين تنطلقان من مقولة أن هناك جنساً متفوقاً لا بد أن تخضع له كل الشعوب وتركع تحت رجليه كل الأمم بحيث لا تكون لحياتها قيمة إلا بالقدر الذي تخدم به الشعب المختار، ولا تكون لأرضها أهمية إلا بقدر ما تمد ذلك الشعب بالخيرات ، أما إذا تعارضت حياة أولئك الأغيار أو الجوييم أو الأميين مع المصالح العليا للشعب المختار ، فلا ضرورة لهذه الحياة أصلاً ، ويصبح من العبث الإبقاء عليها، أما إذا ما تجرأ أحد منهم على تهديد حياة أحد من أبناء الشعب المختار ، فإن قيامته لا بد وأن تقوم، ونهايته لابد وأن تأتي من خلال الإحراق أو الإغراق أو الاسترقاق أو أي وسيلة من وسائل الإزهاق . و هنا ندرك مدى الارتباط بين عقدة الدم الأنجلو ساكسوني الأمريكي و عقدة الدم اليهودي وعدم الاختلاف بينهما فكلاهما يرتكز على قاعدتين ثابتين هما: القاعدة الأولى قاعدة الاستهانة الشديدة بدماء الأغيار أو الجوييم أو الأميين.
والقاعدة الثانية هي: الحرص الشديد على دماء الشعب المختار سواء كان دما يهوديا أو دما أنجلو ساكسونيا.

إذا كانت إسرائيل قد قامت على أرض وأجساد وأعراض الفلسطينيين، وانتهكت إسرائيل في سبيل ذلك كل مبادئ وقيم الإنسانية فنفس الشيء فعله المهاجرون البروتستانت في الولايات المتحدة الأمريكية: فقد جاء في كتاب (العملاق ) لكاتبه ( يوردجاك ) العديد من النصائح للقيادات الأنجلو ساكسونية المتزعمة للمهاجرين البروتستانت إلى القارة الأمريكية الجديدة ، منها « إن إبادة الهنود الحمر والخلاص منهم أرخص بكثير من أي محاولة لتنصيرهم أو تمدينهم ؛ فهم همج ، برابرة ، عراة ، وهذا يجعل تمدينهم صعباً .
إن النصر عليهم سهل ، أما محاولة تمدينهم فسوف تأخذ وقتاً طويلاً ، وأما الإبادة فإنها تختصر هذا الوقت ، ووسائل تحقيق الانتصار عليهم كثيرة : بالقوة ، بالمفاجأة ، بالتجويع ، بحرق المحاصيل ، بتدمير القوارب والبيوت ، بتمزيق شباك الصيد ، وفي المرحلة الأخيرة : المطاردة بالجياد السريعة والكلاب المدربة التي تخيفهم ؛ لأنها تنهش أجسادهم العارية » !
- في عام 1730 م ، أصدرت الجمعية التشريعية ( البرلمان ) لمن يسمون أنفسهم : ( البروتستانت الأطهار ) تشريعاً يقنن عملية الإبادة لمن تبقى من الهنود الحمر ، فأصدرت قراراً بتقديم مكافأة مقدارها 40 جنيهاً مقابل كل فروة مسلوخة من رأس هندي أحمر ، و40 جنيهاً مقابل أسر كل واحد منهم ، وبعد خمسة عشر عاماً ارتفعت المكافأة إلى 100 جنيه ! ثم وضع البرلمان البروتستانتي ( تسعيرة ) جديدة بعد عشرين عاماً من صدور القرارات الأولى : فروة رأس ذكر عمره 12 عاماً فما فوق : 100 جنيه ، أسير من الرجال : 105 جنيهات ، أسيرة من النساء أو طفل : 55 جنيهاً ، فروة رأس امرأة أو فروة رأس طفل : 50 جنيهاً .

- في عام 1763 م أمر القائد الأمريكي ، البريطاني الأصل ( جفري أهرست ) برمي بطانيات كانت تستخدم في مصحات علاج الجدري في أماكن تجمعات الهنود الحمر ، لنقل مرض الجدري إليهم بهدف نشر المرض بينهم ؛ مما أدى إلى انتشار الوباء الذي نتج عنه موت عشرات الألوف منهم .
وبعد عقود قليلة انتهى أمر السكان الأصليين في القارة الأمريكية إلى ما يشبه الفناء ، بعد الإبادة المنظمة لهم على أيدي المبشرين بالمحبة ، والسلام للبشرية جمعاء !
لقد ظل النصارى ينافسون اليهود على احتكار النسبة إلى « الشعب المختار» و « البقية الصالحة » من بني إسرائيل ، وظل هذا التنافس في القرون التالية لظهور الإسلام .
وكان الأساس الذي استند إليه الطرفان ، نصوصاً من التوراة تشير إلى استمرار تلك البقية من الشعب المختار ، جاء في سفر أشعيا : ( ويكون في ذلك اليوم ، أن بقية إسرائيل ، والناجين من بيت يعقوب ، لا يعودون يتوكلون على ضاربهم ، بل يتوكلون على قدوس إسرائيل بالحق ، ترجع البقية ، بقية يعقوب إلى الله القدير ، لأنه وإن كان شعبك يا إسرائيل كرمل البحر ، ترجع بقية منه) (16)

عندما حدث الاختراق اليهودي للنصرانية الكاثوليكية بعد حركة ( الإصلاح الديني ) في القرن السادس عشر للميلاد التي أدخل بموجبها ( مارتن لوثر ) «إصلاحات » جذرية على الديانة النصرانية ، أصبحت بها النصرانية المخترقة قريبة جداً من الديانة اليهودية ؛ حيث جعل مارتن لوثر كتاب التوراة مرجعاً حرفياً للنصارى ، فأصبح كل ما يدين به اليهود من النصوص الحرفية للتوراة يدين به النصارى الذين أطلق عليهم بعد ذلك التحريف اسم : ( البروتستانت )
وبعد مارتن لوثر صاغ (جون كالفن ) الفكر البروتستانتي ليصبح متمرداً على الفكر الكاثوليكي ، واستطاع به أن يسحب البساط من تحت أقدام الكاثوليك بدعوى التميز البروتستانتي عرقياً ودينياً ، وتمكن من نقل معتقد ( الشعب المختار ) بشكله التوراتي الحرفي إلى الديانة البروتستانتية الجديدة ، حتى أصبحت الشعوب التي تدين بهذا المذهب وفي طليعتهم الإنجليز يستشعرون أنهم وحدهم يمثلون الامتداد الطبيعي لـ ( شعب الله المختار ) المسئول وحده عن قيادة العالم والوصاية عليه باسم الأنجلوساكسونية البروتستانتية .

جون كالفن
ولهذا قصة غريبة لا تخلو من الطرافة ! لقد بدأ بعض الباحثين منذ القرن السابع عشر للميلاد يجرون أبحاثاً تاريخية لاهوتية لإثبات أن الشعوب ( الأنجلو ساكسونية ) هي الامتداد الطبيعي لمن تبقى من أسباط بني إسرائيل ، وأنهم ليسوا إلا بقية من بعض قبائل الأسباط المختارة ، وحاول هؤلاء إثبات فرضية هجرة بقايا بني إسرائيل ممن آمن بعيسى - عليه السلام - إلى أوروبا فراراً من بطش الأعداء ، وأنهم تكاثروا حتى أصبحوا شعباً ، وكان أول من حاول إثبات ذلك ؛ الباحث الأكاديمي ( جون سادلر ) من جامعة كمبردج عام 1650م .
وبعد قيام الثورة الفرنسية ومواجهتها للكنيسة الكاثوليكية ، ساد اعتقاد في أوروبا بأن الشعب البريطاني ( الأنجلو ساكسوني ) يمثل الشعب المختار ؛ لأنه ينحدر كما يزعمون من سلالة أفرايم بن يوسف بن يعقوب - عليهما السلام- من زوجته المصرية ، وبُني على ذلك الوهم يقين بأن الشعب الأنجلو ساكسوني البروتستانتي سيظل في بريطانيا وغيرها أميناً على رسالة عيسى حتى يعود فيملك العالم ، وقد أصَّل لهذا المعتقد ( جون ويلسون ) المتوفى سنة 1781م ، وبنى على ذلك عملياً أنه يجب على الشعب البريطاني أن يعيد السيطرة على (أرض الميعاد ) لأنها مكتوبة للصالحين من بني إسرائيل بحسب التوراة.
وفي أواخر القرن التاسع عشر تحرك هذا المعتقد عملياً من خلال ما سمي بالحركات « الأنجلو إسرائيلية » مثل ( جمعية أنجلو إسرائيل ) وجماعة ( أنجلو أفرايم) وجماعة ( ميتروموليتان ) الأنجلو إسرائيلية .

وعندما هاجرت أفواج من الأنجلو ساكسون إلى القارة الأمريكية إبان اكتشافها ، ساد اعتقاد بأن بين المهاجرين مجموعات من سبط ( منسَّى ) وهو الأخ الثاني لإفرايم بن يوسف - عليه السلام - ، وحاول باحثون أمريكيون معاصرون إثبات تلك المقولة من خلال المعلومات المستمدة من الآثار الفرعونية الهيروغليفية في الهرم الأكبر بمصر .
أما اليهود فظلوا في المقابل يحتفظون بدعوى انحدار بعضهم من نسل ( يهوذا ) الذي تمثل قبيلته السبط المختار الذي بسببه سمي اليهود يهوداً وتتعلق به نبوءات آخر التاريخ ، وخصوا اليهود الذين قدموا إلى أوروبا من أسبانيا بذلك ، ولذلك ظلوا يزايدون على دعاية الاصطفاء ، ويجادلون عليها الإنجليز على الرغم من كل ما قدمه الإنجليز لهم من خدمات .
أما الإنجليز أنفسهم ؛ فقد انتعش لديهم الاعتقاد بأن الأنجلو ساكسون هم الشعب المختار حقاً ؛ لأنهم قادوا طائفة البروتستانت في العالم نحو السيطرة على الأرض المقدسة التي ستُترك « مؤقتاً » لليهود في حماية البروتستانت ريثما يعود المسيح ؛ حيث سيكون هؤلاء اليهود أو جزء منهم في طليعة أنصار المسيح عندما يعود ! ! ولكن بريطانيا أفل نجمها كقوة عالمية بعد الحرب العالمية الثانية ، فتسلم الشعب الأمريكي المنتمي أيضاً في أغلبيته إلى هوية وعرقية الرجل الأبيض الأنجلو ساكسوني البروتستانتي ، تسلم راية المسؤولية عن سيادة ذلك الجنس على العالم باعتباره الوريث الشرعي لدور ( الشعب المختار ) .(17)

avatar
طارق فتحي
المدير العام

عدد المساهمات : 2805
تاريخ التسجيل : 19/12/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alba7th.3oloum.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى