* ذي القرنين وعين الحمئة في القرآن

اذهب الى الأسفل

* ذي القرنين وعين الحمئة في القرآن

مُساهمة  طارق فتحي في الإثنين أغسطس 15, 2016 1:04 pm

عين الحمئة ومن كل حدب ينسلون
تأليف: عيسى عبدالرحمن
هذا الموضوع يتحدث عن ذو القرنين (الاسكندر المقدوني)، ومغرب الشمس، والعين الحمئة، والعين الاخرى التي تطلع منها على قوم لم يجعل الله لهم من دونها سترا.
كما يتحدث الموضوع أيضا عن يأجوج ومأجوج، وهويتهم، وحقيقة الاساطير التي نسجت حولهم، والاحاديث التي نسبت الى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عنهم.
الموضوع متداخل ومتشعب، والمادة التي يتضمنها ربما تكون جديدة على الكثير منّا، لذا كان لابد من تقسيمه لعدة أجزاء!
نبدأها بنظرة عامة وملخص توضيحي، وفيه تلخيص لكل الموضوع بشكل نرجو ان يكون واضح، ومرفقا بالصور لتتضح الفكرة بشكل أفضل.
ولكن حتى هذه النظرة العامة لا ندري من أين نبدأها.
"حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ووجد عندها قوما"
فإن كنت قد دخلت على الموضوع بقصد معرفة «العين الحمئة» فقط ، فها هي في الصورة المقابلة والشمس تغرب فيها، من بين زهور اللوتس، وعندها قوم يقدمون القرابين، ولا يغيب عن المشهد سوى الاسكندر ذو القرنين!
إذا كان قوم يأجوج ومأجوج معروفين، والعين الحمئة معروفة ولا تحتاج سوى لفت انتباه، لما ظل المسلمين ينسجون الاساطير حول يأجوج ومأجوج لأكثر من (1400) عام، ولما قامت المواقع والقنوات التبشيرية بوضع العين الحمئة تحت المجهر بقصد الاستهزاء والسخرية من القرآن. إلا ان ما ذكره القرآن عن ذو القرنين، والاحداث التي رافقته، ليست في معلوم الكثير.
لكي يدرك القارئ حقيقة الاحداث التي ذكرها القرآن، فلابد له ان يعرف مسبقا تاريخ قوم لم يبقى لهم أثر، وحضارة قوم لا يزال الكثير من مفاهيمها طي الكتمان. لذا سنبدأ الموضوع ببعض المقدمات. وطبعا بإمكانك سحب الصفحة الى الاسفل لتأخذ لمحة سريعة على ما فيها!
العين كما هو معلوم في لغة العرب منبع ماء يتدفق من تحت الارض. وهذه هي العين التي قصدها القرآن بالضبط، ولكن فيها حمأ (وحل). لم يقصد القرآن بحر ولا بحيرة، لا بحر لامع ولا بحر نتن، عين حمئة (موحلة) فقط لا غير، كما هو مكتوب في القرآن حرفيا. و ذو القرنين وجدها تغرب (تغطس) في تلك العين الموحلة.
قيل ان القرآن نقل قصة ذو القرنين من رومانسيات الاسكندر، فتبين من دراستنا للموضوع ان العكس هو الصحيح. حيث يعود تاريخ الرومانسيات الى القرن التاسع او العاشر الميلادي، أثناء العصر العباسي، نقلها كُتّابها من تراث المسلمين وأقوال المفسرين. قال المفسرون انه رآى الشمس كما يراها الناظر وهي تغرب في البحر، فكتب أصحاب الرومانسيات كذلك. بينما القرآن يتحدث عن "عين" وليس عن بحر، لم يقل رآها، وإنما وجدها.
المفسرون الأوائل، كعبدالله بن عباس وغيره، تبنوا قول الحاخام كعب الاحبار في انه يرى الشمس في التوراة تغرب في ماء وطين، وهو طبعا يكذب عليهم، لأنه لا يوجد شيء من هذا الكلام في كتب التوراة. ما وجدناه في التوارة (العهد القديم) هو ان الشمس توقفت في وسط السماء في انتظار بني اسرائيل الى ان ينهوا معركتهم، ولم تتحرك من مكانها الى ان انتهت المعركه. ولا ندري كيف حصل ذلك، لأن الشمس أصلا واقفه، والارض هي التي تتحرك!
أمّا قصة الشمس التي تغرب في ماء وطين فهي من تأليف كعب الاحبار. ولكن المفسرين الأوائل (رحمهم الله) أحسنوا الظن فيه وأخذوا بأقواله وفبركاته. ولم يتغير هذا التفسير الا بعد ان تبين للمسلمين ان الشمس أكبر جرما من الارض. وبعد فترة من تغير التفسير، نقلت الرومانسيات التفسير الجديد.
بالرغم من ان القرآن دقيق جدا في ألفاظه وعباراته، فإذا قال "عين" فلابد ان تكون عين، وإذا وصفها بالموحلة فهي كذلك، وإذا قال عن الموقع مغرب الشمس، فهو اسمه الحقيقي أو صفته الحقيقية مغرب الشمس، وكذلك مطلع الشمس، إلا انه لم يقل ان ذو القرنين وجد الشمس! فإذا افترض الناس ان حرف الهاء في كلمة "وجدها" عائد لشمس السماء، فهذه مشكلتهم.
الالفاظ غير متناهية الدلالات، وما يميز لفظ عن مثله هو الوصف والسياق، وليس اللفظ بحد ذاته.
"حتى اذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئه"
وكما ترى في النص أعلاه ان حرف الهاء في كلمة "وجدها" عائد الى مصطلح "محذوف" لا وجود له في الاية، ولا في سياق القصة. "وجدها" «لا تساوي» "وجد الشمس".
فإذا لم يكن قد وجد الشمس، فماذا وجد إذن؟ هذا السؤال يستحيل الاجابة عليه بمجرد النظر الى النص. لابد من معرفة ذو القرنين أولا. ثم بعد ذلك نرى أين ذهب وماذا وجد. هذا الشيء الذي نبحث عنه، لابد ان يستقيم مع الايه، وينسجم مع معالمها، بالحرف الواحد، ويغطس في عين حمئه. كما ان ذو القرنين الذي نريد معرفته لا بد ان يوصلنا الى عين ماء بنفس المواصفات التي ذكرها القرآن بالضبط ، وليس الى بحر ولا الى بحيرة ولا حتى حوض.
معلومة أخرى لابد من التنويه إليها، وهي التفسير الرائج لكلمة وجدها على معنى الرؤية القابلة للخداع البصري، أي "كسراب بقيعة يحسبه الضمآن ماء"، وهو قولهم انه رآها كما يراها الناظر.
وجود الشيء هو ادراكه والتأكد من وجوده بما لا يدع مجالا للشك، ولا تأتي أبدا في مجال الخيال. مثال على استخدامها: "كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا" -- فإذا كنّا سنأخذ المصطلح بما يعني الرؤية البصرية، وأن وجدها تساوي رآها، فهذا يضع احتمال ان زكريا كان يتخيل أشياء على غير حقيقتها
( وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) النور - الآية 39
في هذه الاية مثال على رؤية الاشياء على غير حقيقتها. العطشان رآى السراب وكأنه ماء
( وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ) الأنعام - الآية 38
من الذرة الى المجرة، من بداية تكوين الكون الى قيام الساعة، كله موجود في القرآن، ولكن ليس بالتفاصيل. بالاشارات والتلميحات، وأحيانا بالألغاز. ومع ذلك، القرآن على ظاهره، كما تقرأه بالضبط ، لسان عربي مبين. فإذا قال القرآن شرق يعني شرق ، وإذا قال غرب فمعناه غرب ، وإذا قال عين حمئة ، فمعناها عين ماء موحلة.
في الفقرات التالية سوف نلقي نظرة سريعة على حياة الاسكندر المقدوني وتوجهاته الدينية، لكي نعرف أولا عن ماذا كان يبحث، قبل معرفة أين ذهب وماذا وجد، والسبب الذي ذكره القرآن . فاتبع سببا فاتيناه من كل شيء سببا
الاسكندر المقدوني على عملة معدنية بقرون فيل هندي. هذه العملة هي العملة الوحيدة التي أصدرها الاسكندر اثناء حياته. بينما العملات الاخرى بقرون الكبش صدرت له بعد موته تخليدا لذكراه. كانت القرون في السابق رمزا للقوة والبطش، وليس لها أي رمزية دينية كما يشاع. وإن كان الاغريق قد وضعوا على رأس زيوس قرون الكبش، فهم من وضعها على رأسه، ولم يأتهم زيوس بهيئة رجل على رأسه قرون.
مثل غيره من القادة العظماء والمشاهير، لم يسلم الاسكندر رحمه الله من الاشاعات. فقيل عنه انه كان من الشاذين جنسيا ومغرم بالصبيان المخصيين.
تتبعنا مصدر هذا القول فوجدناه رواية واحدة فقط كتبها مؤرخين من الدرجة الثانية والثالثة بعد أكثر من أربعة قرون من موته. ثم تبين ان هذه الرواية تم بناءها وتلفيقها على مفاهيم خاطئة وسوء معرفة بثقافات وعادات الشعوب.
وعلاقة أخرى مزعومة لا تقوم على اساس بينه وبين صديقه الحميم ورفيق طفولته هيفاستيون (Hephaestion).
فإذا كنّا سنأخذ كل ما يقال على انه حقيقه، فقد قيل عن هتلر انه مخنث، وجورج واشنطن أيضا كذلك، وغيرهم العديد من القادة التاريخيين المشهورين!
قيل انه وثني، ضربا بالغيب. ولا يعلمون يقينا حقيقة معتقده وبماذا يؤمن.
الاسكندر المقدوني كان فيلسوف. تعلم الفلسفة من معلمه أرسطو. وكانت فلسفة أرسطو تهتم بعلم الوجود، وكان يؤمن بالمحرك الاول، ويقصد به خالق الكون، وهو في تصوره إله واحد لا شريك له، ولا يشبه البشر بأي شكل من الاشكال. وعلى هذا المبدأ نشأ الاسكندر. وكان كلما دخل بلد زار معابدها لمعرفة طبيعة الآلهة التي يعبدونها. ولم يكن أبدا يصرح بالسر في زيارته لتلك المعابد. لذا افترض بعض المؤرخين المعاصرين انه كان يزورها بقصد كسب ود أهل البلد. وكانت المفاجئة في رحلته الى واحة سيوه، منطقة نائية في قلب الصحراء ليس فيها أي هدف سياسي أو استراتيجي. وأيضا لم يخبر أحد بقصده من تلك الزياره، ولكن توجد "تخمينات" من القيل والقال.
ارسطو يُدرس الاسكندر
أهل مدينة صور أعلنوا له الحياد في حربه مع فارس، وكانوا سيسمحون له دخول بلدهم دون قتال، شرط ان لا يدخل معبدهم، فأصر على دخول المعبد، مما جعل اهل صور يرفضون دخوله البلد، فنشبت بينهم حرب استمرت ستة اشهر. فإذا كان السبب في دخوله معابد أهل البلد ليكسب رضاهم فقط، لكان وافق على الشرط، لأنه فيه رضاهم، ولكن هناك سبب آخر لم يخبر به الاسكندر أحد. والله وحده الذي يعلم خائنة الاعين وما تخفي الصدور.
يبدو ان الاسكندر المقدوني كان يُقّيم ويقارن الاديان ليرى ما يصح منها. مثل النبي ابراهيم وغيره الكثير من الناس على مر العصور والازمان. يختبرون الاديان والمذاهب قبل ان يتوصلوا الى النتيجة النهائية بحسب المعايير التي اعتمدوها.
بالنسبة للاسكندر، كانت لديه تصورات ومفاهيم خاصة به أتى بها من بلده مقدونيا. وبعد ان قارن وقيم، بقي على نفس المفاهيم التي أتى بها، ومات عليها. هذه المفاهيم لن تخرج بأي حال من الاحوال عمّا تعلمه من ارسطو.
"وآتيناه من كل شيئ سببا، فأتبع سببا" -- والسبب هو وسيلة توصل الى غايه (نتيجه). ويقال: تعددت الاسباب والموت واحد. أي تعددت الوسائل، وسائل الموت. والوسائل يمكن ان تكون حسية ملموسة كالسيف مثلا، أو معنوية غير مشاهدة، كالسكتة القلبية مثلا. وفي حالات غير الموت، يمكن أيضا ان تكون حسية أو معنوية أو ذهنية تقديرية. ولا يمكن تحديد السبب الذي ذكره القرآن إلا إذا عرفنا عن ماذا تتحدث الآيات. وفي حالة الاسكندر، اتبع العلم والمعرفة والفلسفة، وما أتاه الله من الامور المادية، كوسائل لتقصي الحقيقة، وهي معرفة الله.
"أم لهم مُلك السّماواتِ والأرضِ وما بينهما فليرتقوا في الأسباب" (ص 10) -- والمعنى هو انهم لو كانوا يعتقدون انهم امتلكوا السماوات والارض، فليرتقوا في الأسباب، فليصعدوا في الوسائل المتاحة لهم. في الماضي لم تكن هناك وسائل يصعدون فيها، ولكن في العصر الحديث بإمكانهم ان يصعدوا في مركبات فضائية مثلا، ثم ينظرون ان كانوا فعلا لهم ملك السماوات والارض أم لا.
ويأتي السبب أيضا بما يعني الدافع والمغزى، كقولك: ما هو السبب الذي جعلك تفعل كذا وكذا. هذا المعنى مشتق من المعنى الاصلي: وسيلة توصل الى غايه، هدف، ونتيجة. جميع آيات القرآن التي ورد فيها مصطلح السبب، اتت بالمعنى الاول.
وبما انه اتبع سببا، وسيلة توصل الى نتيجة، نجد ان ذو القرنين ذهب الى هذه الاماكن وهو قاصد لها، ولم يسير في الارض هائما على وجهه، لا يدري أين تحط قدماه، ليجد نفسه بالصدفة في مغرب الشمس
الاسكندر ذو القرنين والعين الاخرى والشمس
  طارق فتحي في الإثنين 28 سبتمبر 2015 - 8:29
مسألة تتبع الحقيقة كانت من أهم الدعائم التي يرتكز عليها مذهب ارسطو
من سلسلة «في سبيل موسوعة فلسفية»، كتب المؤلف في المقدمة
يرى أرسطو وهو يبحث في ماهية المعرفة أنها تنتج من صلة التفكير بالآراء، ثم من الصلة بين هذه الآراء وبين النتائج والأدلة، يعني اذا وقعت حواس الانسان على شيئ فإنه يكتشف صفات هذا الشيئ، مادته، طوله، حجمه، لونه، الخ. وبعدئذ يتألف من هذه الافكار المختلفة رأي بأن هذا الشيئ بيت مثلا. على أن هذا الرأي يكون في بادئ الامر اقتناعا شخصيا، فيجب على الانسان أن يقارن هذا الذي قال عنه بيت بأمثاله من البيوت المعروفة ليرى اذا كانت النتائج التي وصل إليها بالتفكير مطابقة للمعروف عن البيوت، ثم يقيم الدليل على نتائجه -- ويرى أرسطو أيضا ان إيمان الناس بالآلهة يرجع الى التأثير العظيم الذي يتركه في نفوسهم عظم العالم وجماله وقوانينه المحكمه. ولقد اعتقد البشر دائما في كل عصر وفي كل أمة وفي كل طور من أطوار الانسانية بقوة عظيمة مقتدرة قاهرة فوقهم، هي الله. وهذا هو الدليل الوجداني على وجود الله حسب مفهوم هذا الحكيم الكبير" (د. مصطفى غالب، في سبيل موسوعة فلسفية، كتاب أرسطو، طبعة 1982، ص 11).
لم يحظى فيلسوف بالتقبل في العالم الاسلامي في القرون الوسطى مثل ارسطو، وأطلقوا عليه لقب «المعلم الاول». مع العلم ان لقب "المعلم" لم ينله في بلده، ناهيك ان يسموه بالاول
في كتاب فصل المقال لإبن رشد، كتب المحقق
"وقد عاش ابن رشد ما عاش معتقدا ان مذهب ارسطو، اذا فهم على حقيقته، لم يتعارض مع اسمى معرفة يستطيع ان يبلغها انسان، بل يرى ان الانسانية، في مجرى تطورها الازلي، بلغت في شخص ارسطو درجة عالية يستحيل ان يسمو عليها احد، وان الذين جاءوا بعده تجشموا كثيرا من المشقة وأعمال الفكر لاستنباط آراء انكشفت بسهولة «للمعلم الاول». وستتلاشي بالتدريج كل الشكوك والاعتراضات على مذهب ارسطو، لأن ارسطو فوق طور الانسان. وكأن العناية الالهية ارادت ان تبين فيه مدى قدرة الانسان على الاقتراب من العقل الكلي. وابن رشد يعتبر ارسطو اسمى صورة تمثل فيها العقل الانساني، انه ليميل الى تسميته بالفيلسوف الالهي" (فصل المقال، دار المشرق، الطبعة الثانية، ص 15).
هذا الشخص الذي يسميه ابن رشد المعلم الاول، تتلمذ الاسكندر على يديه لمدة اربع سنوات. وبعد موت أبيه وتوليه حكم مقدونيا، كثرت عنده مشاغل الحياة، ولكنه استمر في ملازمة ارسطو لأربع سنوات أخرى، الى ان بدأ حملته العسكرية.
مسألة ان الاسكندر كان وثنيا مبنية على اساس ان اغلب الاغريق وثنيين. بينما لا يوجد شيئ على الاطلاق يثبت انه هو شخصيا كان وثنيا. الرجل لم يشيد تمثالا واحدا، ولا معبد واحد، لأي من آلهة الوثنين الذين كانوا في ذلك الزمن، ولا حتى تمثال لنفسه. ولم يصدر عملة معدنية واحدة عليها آلهة الوثنيين. وبالعكس من ذلك، كان في خطاباته العسكرية يتحدث عن اله الكون الواحد، وليس عن إله كأمون رع أو زيوس. وجاء في خطاب له سجله مؤرخه الاول اريان: "الله نفسه، وبالاضافة الى انه جعل داريوس يترك الارض مفتوحه ويحكر جيشه العظيم في مكان ضيق، فقد اتخذ مسؤلية العمليات لصالحنا."
"God himself, moreover, by suggesting to Darius to leave the open ground and cram his great army into a confined space, has taken charge of operations in our behalf."
http://www.thelatinlibrary.com/imperialism/readings/arrian2.html
هذه جملة صغيرة ولكن معناها كبير. كان الاسكندرقائدا فذا عظيما بمعنى الكلمة، ومع ذلك، لا ينسب الفضل لنفسه. يقول الله هو الذي جعل داريوس يترك الارض لنا، والله هو الذي تكفل بمسؤلية العمليات لصالحنا. وماذا كان دور الاسكندر؟ من وجهة نظره لم يفعل شيئا يذكر!
الان تجد من لم يحقق واحد من الألف من انجازات الاسكندر، ثم بعد ذلك تسمعه يقول أنا، وأنا!
وفي القرآن: "قال هذا رحمة من ربي"، "قال ما مكني فيه ربي خير"؟ فإذا كان ذو القرنين الذي ذكره القرآن يعيد الفضل في كل صغيرة وكبيرة لله، فهذا هو الاسكندر وهذا هو اسلوبه في الحديث.
ما أثار القيل والقال حول معتقدات الاسكندر هو انه احتفظ بمعتقداته لنفسه ولم يصرح بها لأي أحد. لذا فإنه يستحيل ان تجد من يكتب عن معتقدات الاسكندر ثم يدعي انه يستند في أقواله الى مصدر تاريخي. إنما هي استنتاجات وآراء شخصية فقط.
كان الرأي السائد بين المسلمين في الماضي ان ذو القرنين هو الاسكندر المقدوني. ربما بنوا هذا الافتراض على العملة المعدنية التي عليها صورته بقرون الكبش. مع انه لم يصدر تلك العملة، إلا انها كانت متداولة في الجزيرة العربية والشام ومصر. وأيضا على اساس ان السائلين لابد انهم سألوا النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) عن شخص معروف، وليس عن كائن خرافي، أو مخلوق انقرض في عصر الديناصورات، أو عن شخص من العصر الحجري دخل التاريخ وخرج منه دون أن يعرفه أحد ولم يكتب عنه أحد.
ولكن في العصر الحديث، وتداخل الثقافات، اطلع بعض المسلمين على ما يقال عن الاسكندر في أوربا، فصرفوا النظر عنه وأعطوا لقب ذو القرنين لملك فارس، كورش. وكأن المسألة هي مجرد لقب، اسحبه عن هذا واعطه الثاني! وما يدريكم ان ملك فارس كان شخص جيد؟ كان الرجل يلقب نفسه ملك الملوك، شاهنشاه!
قيل انه مكتوب عنه في كتاب اشعيا. وأيضا: ما يدريكم ان تقراون في هذه الكتب صحيح؟
بالرغم من ان الفصل من كتاب اشعيا لا يسمي كورش ذو القرنين، ولا ينسب له أي من الاحداث التي ذكرها القرآن، إلا ان هذا الفصل بحد ذاته غير صحيح بالمرة . وهو فصل ملفق أدخله اليهود على كتاب اشعيا اثناء الاسر البابلي، كنوع من النفاق والمجاملة لكي يسمح لهم كورش بالعودة الى فلسطين. وهذا ما ثبت للمحققين في العصر الحديث كان لابد من هذه المقدمة لوضع النقاط على الحروف قبل الدخول في صلب الموضوع

*كيف نستدل على ان الاسكندر هو ذو القرنين،
وما هي حقيقة مغرب الشمس ومطلع الشمس؟
جاء في فقرة سابقة ان كفار قريش لم يسألوا النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) عن شخص مجهول أو كائن خرافي، وإنما عن قائد تاريخي معروف مكّن الله له في الارض. فإذا كان السائلين يعرفون هوية هذا القائد، فلابد ان يكون له وجود في التاريخ. وإذا ما جمعنا كل الشخصيات التاريخية المعروفة، ونظرنا الى صفاتهم، مع اخذ القرون بعين الاعتبار، ثم تبعنا خطاهم واحد، واحد. فمن هو القائد الذي سيوصلنا الى المواقع التي ذكرها القرآن، مواقع بنفس المواصفات بالضبط ، بالحرف الواحد: مغرب الشمس، والعين الحمئة ، ومطلع الشمس، وأيضا صناعة حاجز من صدفين (جانبين)، ليغلق به ممر كان يخرج منه قوم يأجوج ومأجوج، كما ذكر القرآن: "حتى اذا ساوى بين الصدفين " -- هذا الحاجز كان من صدفين فقط ، بوابة، وليس سد عظيم كما يشاع
وعلى هذا الاساس، واستنادا الى اصح المصادر التاريخية، كان الاسكندر المقدوني هو ذو القرنين
دخل الاسكندر مصر من تل الفرامة دون قتال. وهو في طريقه الى ممفيس، توقف في مدينة هليوبولس ، طبقا لما ذكره المؤرخ اريان (Arrian) وكان فيها في ذلك الزمن أكبر معابد الشمس في مصر كلها على الاطلاق.
هذه المدينة التي كان يسميها الاغريق هليوبولس، ومعناها مدينة الشمس، كانت فيها عين ماء مقدسة، "موحلة"، تسمى «عين الشمس» وهي الظاهرة في الصورة، والشمس تدخل فيها من بين زهور اللوتس، ويقف بجوارها رجل يحمل في يديه رمز القربان. ولكن هذه الشمس ليست شمس حقيقية، وإنما روح الاله رع (الشمس)، أي روح الشمس. كان قدماء المصريين يعتقدون ان الشمس تموت في آخر اليوم، فتنفصل الروح عن القرص. تأتي الروح الى عين الشمس، أمّا القرص فتبتلعه آلهة السماء -- سوف نرى تصوراتهم عن هذه العملية لاحقا
مدينة عين شمس الحالية كانت جزء من هليوبولس القديمة. والاحتمال الوارد ان اسم هذه المدينة التي تسمى الان عين شمس قد جاء من عين الشمس المقدسة، عين الماء التي تدخل فيها روح الاله رع في نهاية اليوم
مصطلح "رع" يعني الشمس، وبغض النظر سواءا كان الحديث عن الروح أو عن قرص الشمس. وهو مذكر وليس مؤنث
الشمس الشابة في زهرة لوتس
وبعد ان يدخل في العين بواسطة زهرة اللوتس، يخرج من باب تحت الارض. هذا الباب خيالي، روحاني، لا وجود له على ارض الواقع. ثم ينطلق في زورق العالم السفلي ترافقه مجموعة من الآلهه، بالاضافة الى ارواح الموتى الذين ماتوا في ذلك اليوم، في رحلة ليلية مليئة بالمخاطر الى الموقع الذي يطلع منه، مطلع رع ، مطلع الشمس، وفيه أيضا عين ماء أخرى فيها زهور اللوتس، حيث يستقبل المصريين القدماء طلوع الزهرة من الوحل بفتيات عاريات يغنون ويرقصون، لم يجعل الله لهم سترا وكان القوم يستخدمون نفس التعابير الذي ذكرها القرآن بالضبط. ومثلما يفعل مترجمي البرديات حاليا، والمؤرخين قديما وحديثا، في ترجمة رع الى الشمس (sun)، القرآن أيضا ترجم رع الى الشمس. ونفس الوصف ينطبق على مطلع الشمس. بإختصار: يغرب رع في عين ماء، ويطلع من عين ماء أخرى. عند غروبه يدخل في زهرة لوتس، وعند طلوعه يخرج من زهرة لوتس أخرى.
ليس فقط رع الذي يدخل في زهرة، وإنما أيضا ارواح الموتى الذين ماتوا في ذلك اليوم. وكل ميت يدخل في زهرة تخصه. وجميعهم في نفس العين الحمئة
الصورة على اليمين تمثال الملك (توت عنخ أمون)، وهي تماثل الصورة المجاورة للرجل الذي في زهرة لوتس وهي تغطس في عين حمئه.
زهرة اللوتس التي كان يدخل فيها رع (الشمس) كانت من النوع الذي يغطس في المياه الموحلة مع حلول المساء، غروب الشمس، وتطلع منه عند فجر اليوم التالي.
مع العلم ان جميع زهور اللوتس لا ينمو الا في الماء الوحل والمستنقعات المائية الموحلة. الوحل يترسب في القاع. والجذور هي التي تتطلب وجود الوحل.
كانت هذه الزهرة مقدسة في اعتقادهم ويعتبرونها آلهه. هذه الزهرة هي التي وجدها ذو القرنين تغطس، تختفي (تغرب)، في عين حمئه
ورأينا فيما سبق ان حرف الهاء في كلمة وجدها يعود الى مصطلح "محذوف"لم تذكره الايه. "وجدها" «لا تساوي» "وجد الشمس". هذا المحذوف هو زهرة اللوتس التي يدخل فيها اله الشمس، في موقع مغرب الشمس.
"حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها [وجد الزهرة] تغرب في عين حمئه" -- هذا هو الشيئ المشاهد، والمحذوف من الايه، الذي وجده ذو القرنين يغرب في عين حمئه.
زهور اللوتس: الزهرة فقط التي تغطس في الماء أما الورق فيبقى يطفو على السطح. الوحل يترسب في القاع. جذور الزهرة هي التي تحتاج الى وجود الوحل -- هذه الصورة لزهور مجهولة المصدر، وليس معلوم ان كانت تشبه الزهور المصرية أم لا.
وكما هو معلوم ان كلمة "تغرب" تعني تختفي. وعلى نفس الوزن جاءت العبارة «اغرب عن وجهي»، أي اختفي.
أمّا "السبب" في صياغة الايات بهذه الطريقة التي تبدو وكأنها لغز، فهذه علمها عند الله. وبكل تأكيد يوجد سبب ومغزى ولكننا لا نعلم.
وفيما يخص الزهرة، فإن الاشياء برمزيتها، وقدسيتها، وقيمتها المعنوية لدى القوم الذين عبدوها من دون الله
الان من يبحث عن الحقيقة ، ويُقيّم الديانات، وله عقل يفكر به، مثل الاسكندر، لن يتقبل إله يدخل في زهرة ويغطس في الوحل، حتى وإن خرّت له الملوك ساجدين، وأنشأوا له أعظم حضارة قديمة في تاريخ البشرية . هذه هي الحكمة التي نراها من الايات
كتب عالم المصريات «واليس بدج» عن قيام ملك النوبة بغزو مصر واحتلالها. كان الملك يدعى پيانخي (Piānkhi). وكان سكان النوبة على دين المصريين، بنفس الآلهة والطقوس. هذا الملك سلك نفس طريق الاسكندر ولكن بالعكس، فبدلا من هليوبولس الى ممفيس، جاء الملك من ممفيس الى هليوبولس. وبحسب بدج، يوجد نقش حجري كبير في المتحف المصري يصف هذا الغزو من بدايته. الان سنستعرض الفقرة الخاصة بهليوبولس وعين الشمس، لترى مكانة هذه العين الحمئة بعيون القوم الذين قدسوها
"عبر [پيانخي] من مدينة ممفيس الى الجهة الشرقية من النهر وتوجه الى مدينة «هليوبولس» ليقدم القرابين لـ (تيمو) [إله الشمس الميت]. أغط [أحم] وجهه في ماء العين المشهورة «عين الشمس» (Fountain of the Sun)، وقدم ثيران بيض قرابين لـ (رع)، ثم ذهب الى المعبد العظيم لإله الشمس. رحب به رئيس الكهنة وباركه. ثم قام بعمل طقوس غرفة توات [غرفة الاموات]، وكسى نفسه بملابس الطقوس، وبخر نفسه، وتم رشه بالماء المقدس، وقدم زهور في الغرفه، التي فيها الصخره، حيث مسكن روح إله الشمس هناك في أوقات معينه. ثم صعد الى مقام الاله رع ووقف هناك. كسر الختم وفتح باب المقام، ونظر الى الاب الاله رع في «حت بنبن». قدم التحية الى زورقي رع، زورق ماعتت و زورق سختت، ثم أغلق باب المقام وختمه بالختم الخاص به."
هذه العين التي يسميها بدج العين المشهورة ، عين الشمس، (fountain of the sun) كان يزورها الملوك ويقدمون عندها القرابين، ويغسلون وجوههم بمائها. هذه العين هي العين الحمئة التي وصل اليها ذو القرنين
كانت هذه العين بالنسبة لهم في مكانة بئر زمزم عند المسلمين، وكانت مدينة هليوبولس في ديانتهم في مكانة مكة عند المسلمين، والمعبد العظيم لإله الشمس يقابله المسجد الحرام. ولكن بعرف ذلك الزمن، كان اكبر من المسجد الحرام، حيث بلغ عدد العاملين فيه في قمة ازدهاره (13) ألف من كهنة وعبيد. وكل هؤلاء يقيمون دينهم على زهره!
مغرب الشمس: اللفظ القرآني في وصف المكان الذي فيه العين الحمئة هو مغرب الشمس -- مغرب الشمس يحتمل ان يكون اسم أو صفه، العبارة تقبل الاحتمالين، والظاهر انه صفه. وكذلك مطلع الشمس.
كان قدماء المصريين يطلقون مصطلح الغروب على دخول الاله الى العالم السفلي. يحتمل انهم قصدوا الموت بهذه التسمية. وذلك انه في هذا الزمن تجد في بعض البلاد العربية، باللهجة العاميه، يقولون "غاب فلان"، بما يعني مات فلان. واذا سألت عن فلان أو علان، يأتيك الجواب "غرّب" بتشديد الراء، بما يعني انه مات. وربما قصدوا بهذا اللفظ شيء آخر. ما يعنينا هنا هو انهم كانوا يطلقون مصطلح الغروب على دخول الاله الى العالم السفلي.
إقتباس: "يقول أوزيريس (N)، تحية توقير لـ (تمو) عندما يغرب في ارض الحياة ويسلط اشعته على توات. تحية لغروبك في ارض الحياة، يا أب الآلهه." (بيتر بيج، كتاب الموتى، ص 27)of the Dead, p.27)
لا حظ المصطلحات المستخدمة في النص: يغرب، غروبك. الكاتب الاصلي يخاطب "روح" الشمس، «تمو، إله الشمس الميت»، وليس الشمس الحقيقية
المفهوم العام لأرض الحياة يعني أرض الاموات. الصورة المقابلة من قاموس «واليس بدج». أرض الحياه: العالم الآخر، توات، القبر -- مصطلح توات يعني العالم السفلي.
ونص آخر
تسبيحة حمدٍ لـ رع عندما يصعد في الافق، وعندما يغرب أرض الحياة في
(بدج، كتاب الموتى، الجزء الثاني، ص 487)
هذه نصوص واضحة تدل دلالة قاطعة على انهم كانوا يستخدمون مصطلح "الغروب" للتعبير عن دخول الاله الى العالم السفلي. والاله هو الشمس. والمكان الذي يغرب فيه يمكن وصفه بمغرب الشمس: "حتى اذا بلغ مغرب الشمس والشمس تغرب في أرض الحياة"
كانت توجد منطقة في مدينة هليوبولس اسمها الحقيقي أرض الحياة، وهو الاسم الظاهر في الصورة المقابلة من قاموس «واليس بدج». الرموز المعلمة بالاصفر تعني الحياة (عنخ). والرموز الاخرى تدل على انها ارض حقيقية، وبالحرف الواحد: أرض الحياة. يعرفها بدج بقوله: مقاطعة من هليوبولس
معالم هوليوبولس القديمة كلها راحت ولم يبقى منها شيء سوى الاسماء فقط. حتى مواقع المعابد التي كانت فيها لم تعد معروفة . ولكن النصوص التي جاء فيها مصطلح ارض الحياة تدل على انها ارض معلومة، وليست المصطلح العام الذي يمكن اطلاقه على أي ارض تخص الموتى، فمثلا نجد نصا يصف حالة ميت يتحدث عن نفسه بعد خروجه من العالم السفلي فيقول: "لقد أتيت اليوم من أرض الحياة" -- ولابد له ان يأتي من ارض الحياة، لأنه جاء مع اله الشمس في نفس الزورق، والاله يغرب في ارض الحياة.
الديانة المصرية لا تزال الى الآن تكتنفها الاسرار، ولا يزال الكثير من رموزها طلاسم مبهمة. الاقتباس التالي من حاشية كتاب الموتى لـ «واليس بدج»، وفيه رأي المؤلف عن المكان الذي تغرب فيه الشمس أمنتا أو أمنتت،

*
المكان الذي تغرب فيه الشمس
كانت في الاصل المكان الذي تغرب فيه الشمس، ولكن بعد ذلك تم اطلاق المصطلح على جميع المقابر التي بُنيت على المرتفعات والجبال على الضفة الغربية من النيل. يعتقد البعض ان أمنتا، في البداية، كانت محافظة صغيرة ليس لها أهمية جنائزية أو دينية
يرى بدج ان أمنتا هي المكان الذي تغرب فيه الشمس (رع). الشواهد التي وجدناها لا تدعم هذا الرأي. كما أن عالم المصريات لم يخبرنا على أي نصوص أو رموز استند حتى يقول ان أمنتا هي المكان الذي تغرب فيه الشمس. ما وجدناه هو أن أمنتا هي المكان الذي تطلع منه الشمس، وهي الارض الخفية، والمكان الخفي، ومقر الموتى الاخير. وقوله ان أمنتا هي موقع مغرب الشمس، فهذا أصلا يخالف النصوص الهيروغليفية الاصلية التي تصرح بأنها أرض الحياة، كما يتناقض أيضا مع الرسوم، وأحدها الرسم المقابل، وفيه عين الشمس وبجانبها شجرة هليوبولس (شجرة البرسيا). سوف تتضح هذه النقاط وغيرها بشكل أفضل، وبالتفاصيل والشواهد، في الاجزاء القادمة ان شاء الله.
مطلع الشمس: بعكس الغروب، عندما يصفون خروج رع (الشمس) من تحت الارض، يقولون لا يشرق وإنما يخرج (يطلع). ولدينا في القرآن مصطلح مطلع الشمس
"يخرج [يطلع] الاله من مكانه الخفي" (واليس بدج، كتاب الموتى، الجزء الثاني، ص 504، فصل 133)
وعلى هذا نجد ان القوم كانوا يستخدمون مصطلح "الطلوع" للتعبير عن خروج الاله من تحت الارض، وليس الشروق. مطلع رع، مطلع الشمس، مثل وصف القرآن: "حتى اذا بلغ مطلع الشمس. تغرب الشمس في ارض الحياة، وتطلع في المكان الخفي أمنتا"
الان اذا اتينا الى استخدامات مصطلح الطلوع في اللغة العربية بشكل عام، وفي القرآن بشكل خاص، نجد ان المصطلح تقريبا متبادل في بعض الاحيان مع الشروق. الاصطلاح العام هو الطلوع، والاصطلاح الخاص هو الشروق. فمثلا بعد انقشاع الغيوم من السماء وظهور الشمس، تقول «طلعت الشمس»، وهو تعبير صحيح. بينما لو قلت أشرقت الشمس، فهو تعبير خاطئ بكل المقاييس. وفي حالة طلوع شمس الصباح، يمكنك استخدام مصطلح الطلوع أو الشروق
وفي القرآن: "رب المشرق والمغرب"، "رب المشرقين ورب المغربين"، "رب المشارق ورب المغارب" -- "وترى الشمس اذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين واذا غربت تقرضهم ذات الشمال"، "وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب"
وكما ترى في الآيات اعلاه، لا يأتي مغرب، إلا ويقابله مشرق. الايات التي جاء فيها مصطلح الطلوع، لم يكن فيها الحديث عن الشمس، وإنما عن أمور أخرى كان للشمس دور فيها.
الآية الوحيدة في القرآن التي أتى فيها "مغرب"، ولم يقابله "مشرق" هي آية ذو القرنين! "حتى اذا بلغ مغرب الشمس"، وقياسا على الايات الاخرى، كان يُفترض ان يكون المقابل: "مشرق الشمس"، ولكن ما نجده هو المصطلح العام، مطلع
مطلع الشمس: يطلع الاله في مكان أكثر غربا، يطلع في واحة سيوه في الصحراء الغربية ، تذكرها النصوص بإسم أمنتا، وهي مكان سري، خفي، كما ذكر النص في الاعلى: "يطلع الاله من مكانه الخفي". لم يتمكن أحد من الباحثين المختصين في التعرف عليه، على الاقل المشهورين منهم، وتوصلنا الى معرفته اثناء البحث في هذا الموضوع! وذلك لإننا سلكنا طريق ذو القرنين. وقد أشار القرآن الى شيء "سري"، قد حصل عليه ذو القرنين في مطلع الشمس. "كذلك وقد أحطنا بما لديه خُبرا" هذ الشيء الذي أحاط الله به خُبرا لابد انه شيء سري، وإلا لذكرته الاية
وبحسب المعلومات التاريخية فإن الاسكندر زار الواحة واجتمع مع كهنتها وحصل منهم على معلومات لم يخبر بها أحد أبدا، ولا حتى أقرب المقربين اليه، الى ان وافته المنية وانتقل الى رحمة ربه. وعلى هذا فلابد ان تكون الواحة هي مطلع الشمس بالضرورة، وهي أمنتا، الارض الخفية التي احتار الباحثين في شأنها. فبدأنا في جمع الشواهد من التراث المصري التي تؤدي الى مطلع الشمس، رع، في واحة سيوه. وسوف نرى هذه الشواهد في جزء آخر ان شاء الله. الديانة المصرية كانت غنوصية سرية، لا يعرف مفاهيمها الاساسية سوى الكهنة أرباب الديانة فقط! والبرديات الدينية المكتشفه ليس فيها سوى أدعية ورموز غامضه. أمّا الرسوم فتحتاج الى تحليل واستنتاج وفك ألغاز. ولا توجد علاقة مباشرة بين المكتوب والمرسوم.
زورق رع، آف، إله الشمس الميت، برفقة الآلهة، على وشك الطلوع في مطلع الشمس (رع)
فإذا لم يكن لديك معلومات أولية عن تلك الديانة، فلن تستطيع فك اللغز وتوصيل الخطوط الرئيسية ببعضها البعض. هذه المعلومات الاولية وجدناها في الاشارات القرآنية عن مغرب الشمس ومطلع الشمس، والتفاصيل سوف نراها ان شاء الله في اصدار قادم.
بالنسبة لغروب الشمس، تجد عددا لا بأس به من النصوص يقول ان الاله يغرب في ارض الحياة، وهي منطقة موجودة دخل الاراضي المصرية وجميعهم كانوا يعرفونها. ومن لا يعرفها يمكنه السؤال. صحيح انه لم نعرف موقعها بالضبط ، ولكن بالنسبة لهم لا يوجد شيئ يدل على انهم لم يكونوا يعرفونها
أمّا بالنسبة للطلوع، فالقضية تختلف. هذه منطقة سرية، وكل ما تعلق بهذه المنطقة السرية فهو سري.
إقتباس: "خيـبـير-كيكوي-خا-مستي هو اسم هذه المدينة. هذه هي الدائرة السرية في توات، حيث يولد فيها الاله العظيم"
الان كيف يمكن للباحث ان يعثر على مدينة يُطلق عليها إسم مستعار؟ في أي مكان وفي أي جهة سيبحث عنها؟ ولكن اذا اتى من يدله عليها فسوف يعثر عليها بسهولة أو بمجهود بسيط
هذه المنطقة كانت سرية حتى على القوم الذين عاصروا الديانة في زمنها. ولا يعرف مكانها الا الكهنة وخاصة الناس فقط. طبعا الناس تعرف واحة سيوه، ولكن لا يعرفون انها المكان الذي يطلع فيه الاله من تحت الارض، وبخاصة غير المصريين. كما أن غير المصريين، من اغريق و رومان، لا يعرفون حتى وظيفة عين الشمس. لذا فإن المؤرخين الاغريق والرومان الذين كتبوا عن مصر، وعن عين الشمس أيضا، لم يذكروا السبب في تسمية هذه العين بعين الشمس، على الاقل في الكتابات المنشورة.
مشهد آخر من مشاهد عين الشمس، وهي عين الطلوع، تظهر فيه اوراق اللوتس (وليس الزهرة بحد ذاتها)، بالاضافة الى الشمس، رع، وجزء من زورق رع، وهو نفس الزورق الظاهر في الصورة السابقة.
جاء في الاقتباس الذي تحدث عن ملك النوبة عبارة "غرفة توات"، غرفة الاموات. في هذه الغرفة ينتظر الموتى الذين ماتوا في ذلك اليوم الاله رع، الشمس، عندما يأتي الى العين الحمئة، ويركبون معه في زورق ماعت (زورق الحقيقة)، وهو قارب العالم السفلي، فينطلق بهم في العالم السفلي الى ان يصل بهم الى المكان الذي يطلع منه من تحت الارض، مطلع الشمس. وكانوا يعتقدون بوجود ممر مائي تحت الارض يوصل بين مكان الغروب ومكان الطلوع في مطلع الشمس تتم محاكمة الاموات الذين ماتوا في ذلك اليوم أمام ملك الاموات «أوزيريس». فمن يجتاز الحساب يعيش كائنا أبديا ممجدا في المنطقة التي يطلع منها إله الشمس. ومن يسقط في الحساب يلتهم قلبه حيوان مفترس يسمى «ام مات» ويقضي عليه فورا. ولكن سعيد الحظ الذي يصل الى مكان الحساب، حتى وان التهم قلبه الحيوان المفترس. أصحاب الذنوب الكبيرة يبقون يعذبون تحت الارض لفترة من الزمن الى ان تصفر حساباتهم ثم يموتون.
المشهد أعلاه يصور حياة الكاتب «آني»، كاتب البردية المشهورة المسماة بردية آني. كتبة البرديات بشكل عام كان يرتبط اسمهم بالاله أوزيريس، فيسمى آني «أوزيريس-آني». في أعلى الرسم صورة آني عندما كان في أيام حياته يمجد ويقدس الالهة. وبعد موته يسوقه الاله أنوبس (Anubis) الى الميزان. على كفة الميزان على يمين الصورة توجد ريشة الحقيقة، ريشة ماعت، وعلى الكفة الاخرى قلب الميت. فإذا رجحت ريشة الحقيقة على قلب الميت، اجتاز الحساب بنجاح. وإذا طغى قلب الميت على الريشة، فيعتبر من الساقطين. يقف على الجانب الايمن من الميزان الاله تحوت (Thot) برأس قرد له منقار، يمسك بيده قلم وورقه يسجل فيها قراءة الميزان. الحيوان الغريب برأس التمساح «أم-مات» يجلس تحت الميزان ينتظر نتيجة القراءة. ولكن «أوزيريس-آني» يجتاز مرحلة الحساب بنجاح. فيأخذه الاله حورَس ليقدمه الى ملك السلام أوزيريس سيد أمنتا. يجلس أوزيريس على كرسي العرش، حيث يقع هذا الكرسي على بركة ماء، تطلع منها زهرة لوتس، يقف عليها من قيل انهم ابناء حورس الاربعة. وبما ان اللوتس لا يعيش إلا في الماء الوحل، فهذه البركة التي يقع عليها كرسي أوزيريس هي عين حمئة أيضا، وهي رمزا لعين الشمس، لأن أوزيريس هو السؤول عن عين الشمس، ومسؤول عن الميزان، وعن كل ما له علاقة بالعالم السفلي والحياة بعد الموت. يقف خلف الكرسي امرأتان، أخوات، الظاهرة بالكامل اسمها نفتيس، والاخرى اسمها أيزيس. هاتين الاختين يرافقان رع في رحلته الليلية تحت الارض من مغرب الشمس الى مطلع الشمس (رع).
الحساب في اعتقادهم يحصل في نفس اليوم الذي يموتون فيه ولا ينتظرون الى يوم القيامة، وذلك انهم لا يعتقدون بيوم القيامة. جنتهم وجحيمهم على الارض فقط. ولكن يوجد في اعتقادهم ان رع قادر على ان يخسف الارض بمن عليها، وينشئ لهم أرض أخرى اذا اراد. تذهب الروح الى العالم السفلي بواسطة زهرة اللوتس التي في العين الحمئة، ولكن أين يذهب الجسد،
avatar
طارق فتحي
المدير العام

عدد المساهمات : 2805
تاريخ التسجيل : 19/12/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alba7th.3oloum.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى