* تاريخ علم الفيزياء عند المسلمين

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

* تاريخ علم الفيزياء عند المسلمين

مُساهمة  طارق فتحي في الجمعة أكتوبر 02, 2015 8:53 am

يتعلق علم الفيزياء أكثرَ ما يتعلق بأعراض المادة وما يعتريها من تغيرات غير كيميائية[1]؛ فالماء مادة سائلة عند درجة الحرارة العادية، ويغدو بخارًا إذا ما سخِّن إلى درجة حرارة مائة أو تزيد، هذا التغير الذي يطرأ على حالة الماء من السائلة إلى الحالة البخارية، أو إلى الحالة الصُّلبة بالبرودة - مَثلٌ يسير جدًّا من أمثلة التغيرات التي تطرأ على أعراض المادة، وسواءٌ كانت هذه التغيرات يسيرة أو معقدة، فإنها لم تكن لتشغلَ بال العربي في جاهليته، ولم يُكِنَّ اهتمامًا يذكر لأي علم إلا بالقدر الذي يقضي به حاجته المعيشية البدائية.

بَيْدَ أن الأمر تغيَّر بالنسبة إليه تغيرًا جذريًّا بعد أن اعتنق الإسلام، وصار أحد الساعِين إلى تحقيق مبادئه وأهدافه، فتغيَّرت نظرتُه إلى ما يحيط به من موجودات، وصار ينظر إليها بذهنٍ متفتح، يسبر غَوْرها، ويكتشف أسرارها، ويعلِّل ما يطرأ عليها.

إن الأمرَ لم يعُدْ مصلحة آنيَّة بقدر ما هو استجابة إلى أمر الله في التفكير في كل ما سخَّر لهذا الإنسان.

وما من شك أن عظمة جلال قدرة الله لا تدرك مثل ما تدرك عن طريق التفكير، وإمعان العقل في مخلوقات الله الكونية، ومن رحمة الله بالإنسان أن سخَّرها له وذلَّلها ومكَّنه منها.

﴿ وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [النحل: 14].

﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ ﴾ [الملك: 15].

﴿ وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ﴾ [الأعراف: 10].

والحق أن المسلمين الأوائل أدركوا أن التسخيرَ والتذليل والتمكين، يقتضي الدراسةَ والبحث في نواميس هذه الكائنات.

فما لبث أن توافرت ترجمات كتب حضارات الأمم الأخرى، وعلى الأخص كتب اليونان، حتى انكبت فئةٌ منهم بحماسة عليها، وبخاصة على كتابَي أرسطاطاليس: "الكون والفساد" و"المسائل الميكانيكية"، وكتاب أرشميدس "الآلات الحربية" وكتاب "في الآلات المفرغة للهواء والرافعة للمياه" وغيرها، فكان لها أثرٌ بالغ في تطور علم الفيزياء عند المسلمين؛ إذ لم تمضِ سوى القرون الثلاثة الأولى، حتى كانت هذه الكتب قد أُشبعت دراسةً بالتنقيح والتصحيح، وأخذت المعرفةُ الواسعة والخبرة العملية الشخصية تؤتي ثمارَها عند عدد وفير من علماء المسلمين، الذين توخَّوا الموضوعية في البحث، والذين استبعدوا الاعتبارات الشخصية والمصالح الذاتية، والتزموا الحيدة والنزاهة في بحوثهم، فأخذوا يضيفون إلى ما اكتسبوه من علوم الأمم الأخرى، يضيفون كنوزًا مما توصلوا إليها بالخبرة الحسية والتجرِبة العلمية والعملية.

وتحولت العلوم الطبيعية (الفيزيائية) على أيديهم من علوم كانت تقوم عند اليونان على المنهج العقلي الاستنباطي، إلى علوم تقوم على المنهج التجريبي الاستقرائي، الذي يقوم على القياس والوزن والتَّجرِبة، ومنه قول جابر - وهو من أوائل من اشتغل بعلم الفيزياء والكيمياء -: "فمن كان دَرِبًا كان عالِمًا حقًّا، ومن لم يكن دَرِبًا لم يكنْ عالِمًا، وحسبك بالدُّربة في جميع الصنائع أن الصانعَ الدَّرِبَ يحذِقُ، وغير الحذق يعطل".

ولقد كان للمسلمين نتيجةَ هذا الإقبال الشديد على دراسة المواد، وما يعترضها ويعتريها من تغيرات، وفهم النواميس التي تضبطها - كان لهم إنجازات رائعة، وأعمال شتى، يصعب حصرُها في هذه العجالة؛ لذا يكتفى بالإشارة إلى أهمهما: علم الحيل وما يتصل به، أو ما يسمى اليوم "علم الميكانيك"، كان آنئذٍ من العلوم الطبيعية التي تنطوي تحت علم الفيزياء، وعلمُ الحيل يتناول دراسة الأجسام من حيثُ سكونُها وحركتها تحت تأثير أنواع القوى المختلفة التي تؤثِّر عليها، يشمل هذا العلم - فيما يشمل - جرَّ الأثقال بالقوة اليسيرة، بما فيه استخدام العتلات والآلات المناسبة، وصناعة الآلات العجيبة.

أما جر الأثقال، فيتوقف على معرفة قوانين الحركة الثلاثة التي تنسب إلى نيوتن (ت ١١٤٠هـ/ ١٧٢٧م).

والمتحري في كتب التراث - وقد بذل الأستاذ جلال شوقي جهدًا يشكر عليه - يجد أن المسلمين توصلوا إلى تلك القوانين عمليًّا، ودوَّنوها في كتبهم قبل أن يولد نيوتن بعدة قرون، غير أنه فاتَهم أن يصوغوا ما توصَّلوا إليه صياغةً رياضية، وهو ما قام به نيوتن، وها هم أولاء إخوان الصفا وابن سينا يقرِّرون القانون الأول، أو ما يسمَّى بقانون العطالة (القصور الذاتي)، فقد ورد في موسوعة إخوان الصفا: "..... الأجسام الكليات، كل واحد له موضوع مخصوص، ويكون واقفًا فيه لا يخرج إلا بقسر قاسر...".

وورد في كتاب "الإشارات والتنبيهات" لابن سينا: "لا يجوز أن يكون في جسم من الأجسام قوة طبيعية تحرِّكُ ذلك الجسم بلا نهاية"؛ أي: إن ابن سينا (ت٤٢٨هـ/ ١٠٣٧م) ينفي الحركة الدائمة، ويقرِّر ذلك قبل ليوناردو دافينشي (ت ٩٢٥هـ/ ١٥١٩م) بنحو أربعة قرون.

وليوناردو دافينشي هذا يسخَر من معاصريه الذين كانوا يؤمنون بإمكانية تحقيق الحركة الدائمة perpetual motion.

وبالمقابل وردت في كتب التراث نصوصٌ تفيد أن القوة اللازمة للحركة تتناسب طردًا مع كل من كتلة الجسم المتحرك وتسارعه، وهذا منطوق القانون الثاني في الحركة الذي صاغه نيوتن رياضيًّا بالعلاقة التالية: ق = ك.ع.

فقد ورد في كتاب "المعتبر في الحكمة" لهبة الله بن ملكا البغدادي (ت نحو٦٥٠هـ/ ١١٦٥م): "وكل حركة، ففي زمان لا محالة؛ فالقوة الأشد تحرك أسرع، وفي زمان أقصر، فكلما اشتدت القوةُ ازدادت السرعة، فقصر الزمان، فإذا لم تَتناهَ الشدةُ لم تَتناهَ السرعة، وفي ذلك أن تصير الحركة في غير زمان وأشد؛ لأن سلب الزمان (أي قطع مسافة في مدة زمنية) في السرعة نهاية ما للشدة (أي شدة القوة)".

وقد قرر العلماء المسلمون في كتبهم المتوارَثة أن لكل فعل ردَّ فعل، مساويًا له في المقدار، ومضادًّا له في الاتجاه، وهذا هو منطوق القانون الثالث من قوانين نيوتن في الحركة، فقد ذكر أبو البركات هبة الله بن ملكا البغدادي في كتابه الآنف الذكر: "إن الحلقة المتجاذبة بين المصارعين، لكل واحد من المتجاذبين في جذبها قوةٌ مقاوِمة لقوة الآخر، وليس إذا غلب أحدهم فجذبها نحوه تكون قد خلت من قوة جذب الآخر، بل تلك القوة موجودة مقهورة، ولولاها لَمَا احتاج الآخر إلى كل ذلك الجذب".

ويقول فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦هـ/ ١٢١٠م) في معرض شرحه لكتاب "الإشارات والتنبيهات" لابن سينا: "فالحبل الذي يجذبه جاذبان متساويا القوة إلى جهتين مختلفتين، لا يخلو إما أن يقال: إنه ما فعل واحدٌ منهما فعلاً، وهو محال؛ لأن الذي يمنع كلَّ واحد منهما عن فعله هو وجودُ فعل الآخر".

يتبين من هذين النصين أن الحلقة والحبل توازنا تحت تأثير قوتين متساويتين في المقدار ومتعاكستين في الاتجاه، أو بتعبير العصر: هناك فعل وردُّ فعلٍ، متساويان في المقدار، ومتضادان في الاتجاه، يؤدِّيان إلى حالة التوازن.

ولقد درس المسلمون الحركةَ في الهواء، وفي الماء، وفي الخلاء، واستنبطوا - كما ورد في كتاب "المعتبر في الحكمة" لـ هبة الله البغدادي - أن "(الوسط) الأكثف يبطئُ حركة (الجسم الساقط) أكثر - والأرقُّ أقل - كما تجده في حركة المتحرِّك في الماء والهواء؛ فإن حركته في الماء الذي هو أكثف من الهواء تحتاج إلى قوة أقوى، وتكون في زمان أطول من زمان حركته في الهواء".

وإلى هذا المعنى أشار فخر الدين الرازي في المباحث الشرقية حيث يذكر: "أن الجسم إذا تحرك في مسافة، فكلما كان الجسم الذي في المسافة أرقَّ (أقل لزوجة)، كانت الحركة فيه أسرع، وكلما كان أغلظَ (لزجًا أكثر)، كانت الحركة فيه أبطأ".

وقد أدت هذه المشاهدات والملاحظات العلمية عند العلماء المسلمين إلى حقيقةٍ ذات أهمية بالغة، مفادُها: أن سرعة سقوط الأجسام في الخلاء متساوية؛ فقد ورد في كتاب "المعتبر في الحكمة": "لو تحركت الأجسام في الخلاء، لتساوت حركة الثقيل والخفيف، والكبير والصغير، والمخروط المتحرك على رأسه الحادِّ، والمخروط المتحرك على قاعدته الواسعة، في السرعة والبطء؛ لأنها إنما تختلف في الملاء بهذه الأشياء بسهولة خرقها لما تخرقه من المقاوم المخروق كالماء والهواء وغيره".

وهكذا يستنتج من هذه الأقوال أن العلماء المسلمين كان لهم فضل السبق في الوصول إلى حقيقة أن سرعة الجسم الساقط حرًّا في الخلاء تحت تأثير الجاذبية الأرضية - لا تتوقف إطلاقًا على كتلته، وهذا ما يوافق الرأي في الوقت الحاضر، ويخالف الرأي المأخوذ عن علماء اليونان القاضي أن سرعة الجسم الساقط تزداد بازدياد وزنه.

هذا، ولم يقتصر بحثُ العلماء المسلمين على حركة الأجسام الأرضية، بل بحثوا في حركة الأفلاك، ورأوا أنها تتحرك في خلاء؛ فقد ورد في كتاب "المباحث الشرقية" للرازي قوله: "ولذلك فإن حركة الفلك لها زمان، وإن لم يكن لها شيءٌ من المقاومات، نعم ما في مسافتها من المقاومة يوجب أن يصير زمانُها أطول....".

وفي هذا إشارة واضحة إلى أن الفضاء الخارجي خالٍ من المقاومة التي تتعرض لها الأجسام المتحركة في الغلاف الجوي المحيط بالأرض، ولم تتأكد هذه الحقيقة العلمية إلا في العصر الحاضر وبعد التقدم الذي طرأ على بحوث الفضاء، ومن ثم إطلاق الأقمار الصناعية ومركبات الفضاء.

ويتصل هذا بالحركة موضوع الجاذبية الأرضية وظاهرة التجاذب بين الأجسام.

والواقع أن هذا الموضوعَ لم يَخْفَ على علماء المسلمين؛ بل عرفوه وأثبتوه في مؤلَّفاتهم؛ فقد ورد في كتاب لثابت بن قرة - على ما يذكر فخر الدين الرازي - أن "المدرة تعود إلى الأسفل؛ لأن بينها وبين كلية الأرض مشابهة في الأعراض؛ البرودة واليبوسة والكثافة، والشيء ينجذب إلى مثله، والأصغر ينجذب إلى الأعظم".

وورد في كتاب "القانون المسعودي" للبيروني ما يفيد بوجود قوى الجاذبية بين الأجسام: "... منها جذب السماء الأرض من كل النواحي بالسواء..."، ويقول فخر الدين الرازي: "انجذاب الجسم إلى مجاورِه الأقربِ أَوْلى من انجذابه إلى مجاوره الأبعد".

فضلاً عن ذلك، فقد عرف المسلمون خاصية حجر المغناطيس وجذبه للحديد، واستفادوا منها في استخدام الإبرة المغناطيسية في رحلاتهم البحرية، كما يروي بيلك القبجقي في كتابه "كنز التجار في معارف الأحجار" عما شاهده إبان رحلته البحرية من طرابلس الشام إلى الإسكندرية عام ٦٤٠هــ/ ١٢٤٢م : "حتى إذا اكفهر الجو في الليل ولم تُرَ النجوم، لجأ الملاحون إلى استخدام وعاء مملوء بالماء يضعونه داخل السفينة بعيدًا عن الريح، ثم يأخذون إبرة ويغرسونها في سمارة (قطعة خشب صغيرة) على شكل صليب، ثم يقذفونها في الوعاء، فتعوم على سطح مائه، ومن ثم يأخذون حجر مغناطيس بحجم كف اليد أو أصغر قليلاً، ويقربونه من سطح ماء الوعاء، ويديرون أيديهم نحو اليمين فتدور الإبرة على سطح الماء، ومن ثم يسحبون أيديهم في الحال، فتشير الإبرة إلى جهتي الشمال والجنوب".

وعن المسلمين أخذ الأوربيون استخدام البوصلة هذا.

ولقد تقدمت فنون علم الحيل (الميكانيك) عند المسلمين تقدمًا مرموقًا، فوُجدت أعمال الري، وشُقَّت القنوات لتنظيم المياه وخزنها، وتأمين المواصلات النهرية، ووُضِعت كتب كثيرة في إنباط المياه، وإدارة الدواليب المائية.

وتفنَّن المسلمون بعمل الروافع، وباستخدامها في جر الأثقال بالقوة اليسيرة، واخترعوا أوعية في المقاييس، وعملوا موازين دقيقة جدًّا؛ مما مكنهم من الحصول على نتائج في قياس الأوزان النوعية لبعض المواد، تعد قريبةً من النتائج التي تُوُصِّل إليها حديثًا.

وصار للمسلمين باعٌ طويل في عمل الساعات المائية، التي كانت منها الساعة الدقاقة التي أهداها هارون الرشيد إلى شارلمان.

أما الساعات ذات الأثقال التي تفنن المسلمون في تركيبها، فتختلف عن جبير في رحلته، وكان اخترعها في ذاك الزمن اختراعًا أثار إعجاب العالم الإسلامي، وبقي ذِكرُه يرن حتى القرن العاشر الهجري/ السادس عشر للميلاد.

هذا، ويُعد "كتاب الحيل" لأبناء موسى بن شاكر - الذي قال عنه ابن خلكان (ت ٦٨١هـ/ ١٢٨٢م) في "وفيَات الأعيان": إنه "كتاب عجيب نادر يشتمل على كل غريبة، ولقد وقفت عليه فوجدته من أحسن الكتب وأمتِعها، وهو مجلد واحد" - أول كتاب صنف في الميكانيك، يتضمن مائة عملية ميكانيكة، عشرون منها - كما يذكر ميرهوف - ذات قيمة علمية، منها ما يعالج أمور الأوعية ذات المياه الحارة والباردة، والآبار ذات المستوى المائي المعين الثابت، ومنها - كما يذكر فيدمان - سُرُج (مصابيح) متطورة عجيبة، تدل على حِذْق عظيم عند التِّقنيِّين المسلمين، بعضها صمِّم بحيث إذا تعرَّض إلى ريح عاصفة لا ينطفئ.

وفي هذا الكتاب وصف لبعض الألعاب العلمية؛ كأوعية الشرب المجهزة بآلة موسيقية وأشباهها.

وثمة مخطوطات رائعة حقًّا، ملأى بالرسوم الجيدة عن آلات حفظ السوائل وتوازنها، وعن الساعات، على الأخص تلك التي تعمل بالماء أو الزئبق أو بالشموع الموقدة أو بالأثقال.

من هذه المخطوطات مخطوطةُ كتابٍ ألَّفه أبو العز إسماعيل بن الرزاز الجزري بعنوان: "كتاب الآلات الروحانية"، وأهداه إلى أرسلان حاكم الجزيرة (ديار بكر)، وقد أنهاه نحو ٦٠٢هـ/ ١٢٠٥م.

وقد كان كاتبًا عظيمَ الشأن في الحيل (الميكانيك) والساعات، ومن أفضل ما عرف في العالم الإسلامي آنذاك.

ومن إنجازات المسلمين في صميم هذا العلم اختراعُهم آلات عرَفوا عن طريقها الأوزان النوعية لموادَّ صُلْبةٍ وسائلة، ودرسوا الكثير منها، ووضعوا جداول بالقيم التي توصلوا إليها، وهذه القيم لا تختلف عن القيم المعلومة اليوم - على الرغم من الفارق الشاسع بين التقنية الحديثة والتقنية التي عمل عليها المسلمون في حساب الأوزان النوعية - إلا بشيء يسير.

إن أول من بحث في الوزن النوعي - على ما يروى - هو سند بن علي في أيام المأمون، ثم بحث فيه آخرون.

بَيْدَ أن بحوث البيروني وبحوث عبدالرحمن بن الخازن (ت٥٥٠هـ/ ١١٥٥م) هي أكثرُ ما يستحق الوقوف والدراسة؛ ذلك أن البيروني أبدع في عمل جهاز مخروطي الشكل، خاص بمعرفة الأوزان النوعية لبعض المعادن والأحجار، يُعَد أقدمَ جهاز استُخدم في معرفة الكثافة.

أما كيفية معرفة الوزن النوعي، فكانت تبدأ بوزن الجسم المرادِ معرفةُ وزنه النوعي في الهواء بعناية، ثم إدخاله في المملوء بالماء والمثقوب على علو معين، فيزيح الجسمُ بدخوله الجهاز جزءًا من الماء بمقدار حجمه، الذي ينصب عبر الثقب خارج الوعاء، فيؤخذ ويوزن، ومن قِسْمةِ وزن الجسم في الهواء على وزن الماء المزاح (حجم الجسم) يُعرَف الوزن النوعي للجسم الموزون.

ولقد كانت طريقة البيروني دقيقةً، حتى إن النتائج التي توصَّل إليها لا تختلف عما تُوصِّل إليه حديثًا إلا قليلاً.

وقد أكمل أبو الفتح عبدالرحمن المنصور الخازن - أو الخازني على الأصح - طريقة البيروني، وعمل - علاوة على ذلك - جهازًا في قياس الوزن النوعي للسوائل areometre، وقام بقياس أوزان لبعض السوائل.

ويعد فيدمان الفيزيائي الألماني من أكثر من قام بدراسة أعمال البيروني والخازني، وقد نقل عنه ألدوميلي الجدول التالي:
الوزن النوعي


البصريات: جاء في كتاب تراث الإسلام لأرلوند أنَّ علم البصريات وصل إلى الأوج بظهور ابن الهيثم أبي علي الحسن البصري (ت٤٢٩هـ/ ١٠٣٨م)، الذي وصفتْه دائرة المعارف البريطانية بأنه رائد في علم البصريات بعد بطليموس، وهو في الواقع أعظم الفيزيائيين المسلمين، ومن علماء العالم في البصريات.

ولا غرو؛ فقد تقدم علم البصريات على يد ابن الهيثم تقدمًا هائلاً؛ إذ أضاف إليه إضافاتٍ تُعَد كنوزًا من كنوز العلوم البصرية.

وبحوث علم البصريات بحد ذاتها من أهم البحوث في الفيزياء؛ لاتصالها الوثيق بكثير من المخترعات والمكتشفات، ولعلاقتها الشديدة بعلم الفلك، الذي تطوَّر بحكم تقدم البحوث البصرية هذا التقدم المذهل.

إذًا فليس يسيرًا ما أنجزه المسلمون عن طريق ابن الهيثم بالدرجة الأولى، خاصة إذا ما علم أن أثرَ كتاب البصريات (المناظر) لابن الهيثم في علماء أوربا - ومنهم روجر بايكون (ت٦٩٢هـ/ ١٢٩٢م)، وفيتلو (ت٦٦٩هـ/ ١٢٧٠م) - أن أثرَه كان واضحًا جليًّا في بحوثهم في كتاباتهم البصرية، حتى إن كِتاب فيتلو في البصريات مأخوذٌ في معظمه - كما ورد في كتاب تراث الإسلام - عن كتاب البصريات لابن الهيثم.

وإذا عُلم أن كتاب فيتلو هذا كان المنهل الرئيسي لـ ليوناردو دافينشي (ت ٩١٧هـ/ ١٥١٩م) ولـ كبلر (ت ١٠٤٠هـ/ ١٦٣٠م) صاحب الاكتشافات المهمة في علمي الفلك والبصريات - وإليه تنسب القوانين الثلاثة في حركات الأجرام السماوية - وأن كبلر من شدة إعجابه وتأثره بكتاب فيتلو، سمَّى أعظم كتبه في العدسات "على آثار فيتلو"، إذا عُلم هذا، أُدرك أيُّ عملٍ جليل ومفيد للبشرية جمعاء قدم المسلمون في مجال البصريات.

لقد ضاعت الأصول العربية لمصنف ابن الهيثم في البصريات، ولكنه حُفِظ في ترجمته اللاتينية، وهو كتاب يقع في سبع مقالات تتناول بالتفصيل جميع الموضوعات التي يُعنَى بها اليوم علمُ "البصريات الهندسية"، ومنها انتشار الضوء، وتركيب العين، وفي خداع النظر، وفي انعكاس النور، وأنواع المرايا، كما سيرد بعد قليل.

وقد تناوله عددٌ من العلماء الأجلاء بالتحليل والتقويم والتفسير والنقد، ولعل أهمهم في الماضي كمال الدين الفارسي (ت٧٢٠هـ/ ١٣٢٠م) الذي صنَّف كتابًا سماه "كتاب تنقيح المناظر"، وفي العصر الحديث الأستاذ مصطفى نظيف، حيث وضع كتابًا في جزأين سماه "الحسن بن الهيثم".

ومن الإضافات التي أدخلها ابن الهيثم في علم البصريات وذكرها في كتابه، وهي ذات أهمية علمية وعملية نظرية - قولُه: إن شعاع النور يأتي من الجسم المرئي إلى العين، وليس كما كان الرأي عند إقليدس وأتباع بطليموس "الشعاع يترك العين ليقع على الجسم المرئي، ومن ثم تحصل الرؤية".

وقد عد ابن الهيثم الضوءَ شكلاً من أشكال النار، تنعكس على قبة السماء الجوية؛ أي: إن الضوء الذي يصل إلينا من الأجرام السماوية (الأشعة)، يترتب على ذلك أن النَّجم يظهر في الأفق قبل أن يكون قد بلغه بالفعل.

وكذلك تظهر الشمس والقمر في الأفق عند الشروق والغروب، وهما في حقيقة الأمر دون الأفق.

واختبر ابن الهيثم انكسار الأشعة الضوئية داخل الأوساط الشفافة (الهواء والماء)، فأضاف إلى قانون الانعكاس مفهومًا علميًّا آخر، وهو أن زاويتي السقوط والانعكاس (وهما متساويتان) تقعانِ في مستوًى واحد.

ولقد اقترب ابن الهيثم - نتيجةَ تجارِبه الطويلة والكثيرة في القطوع الكروية (أوعية زجاجية مملوءة ماءً) - من الكشوف النظرية في تكبير العدسات، ذلك الكشف الذي تحقق عمليًّا في إيطاليا بعد وفاة ابن الهيثم بنحو ثلاثة قرون، بل ومضى أكثر من ستة قرون حتى تمكن سنل "snell" أو يقال له: سنلس "snellus" (ت١٠٣٦هـ/ ١٦٢٦م) وديكارت (ت ١٠٦٠هـ/ ١٦٥٠م) - من اكتشاف قانون الجيوب الهندسي.

ومن الإنجازات التي تتعلق بعلم البصريات كذلك، الدراسات العظيمة في المرايا المحرقة، والتي مكنت ابن الهيثم من التوصل إلى استنباط انعكاس شعاعي فاق في قوته جميع ما توصَّل إليه اليونان من قبل، وتؤكد هذه الدراسات إدراكَ ابن الهيثم العميق التام لطبيعة عمل البؤرة الحارقة، والصورة المنكوسة، وعمل حلقات وألوان من الضوء عن طريق التجارِب التي قام بها.

ومما يجدر ذكرُه كذلك ملاحظتُه الرائعة لصورة الشكل النصفي للقمر في الشمس أثناء الكسوف، وذلك على جدار يقابل ثقبًا صغيرًا يتخلل درفتي نافذة، فكانت تجرِبتُه هذه التجربةَ الأُولى الرائدة في الغرفة المظلمة التي أدت إلى اكتشاف آلات التصوير camera abscure.

وحري أن يذكر في هذا الصدد اكتشافُ المسلمين: أن الضوء ينتشر بسرعة محددة، لكنها خفيَّة عن الحس؛ فقد ورد في كتاب "المناظر" لابن الهيثم أن وصولَ الضوء يعبر ثقبًا رفع عنه الستار، إلى جسم مقابل، لا يكون إلا في زمان، وإن كان (هذا الزمان) خفيًّا عن الحس.

ولقد توصل ابنُ الهيثم من خلال نظراته الثاقبة ودراساته الرياضية إلى أن ارتفاع طبقة الجو المحيطة بالأرض عن سطح الأرض، يبلغ زهاء عشرة أميال.

وقد عد شرام هذه الدراسة أولَ دراسة في تاريخ الفيزياء أُجريت في تقدير ارتفاع الجو المحيط بالأرض.

ومن الأمور التي عالجها المسلمون في بحوث البصريات ووصلوا فيها إلى نتيجة: ظاهرة قوس قزح؛ فقد ورد في كتاب "نهاية الإدراك" لـ قطب الدين الشيرازي (ت ٧١٠هـ/ ١٣١١م) أن قوس قزح "ينشأ من وقوع أشعة الشمس على قطيرات الماء الصغيرة الموجودة في الجو عند سقوط الأمطار، وحينئذٍ تعاني الأشعة انعكاسًا داخليًّا، وبعد ذلك تخرج إلى عين الرَّائي".

وأخيرًا يحسن أن يذكر ما ذكروه على لسان مسيو ساشل - وقد كان ساشل حجة في موضوعات البصريات - أن كتاب البصريات لابن الهيثم "إنما هو مصدرُ معارفنا للبصريات".

[1] التغيرات أو الظواهر الكيميائية هي التي تحوِّل مادةً ما إلى مادة أخرى أو موادَّ أخرى، بصفات وخواص مختلفة تمامًا عما كانت عليه في الأصل؛ فالماء إذا ما خضع للتحليل الكهربائي - وهذه ظاهرة كيميائية - يتحول إلى مكونيه الغازيين: الأكسجين والهيدروجين، وكل منهما له خواصه وصفاته.
avatar
طارق فتحي
المدير العام

عدد المساهمات : 2802
تاريخ التسجيل : 19/12/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alba7th.3oloum.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى