* تاريخ العلوم الكونية : عند المسلمين - الكون بدأ يتلاشى - ولادة مجرة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

* تاريخ العلوم الكونية : عند المسلمين - الكون بدأ يتلاشى - ولادة مجرة

مُساهمة  طارق فتحي في الثلاثاء أغسطس 11, 2015 4:42 pm

مدخل الى تاريخ العلوم الكونية عند المسلمين
لا جرم أنَّ من يتناول تاريخَ العلوم عند المسلمين بالبحث والدراسة سيتبين له، إذا ما درس مستوى المعرفة التي كانت عند سكَّانِ الجزيرة العربية قبيل الإسلام، والمستوى الذي كان إبَّان ذلك يسودُ البلاد المجاورة - سيتبين له بجلاءٍ أثرُ الإسلام العظيم في هذه النقلة الجبارة التي شهِدها سكان الجزيرة العربية: من الأميَّة المطلقة تقريبًا، إلى الرِّيادة في مجالات العلم والفكر، وذلك خلال مدة قصيرةٍ جدًّا في تاريخ الحضارات.
إن البيئة الصحراوية، والبلاد الواسعة الشاسعة المترامية الأطراف، التي كان يعيش فيها العربي، بعيدًا عن العمران، متنقلاً براحلتِه وماشيتِه من هنا وهناك - إن هذه البيئة أكسبَتْه صفاءً في الذهن، كصفاءِ السماء التي يتنقل تحتها خلال معظمِ أيام السَّنة، لكنه مع هذا بقِي أميًّا، ولم يشتغل بعلمٍ، ولم يسْعَ إليه، لا عن طريق مدارسَ منظمة، ولا عن طريق حلقات مرتبة، وما كان له أن يفعل ذلك، وهو الذي لا يفتأُ يتنقَّلُ طلبًا للكلأ والمرعى، في بلاد تندُرُ فيها الأمطارُ، وتخلو فيها الأنهار.
أما المعرفة القليلة التي كانت عنده في النجوم أو في الطبِّ أو في بعض المعارف الأخرى، فما كانت لتكونَ لولا ظروفُ الحياة التي يعيشها، والتي اضطرَّته أن يكسِبَها لحاجته الماسَّةِ إليها في هذه البيئةِ الجافية.
خلافًا لذلك فإن الوضعَ الذي ساد البلدان المجاورة، امتاز بوجود مدارسَ علميَّةٍ فيها ومنذ سنين بعيدة، من ذلك مثلاً مدرسة الرُّها التي أقامها النساطرة عام 431م، تلك المدرسة التي بقيت نيِّفًا وخمسين عامًا، منهلاً ساطعًا تنتشر منه معرفةُ اليونان في الشرق، إلا أن نساطرةَ هذه المدرسة ما لبثوا أن فرُّوا إلى بلاد فارس، عام 489م -وقد وجدوا عند حكَّامها الساسانيِّين الحمايةَ والرعاية- خوفًا من البطش والتنكيل الذي سلَّطه زنون الإيزوري على كلِّ مَن اتُّهم بالزَّيغ والهرطقة، ولحق بهم كذلك رجالُ المدرسة الأفلاطونية بأثينا، التي لم تكن أقلَّ شهرةً من مدرسة الرُّها، كذلك يمَّم أصحاب مدرسة الإسكندرية، التي أغلقها جستنيان، شَطر بلاد فارس؛ حيث عمل هؤلاء وهؤلاء على نقل كتب أرسطو وجالينيوس وبطليموس وغيرهم من علماء ومؤلِّفي اليونان - عمِلوا على نقلِها إلى بعض اللغات الشرقية كالسُّريانية والكلدانية.
أثر الكتاب والسنَّة في الإقبال على العلم وتقدُّمِه وتطوره:
إذًا، فلقد كان البونُ كبيرًا بين مستوى المعرفة الذي كان عليه سكانُ الجزيرة العربية قبيل الإسلام، ومستوى المعرفة الذي كانت عليه البلادُ المجاورة، ثم ما لبث أن اختلف هذا الوضعُ اختلافًا جذريًّا بعد أن جاء الإسلامُ، وبعد أن دخل سكانُ الجزيرة العربية فيه، فلم يمضِ إلا مدةٌ وجيزة، حتى فُتحت بلادُ الشام وبلاد فارس ومصر، وصارت هذه البلدان -بما فيها الجزيرة العربية- مراكزَ ومناهل تُعنى بحقول العلم والمعرفة، بما فيها -بطبيعة الحال- العلومُ الكونية والرياضيات، كان ذلك وَفْق منهج جديد، مختلفٍ عما كان يسودُ تلك البلدانَ من قبل، وغدا ذاك العربيُّ الأمي -الذي صار اليوم يَدين بالإسلام- طالبَ علمٍ أو معلمًا، في مدارسَ انتشرت في طول البلاد وعرضها، حيث أقبل الناسُ على العلم إقبالاً لا نظيرَ له في أمَّة من الأمم.
فما السرُّ في هذا التحوُّل الهائل المفاجئ يا ترى؟
إنه -بالطبع- فعلُ هذا الدِّين الجديد؛ دين الإسلام، إنه يكمن في تأثير كتاب الله وسنَّة نبيِّه -صلوات الله وسلامه عليه- على أتباع هذا الدين، فلنتحرَّ الأسبابَ فيهما، تلك الأسباب التي غيَّرت هذا الإنسانَ الأميَّ، ونقلَتْه من دياجير الجهلِ والظلام إلى آفاق العلم والنور الواسعة.
ولعل أهمَّ هذه الأسباب سببان:
أولهما: أن القرآن الكريم يعتبر الإنسانَ أكرمَ مخلوقات عالَمِ الشَّهادة وأشرفَها، وأن كل الكائنات الأخرى مسخَّرةٌ له ومذلَّلة: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ﴾ [الإسراء: 70].
﴿ اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الجاثية: 12، 13].
وإن أعظمَ خصال التكريم التي خص الله -جل وعلا-بها بني آدم، هي أنْ كان الإنسانُ نفحةً من خلق الله، وأنه -سبحانه- آتى الإنسانَ العقلَ، الذي به تسلَّط على سائر الحيوانات، وبه ميَّز بين الحَسن والقبيح، واهتدى إلى سائر الصناعات المتنوعة، التي تشهدُها الأجيالُ تلو الأجيال.
ومن خصال التكريم -كذلك- أنْ سخَّر اللهُ -جل وعلا-لهذا الإنسان ما في السموات والأرض، وخلَق -سبحانه- خلائقَ كثيرةً جعلها في خدمة هذا الإنسان: ﴿ وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ * أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [النحل: 15 -
ولا يمكِن للإنسان أن ينتفع بما سُخِّر له في إصلاح أمره ومعاشه إلا بالعلم؛ ولهذا كان العلمُ والمعرفة أخصَّ خصائص الإسلام؛ ذلك لأن حقائق الإسلام، من جهة، والحقائق أو النواميس التي تربط مكوِّنات هذا الكون بعضها ببعض، من جهة أخرى - لا يمكِنُ استخراجُها بمجرد القراءة، بل لا بد من أمَّةٍ تتوافر فيها الأفهامُ الذكية، والأساليب العالية، والآداب الكريمة، فمن أين تأتي معرفةُ الله على وجهٍ مستكملٍ جميلٍ، إلا عن طريق إمعان النظر في ملكوت الله، ومطالعة روائعِه بين الحين والحين؟ سيَّما وأن التفكير في الكون اطرد الأمرُ به في سور القرآن الكريم، واعتُبر الأساس الأول لإقامة إيمانٍ ثابت وطيد.
يقول زكريا بن محمد بن محمود القزويني (ت 682هـ/ 1283م) صاحب كتاب "عجائب المخلوقات" و"آثار البلاد وأخبار العباد" وقد استوقفه قولُه -جل وعلا-: ﴿ أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ * وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ﴾ [ق: 6 - 8].
يقول: "ليس المراد من النظر تقليبَ الحدَقة نحوها؛ فإنَّ البهائمَ تشارك الإنسانَ فيه، ومن لم يرَ من السَّماء إلا زُرقتَها، ومن الأرض إلا غُبرتَها، فهو مشارك للبهائم في ذلك وأدنى حالاً منها وأشدُّ غفلة، كما قال -تعالى-: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴾ [الأعراف: 179].
والمراد من هذا النظرِ التفكُّرُ في المعقولات، والنظر في المحسوسات، والبحث عن حكمتها وتصاريفها لتظهرَ له حقائقُها، فإنها سبب اللَّذات الدنيوية والسعادات الأخروية، وكلما أمعن النظرَ فيها، ازداد من الله -تعالى- هداية ويقينًا ونورًا وتحقيقًا.
والتفكُّر في المعقولات لا يتأتَّى إلا لمن له خُبرٌ في العلوم والرياضيات، بعد تحسين الأخلاق وتهذيب النفس، فعند ذلك تنفتح له عينُ البصيرة، ويرى في كلِّ شيء من العجب ما يعجز عن إدراك بعضها.
ولقد كان في واقع هذه الأمة -نتيجة هذا الرباط المقدَّس بين الإسلام وبين العلم- حركةٌ علمية وتأليفية، لا يوجد مثيلُها في تاريخ البشرية؛ فقد نُقل العلمُ من فرد إلى فرد فنتج هذا العلمُ الذي في الأمصار الإسلامية في طول البلاد وعرضها.
ولقد بدأ انتشارُ هذا العلم -أول ما بدأ- في أحضان النبوَّة وباسم الربِّ الذي خلق هذا الكونَ وخلق الإنسان، فكان هذا العلم مصطبِغًا بالإيمان بالله، وبمعرفة اللهِ الصحيحة، وتحت هدايته -جل وعلا- وراية قوله -سبحانه-: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ [العلق: 1 - 5].
وللقلم -كما يعرف كل متعلم- دورٌ كبير، وله مدلوله العظيم، بخاصة إذا عُرف أنَّ مَن كان يعرف القراءة والكتابة من قريش عند نزول الوحي بهذه الآية سبعةَ عشرَ شخصًا، كما يذكر ابنُ عبدربه صاحب "العِقد الفريد"، والبلاذري صاحب "فتوح البلدان".
ولقد كان -ويبقى- لهذه البدايةِ من نزول الوحي على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دلالاتُها وآثارها العظيمة على كافة المراحل التي ستلي، وعلى تحديد طبيعة العلاقة بين هذا الدِّين وبين العلم الذي سيسود هذه الدعوة، ولقد بقي هذا الدينُ -ولا يزال وسيبقى إلى أن يرثَ اللهُ الأرضَ ومن عليها- مقترنًا بالعلم أيًّا كان نوعُه، مرافقًا له، مسايرًا لرغبة العقل البشري في كلِّ معضلة، غيرَ متجهِّمٍ لعلمٍ، وغيرَ هيَّاب لنشاط العقل.
وبهذا يتضح أن العلمَ الذي ينتدبُ الإسلامُ الإنسانَ إليه، لا يمثِّل علمًا معينًا، محدودَ البداية والنهاية؛ وإنما يحثه على طلب أي علم، يوسِّع منادح النظر، ويزيح السدودَ أمام العقل النَّهِم إلى المزيد من العِرفان، ويرفعه إلى كل ما يوثِّق صلته بالوجود، ويفتح له آمادًا أبعدَ من الكشف والإدراك، وإلى كل ما يتيح له السيادة في العالَم، والتحكُّم في قواه، والإفادة من ذخائره المكنونة.
ولا غروَ أن يُشيدَ الإسلامُ بالعلماء، ما دام للعلم هذه المنزلةُ الرفيعة، ولا غروَ أن يقدِّرَ جهودَهم، ويكرم شمائلهم، وهذا الاحتفاءُ العظيم بالعلم -أيًّا كان نوعُه- والإشادة بالعلماء، تدل عليه الآياتُ الكريمة والسنة الشريفة: ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [آل عمران: 18].
ذلك لأن أهلَ العلم بمنزلة أدلة اللهِ وآياته وبراهينه الدالة على توحيده: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ ﴾ [الروم: 22].
ومن الخطأ أن يُظنَّ أن العلم المحمودَ هو دراسة الفقه والتفسير وما شابه ذلك... وأن ما وراءها فهو نافلة يؤدِّيها من شاء تطوُّعًا أو يتركها، وليس عليه من حرج!
هذا خطأ كبير؛ فإن علومَ الكون والحياة، ونتائج البحثِ المتواصل في ملكوت السماء والأرض في زماننا هذا، لا تقلُّ خطرًا عن علوم الدين المحضة، وحسبنا أن نعلمَ أن الإعداد للعدو يتطلَّب معرفةَ كل سلاح، وهذا لا يتأتَّى إلا إذا نفَرت طائفةٌ من المسلمين تتفقَّهُ في العلوم الكونية.
ولم يحضَّ الإسلامُ أتباعَه على العلم وهم مكتوفو الأيدي، بل هيَّأ لهم الحريةَ الفكرية، التي لولاها لَمَا كانت هذه الأعدادُ الكبيرة من العلماء، المسلمين منهم وغير المسلمين في شتى فروع المعرفة.
والحرية الفكرية التي بسط الإسلامُ سلطانها، ذاتُ دلالة بالغةٍ فيما يخص علاقةَ العلم بالدين؛ ذلك أنه لم يشهد تاريخُ الإسلام حادثةً واحدة من حوادث القتل أو الحرق من جرَّاء الإفصاح أو التلميح بفكرة علمية طبيعية، مثل: كروية الأرض أو دورانها، أو مثل ظاهرة قوس قزح؛ فقد كان عقابُ الكنسية لمن يصرِّح بمثل هذه الأفكارِ الحرقَ حيًّا، أو الإعدامَ شنقًا.
ويذكر التاريخُ أن عددَ الذين أُحرقوا وهم أحياء في أوروبا، خلال ثمانية عشر عامًا -ما بين سنة 886هـ/ 1481م و905هـ/ 1499م- بلغ عشرة آلاف ومائتين وعشرين شخصًا، وشُنق خلال المدة نفسها ستةُ آلاف وثمانمائة وستُّون نفرًا.
ولقد كان من بين مَن أعدم ثم أحرقت جثتُه: العالِم الفيزيائي "برنو"؛ بتهمة أنه يؤمن بتعدُّد العوالم.
ولا تخفى قصةُ العالم الفيزيائي "غاليليو" على أحدٍ؛ فقد حُكم عليه بالإعدام بتهمة أنه يؤمِنُ بدوران الأرض حول الشمس، وما حال دون التنفيذ إلا تظاهرُه بالتراجع، أو النزول عند رأي الكنيسة.
أما العالم "دي رومنس"، فقد أُودِعَ السجن حتى وافاه الأجلُ فيه، ثم أُخِذت جثتُه وكتبُه وحُوكمتا وصدر عليهما الحُكم بالحرقِ؛ ذلك لأنه صرَّح بأن قوسَ قزح ليست قوسًا حربية بيدِ الله ينتقم بها من عباده إذا أراد، بل هي نتيجةُ انعكاس ضوء الشمس على بخار الماء في الهواء.
والطريف أن ابن الهيثم، قبل "دي رومنس" بمئات السنين، لم يصرِّح بما صرح به "دي رومنس" بخصوص قوس قزح فحسب، بل كتب رسالةً بعنوان "قوس قزح والهالة" لا تزال تُقرأ حتى يومنا هذا، ولم ينَلِ ابنَ الهيثم أذًى، بل استحقَّ الإكبارَ والإعجاب.
ثانيهما: المنهج الأمثل المتميِّز الذي أتى به القرآنُ الكريم وحققتْه السنَّة المشرفة، ويشمل هذا المنهجُ فيما يشمل:
أ- الصدقَ والأمانة في القول والعمل مع التواضع الجمِّ؛ وهذه الصفات التي يتحلَّى بها أتباعُ هذا الدين، هي من ألزمِ الأخلاق في الإسلام، كما ورد في الكتاب والسنَّة: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾ [النساء: 58].
وقال -عليه الصلاة والسلام-: ((آيةُ المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان))؛ متفق عليه.
ولا يخلو كتابٌ من كتب علماء المسلمين المرموقين، من معالِمِ هذه الخصال الحميدة.
لا بأس أن نورد هنا أُنموذجًا واحدًا، تبرز فيه هذه الخصائص، ونُتبعه بنماذج عند تناول مجالات العلوم فيما بعد.
وهذا الأنموذج مقتبَسٌ من مقدمة كتاب "الجبر والمقابلة" للخُوارزمي: "... ولم يزلِ العلماءُ في الأزمنة الخالية والأمم الماضية يكتبون الكتبَ مما يصنِّفون من صنوف العلم ووجوه الحكمة؛ نظرًا لمن بعدهم واحتسابًا للأجر... ويبقى لهم من لسان الصِّدق ما يصغُر في جنبه كثيرٌ مما كانوا يتكلَّفونه من المؤونة، ويتحمَّلونه على أنفسهم من المشقة في كشف أسرار العِلم وغامضه، إما رجل سبق إلى ما لَم يكن مستخرَجًا قبله فوَرَّثه مَن بعده، وإما رجل شرَح مما أبقى الأولون ما كان مستغلقًا فأوضح طريقَه، وسهَّل مسلكَه، وقرَّب مأخذَه، وإما رجل وجد في بعض الكتب خللاً فلَمَّ شعثَه، وأقام أَوَدَه، وأحسن الظنَّ بصاحبه، غير رادٍّ عليه، ولا مفتخرٍ بذلك مِن فِعل نفسه".
ب- التحقُّق من المعلومة قبل تدوينها؛ فلقد ألزم القرآنُ الكريم المؤمنين به والعاملين على هديه، ألا يبنوا علمًا على ظنٍّ، وأنكر على من يفعل ذلك أشدَّ الإنكار: ﴿ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴾ [يونس: 36].
جـ- البعد عن التقليد الأعمى؛ كذلك أنكر القرآنُ الكريم التقليدَ الأعمى في التماس الحقائق: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ﴾ [البقرة: 170].
وقال -عليه الصلاة والسلام-: ((من تشبَّه بقومٍ، فهو منهم))؛ رواه أحمد وأبو داود.
د- الرجوع إلى أهل الاختصاص عند الحاجة؛ وألزم المتحرِّين للحق أن يسألوا أهلَ الخبرة والاختصاص: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [النحل: 43].
وأخيرًا نودُّ أن نشير إلى أمر مهم بالنسبة لطلاب العلوم الكونية، وهو أن كثيرًا من الآياتِ الكونية تنتهي بالفعل: يعلم، أو بالفعل: يعقل، أو بالفعل: يفكر، أو بالفعل: يذكر، أو بمشتقاتها؛ أي: بالأفعال التي هي مناط التفكير، مناط العقل: ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ ﴾ [الأنعام: 97، 98].
﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ * يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴾ [النحل: 10 - 13].
وأنَّ بعض هذه الآيات ترِدُ فيها إشاراتٌ إلى علوم كونية طبيعية شتى: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ﴾ [فاطر: 27، 28].
ألا ترى أنَّ هاتين الآيتين أشارتا إلى علم الأنواء، والأجواء، وعلم النبات، وعلم الأرض (الجيولوجيا)، وعلم الأجناس، وعلم الحيوان، وعلم اللغات، وعلم الطب، وانتهتا بذكرِ أهل العلم والاختصاص؟
أجل، إنه الدِّين العظيم الذي يجعل الإيمانَ أولَ نتائج العلم، والذي يحضُّ على النظر في عالَم النبات والحيوان والجماد؛ لأنه لا يخشى عاقبة هذا النظر، بل يرى أن هذا النظر أداة لمعرفة الله وخشيتِه.

لمحات في تاريخ العلوم الكونية عند المسلمي
فقد يَضيق بعض المثقَّفين العرب صدرًا بالبحث في بطونِ الماضي كشفًا عن كنوزِنا المغمورة، وتحقيقًا لمخطوطاتنا المجهولة، وقد يرى هؤلاء أنَّ التركيزَ على ما يمكِّن للعلمِ في حاضره، ويمهِّد لازدهارِه وتطوُّره - أجدى على هذه الأمَّة من أن تضيع أوقات علمائها بالبحث والتحقيق.
غيرَ أن استقراء تاريخ الأمم يشهدُ أن هذه الأمم حينما تشرعُ في النهوض والتيقُّ بعد سُبات، تعود إلى ماضيها، وتعمل على إحيائه بشتَّى الصوَر، بل وتُثبت المضيءَ من ماضيها على صفحات الكتب المدرسية والجامعية أحيانًا؛ فالمربُّون يدركون أنَّ في هذا المسلك استنهاضًا لذوي الهمم العالية وشحذً للأذهان، ودفعًا للأجيال الناشئةِ إلى المضيِّ في طريق الإبداع والابتكار.
وليس أحسن للشباب -وعلى أكتافهم تقوم نهضاتُ الأمم- من أن يجِدُوا تحت أيديهم تراثًا علميًّا، يزخر بحقائق العلم والمعرفة، فيقف أحدهم على تراثٍ لطالما انكبَّ الأسلافُ على تدوينه وإعداده، وأوقدوا السُّرُجَ وأفنَوا اللياليَ زاهدين في الدنيا وزخرفِها، حتى خلَّدوه تراثًا ضخمًا، ذلك التراث الذي غدا - بعد أن نُقل إلى اللاتينية - نِبراسَ النهضة العلمية العارمة التي اجتاح بلدانَ الغربِ في القرنين الماضيين؛ لذلك فإن الشابَّ المسلم المتخصِّص في علم من العلوم الكونية والطبية يشعر بالخِذلان حينما يطَّلع على أمهات الكتب العلمية التي تتناول هذه الفروعَ من العلوم، ويجِد أن جُلَّ القوانين والمعادلات والنظريات - بما فيها الاكتشافاتُ الطبية - نُسبت إلى أعلامٍ من الغربِ النَّصراني، والتحقيق العلميُّ يؤكِّد يومًا بعد يوم أنَّ كثيرًا من تلك الاكتشافاتِ العلمية المنسوبةِ إلى الأوروبين هي إمَّا تطويرٌ لِمَا جاء عند العلماء الأفذاذ الذين وُجِدوا في البلاد الإسلامية، أو أنها صورة طبق الأصل لأعمالهم وابتكاراتهم.
فمن قريب (1343هـ/ 1924م) اكتشف أحدُ طلبة الطبِّ المصريين في ألمانيا مخطوطةً في برلين لابن النَّفيس (ت 687/ 1288م)، ورد فيها ذكرُ الدورة الدموية الصُّغرى، علمًا أن هذا الاكتشافَ بقِي قرونًا يُنسب إلى هارفي.
وفي عام 1372هـ/ 1952م اكتشف مخطوطة لابن الشاطر[1] (777هـ/ 1375م)، وذكر فيها أنَّ الأرضَ ليست مركزَ الكون، كما هو في نظام بطليموس، وأنَّ الكواكبَ تدور حول الشمس، وهذا المفهوم نفسُه ورد في كتاب البولندي كوبرنيكوس (ت 950/ 1543م)، الذي درس تراثَ المسلمين في الفَلَك، خلال رحلته إلى إيطاليا التي استمرَّت نحو ثمانية أعوام (902هـ/ 1496م - 909هـ/ 1503م)، ولم يجرؤ كوبرنيكوس على نشرِ كتابه؛ خوفًا من بطش الكنيسةِ في زمنه، وقد كانت تتبنَّى نظامَ بطليموس؛ فلما جاء غاليليو (ت 1052هـ/ 1642م) الإيطالي بعده بقرن، أعلن تأييدَه لنظام كوبرنيكوس، ثم تلاه كبلر (1040هـ/ 1630م) الألماني الذي صحَّح الفكرةَ عن مدارات الكواكب، وقال: إنها ليست دائريةً، بل هي إهليليجية.
وهكذا يتَّضح أن أصلَ الفكرة يرجعُ إلى عالِم مسلم، وليس إلى الأوروبيين كما يزعم الكثيرون.
وبعد، فإن الحماسةَ إلى إحياءِ التراث الإسلامي، لا تقتصرُ على إبطال البهتان الذي نُسب إلى المسلمين - ظلمًا وجَوْرًا - بأنهم مجرد نَقَلة، ولا على الحرص على العثورِ على مخطوطات، هي في حد ذاتها كنزٌ لا غنى عنه في معرفة الذات، بل تتعدَّى ذلك إلى أمرٍ مهم جدًّا، وهو إبراز حقيقةٍ ناصعة مفادُها أنَّ هذا التراثَ ما كان ليكونَ تراثًا ضخمًا مفيدًا ورائعًا لولا أنه نبَت وترعرع في ظل سلطان الإسلامِ، وعلى هديِه وتوجيهاته السامية.
ولسائل أن يسأل: لقد كان التراث الإسلاميُّ الضخم في العلوم الكونية والطب نتيجةَ جهود أعدادٍ غفيرة من العاملين في هذه المجالات، ومنهم البَرُّ والفاجر، والمؤمن والكافر، ومنهم المسلم واليهودي، والنصراني والمجوسي، فما الذي يجعله تراثًا إسلاميًّا؟
أجل، إن هذا ما كان فعلاً؛ غير أن الحقيقةَ التي لا مراءَ فيها أنه لو لم يكن - في ذلك العهد - للإسلام سلطانُه على الحياة العامة، ولو لم يبسُطِ الإسلامُ سماحتَه على الناس جميعًا، ولو لم يهيِّئِ المناخ الخِصب للإبداع والابتكار، لكل من عاش في ظل سلطانه.. لولا ذلك لَمَا تمكن هؤلاء وهؤلاء من أن يُنجزوا ما أنجزوا.. دَعْك من فرار النساطرة والمفكرين من مدرسة الرُّها ومن المدرسة الأفلاطونية في أثينا، ومن مدرسة الإسكندرية التي أغلقها جستنيان، دَعْك من هؤلاء جميعًا، فإن فرارَهم من ملاحقة السلطان والكنيسة كان قبل ظهورِ الإسلام بأكثرَ من قرن.. لكن ما بال حوادثِ البطش والتنكيل والقتل والحرق الذي لحق بالعلماءِ والمفكِّرين إبَّان القرون الوسطى الأوروبية؟
أي إبان كانت سُرُجُ العلماء والمصنِّفين والمفكِّرين في البلاد التي حَكمها الإسلامُ لا تنطفئُ في طول البلاد وعَرضِها.
فأي إنصاف وأي عدل أن يُقرَنُ سلطانُ الإسلام وما أضفاه من حرية وسماحة، بسلطان الكنيسة وما شمِله من بطش وتنكيل؟
والحقُّ أن الإسلام الذي جاء لتحرير الإنسان من الجهلِ والضلال، ونقلِه إلى العلم والهدى - لأسمى من أن يُهين الإنسان؛ وكتاب الإسلام الأعظمُ يقول: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ﴾ [الإسراء: 70].
فضلاً عن ذلك، فإن إحياءَ التراث أمرٌ ذو شأنٍ عظيم فيما يتعلَّق باللغة العربية؛ فلا يخفى على المربِّين، وأساتذة الجامعات بخاصة، أنه يترتب على إحياء التراث عودةُ اللغة العربية إلى مكانتِها الرفيعة، التي كانت عليها إبان قرون عديدة؛ فقد كانت هذه اللغة، كما يؤكِّد سارطون شيخ مؤرخي العلوم: "أكثرَ اللغات التي تكلَّمها البشر انتشارًا، ولم يتكلَّمِ اللغةَ العربية ويكتبْ فيها شعوبٌ من أممٍ مختلفة في الشرق والغرب فحسب، بل (وهذا بخلافِ اللُّغةِ اللاتينية) قد استخدمها شعوبٌ تَدين بأديان متعددة"[2].
وفي هذا الصدد، ينقُل ليفي بتروفنسال[3] قولَ البارو القرطبي في كتابه "الدليل المنير": ".. واحسرتاه! لقد نسِيَ النصارى حتى لسانَهم الدِّيني، فلا تكادون تجدون بين ألفٍ منا واحدًا يعرف أن يكتبَ رسالة باللاتينية إلى صديقٍ له كتابةً لائقة، ولكن إذا ما قضي[4] بكتابة رسالة بالعربية، وجدتَ جمعًا من الناس قادرًا على التعبير عن نفسه بهذه اللغة تعبيرًا مناسبًا مع أعظمِ ذلاقة، وأبصرتَه قادرًا على نظم قصائدَ بالعربية أفضلَ مما ينظِم العربُ أنفسُهم من الناحية الفنية".
والحق أنها كانت لغةَ المدارس والمعاهد العلمية، ولغةَ الجامعات في كلِّ مكان تقريبًا، بل إنَّ رواد النهضة العلمية في أوروبا وبناتها كانوا يُصرُّون على تعلُّم اللغة العربية، إذا أراد أحدهم فَهْمَ العلوم آنئذٍ؛ من ذلك قولُ روجر بايكون الإنكليزي (ت692هـ/ 1292م) - وهو يُعَدُّ في الأوساط العلمية الغربية رائدَ العلوم التجريبية[5] -: "أعجبُ ممن يريدُ أن يبحثَ في الفلسفة وهو لا يعرفُ اللغة العربية!".
[1] علي بن إبراهيم بن محمد الأنصاري الموقت، المعروف بابن الشاطر: كان عالِمًا بالفلك والهندسة والحساب، وهو من أهل دمشق، مولدًا ووفاة، وقد كان رئيس المؤذنين فيها.
[2] الثقافة الغربية في رعاية الشرق الأوسط، جورج سارطون، بيروت، منشورات مكتبة المعارف، 1372هـ/ 1952م، ص 59، (ترجمة: عمر فروخ).
[3] انظر كتاب "مجالي الإسلام" لمؤلفه حيدر بامات، ترجمة: عادل زعيتر، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، 1956م، ص105 - 106.
[4] هكذا وردت، ولعله يعني إذا ما كلِّف.
[5] في الواقع كان علماء المسلمين أسبقَ في وضع المنهج العلمي التجريبي وتطبيقه من روجر بايكون وغيره بقرون.
انظر - على سبيل المثال - قول الجاحظ (ت 255هـ/ 869م)، في كتابه "كتاب الحيوان، م1، ص185" يرد فيه على أرسطو: "وقد سمعنا ما قال صاحب المنطق من قبل، وما يليق بمثله أن يخلِّد على نفسه في الكتب شهاداتٍ لا يحقِّقها الامتحان، ولا يعرف صدقَها أشباهُه من العلماء".

دراسة جديدة تكشف أن الكون بدأ يتلاشى
نشر فريق من علماء الفلك مسحا متعددة الألوان لخمس كتل من الفضاء، والتي تقدم أفضل تقدير ممكن حول السرعة التي يتلاشى بها الكون.
وحلل الباحثون الضوء القادم من 200 ألف مجرة في 21 طول موجي، ووجدوا أن إنتاج الطاقة من الكون انخفض إلى النصف تقريبا خلال ملياري سنة.
ويتفق هذا مع الحسابات السابقة، مؤكدا أن الأضواء تخرج ببطء يمينا عبر هذا الطيف.
ويعود هذا التراجع، إلى حد بعيد، بسبب انخفاض المعدل الذي تتشكل به النجوم الجديدة.
وكشف العلماء عن النتائج، التي جاءت من مشروع مسح المجرات وجمع الكتلة (غاما)، في اجتماع الجمعية العمومية للاتحاد الفلكي الدولي في هونولولو، هاواي.
وقال البروفيسور سايمون درايفر المحقق الرئيسي في جاما، من المركز الدولي لأبحاث موجات راديو الفلكية في غربي أستراليا:"استخدمنا أكبر عدد ممكن من أجهزة التلسكوب الموجودة في الفضاء وعلى الأرض، لقياس الطاقة المنبعثة من أكثر من 200 ألف مجرة، عبر أوسع نطاق ممكن للطول الموجي."
صور متعددة الأطوال الموجية لمجرة واحدة تكشف تغير حجمها وكمية الطاقة المنبعثة منها
ويسمح سايمون وفريقه البحثي لعملاء الفلك الأخرين بالحصول على البيانات الهائلة التي جمعوها ويدرسوها أيضا.
وأكد ستيفن ويلكنز من جامعة ساسكس، عضو آخر في فريق جاما على أن صدور البيانات يعني أن الكثير من العلماء من خارج الفريق ستكون قادرة على استخدام المعلومات ودراستها، وهو أمر مهم للغاية.
وقال لبي بي سي إن قوة غاما هو أنه يجمع بين العديد من الأطوال الموجية، بينما ركزت عمليات المسح السابقة على عدد قليل من الأطوال الموجية للضوء.
ولأن الفريق استخدم مجموعة متنوعة من التلسكوبات الأكثر قوة في العالم، سواء تلك الموجودة في قواعد أرضية أو في الفضاء، فإن تحليلاتهم شملت موجات من الأشعة فوق البنفسجية إلى الأشعة تحت الحمراء، بما في ذلك قطاع صغير من الأطوال الموجية المرئية في الوسط.
هذا يعني أنهم تمكنوا من بحث الضوء المنبعث من النجوم سواء كانت حديثة النشاة أو قديمة، وكذلك الضوء الذي تم امتصاصه ومن ثم أعاد الغبار ابنعاثه، لذلك فإن التقييم الجديد لتراجع حجم الكون يتضمن معلومات من مجموعة كبيرة من المجرات، بما في ذلك تلك التي كانت مخبأة وراء الغبار.
العلماء استخدموا العديد من التلسكوبات سواء الموجودة في الفضاء أو على الأرض لرسم صورة واقعية لما يجري في الكون
النوم الأبدي
وأضاف ويلكنز "نحن نعلم أن تشكل النجوم بلغت ذروتها قبل بضعة مليارات من السنين، وقد تراجعت العملية منذ ذلك الحين. هذه مجرد طريقة جديدة لقياس هذا الانخفاض."
إنها دورة جديدة، "وهي تتفق تماما مع النتائج السابقة - لكنها تضيق على أشرطة الخطأ أيضا."
على وجه التحديد، عندما حسب الفريق الطاقة الكلية المنبعثة من المجرات في ثلاث مراحل زمنية مختلفة، وجدوا أن هناك تراجعا مطردا، في المجمل منذ 2.25 مليار سنة إلى 0.75 مليار سنة، سجل الكون انخفاضا في الطاقة الناتجة بنحو 40 بالمئة.
كما أن المعدل الذي تتكون فيه النجوم أصبح أبطأ كثيرا، وأننا بدأنا الآن نرى تناقصا في إنتاج الطاقة الكلي لجميع النجوم.
يحدث هذا لأن النجوم موجودة بالفعل - في المتوسط - تكبر، أصغر حجما وأقل نشاطا.
ولفت البروفيسور درايفر إلى أنه هذه النتائج محزنة لكنها مريحة :" الكون سيتضاءل من الآن فصاعدا، مثل الشيخوخة التي تستمر إلى الأبد"، وشبه الكون في هذه المرحلة برجل :"استرخى على فراش وقد غطى نفسه برداء استعدادا لنوم أبدي."
وقال الفريق إن الكون مازال أمامه مرحلة طويلة، ومن المبكر جدا تحديد تاريخ انتهائه.

العلماء أكدوا أن الكون مازال أمامه وقت طويل ومن الصعب تحديد تاريخ لإنتهائه وتلاشيه تماما
ويشدد ويلكنز على أن "معدل تشكيل النجوم من المحتمل أن ينخفض أكثر فأكثر"، ولذا فإن الكون، بناء على توقعاتنا، سيصبح خافتا أكثر فأكثر، ولكن هناك قدرا هائلا من عدم اليقين لأننا لا نفهم كثيرا من علم الكونيات الكامنة."
وأضاف أن الكون كأنه اتكأ على أريكته وسيغفو إلى الأبد..
وأوضحت أبراجيتا فيرما، عالمة الفيزياء الفلكية في جامعة أكسفورد إن غاما قدمت بيانات فريدة وذات قيمة، بسبب انتشارها في الأطوال الموجية.
وقالت لبي بي سي"نعلم أن المجرات قد تظهر خصائص مختلفة للغاية إذا نظرتم لها بنظرة بسيطة، مقارنة مع موجات أخرى."
وأعربت عن سرورها لأن المجتمع العلمي سيستطيع استخدام هذه البيانات، التي "ستفتح المجال لعدد كبير من الدراسات".

ولادة مجرة صغيرة من تصادم مجرتين
ولدت مجرة صغيرة بجوار مجرتنا عندما تصادمت مجرتان أصغر منها حجما. ويمكن لهذا الاكتشاف أن يزيد من معارفنا حول المادة المظلمة التي تملأ الكون.
يبدو أن مجرة صغيرة أو "قزمة" مجاورة لمجرتنا قد تشكّلت نتيجة اندماج مجرتين كانتا أصغر حجما من المجرة الجديدة. إنها أصغر مجرة "مركّبة" وجدت على الإطلاق.
وقد يشير هذا الاكتشاف إلى أن المجرات البدائية للكون لا بد وأنها كانت صغيرة نوعاً ما. والأكثر من ذلك، أن هذه المجرة الصغيرة المولودة حديثا توفر مفتاحا لحل لغز أعمق بشأن طبيعة المادة المظلمة في الكون، وهي مادة غير مرئية يبدو أنها تشكّل معظم الكون.
هناك كثير من الدلائل على أن المجرات الكبيرة تنمو عبر عمليات اندماج متكررة، والذي يجري عن طريق تصادم يضم مليارات من النجوم. ويندر وجود أدلة حول المجرات التي تقل نجومها عن مليار نجمة.
وتقول أيوا لوكاس، من مركز نيكولاس كوبرنيكوس الفلكي في وارسو، بولندا، بشأن هذه الأدلة :"يصعب رصدها لأن الأجرام ( في الفضاء) باهتة جداً."
مجرة "أندروميدا 2"
ومع ذلك، ففي بداية عام 2014، استطاع فريق يقوده نيكولا أموريسكو، من جامعة كوبنهاغن بالدانمارك، أن يستخلص دلالات اندماج سابق في مجرة مجاورة. ويقرب عدد نجوم هذه المجرة من 10 ملايين نجمة.
مجرة أندروميدا M31 هي أقرب المجرات الكبيرة إلى مجرتنا
تلك المجرة الصغيرة هي واحدة من بضع عشرات تدور في فلك أقرب المجرات الكبيرة لمجرتنا (درب التبّانة)، وهي مجرات "أندروميدا" (في الصورة أعلاه). وتعرف تلك المجرة الصغيرة باسم "أندروميدا 2"، وقد نالت اهتمام علماء الفلك ورصدوها منذ عام 2012.
وفي هذه الأثناء، لاحظ فريق آخر من هؤلاء العلماء أن نجوم تلك المجرة لم تتحرك بالشكل المعهود. يقول أموريسكو: "إنها تدور مثل سيجارة حول محورها الأطول. ذلك أمر غريب جداً."
وما كان على أعضاء هذا الفريق إلا إعادة فحص مشاهدات وأرصاد سابقة. وقد وجدوا ما يشبه دفقاً من نجوم تتحرك جميعها بنسق ضمن مجموعة "أندروميدا 2". يقول أموريسكو: "أساساً، هذا ما ستجده إذا ما دُمّرت مجرة صغيرة داخل واحدة أكبر."
يعتقد أموريسكو أن الاندماج قد حصل عندما وقعت المجرتان الصغيرتان ضمن نفس فلك الدوران حول مجرة "أندروميدا" الأكبر بكثير.
ويحتمل حدوث ذلك الاندماج خلال الثلاث مليارات سنة الماضية، ذلك لأنه عبر أزمان طويلة، ينبغي لجاذبية بقية أجرام المجرة أن تجمع مثل تلك التدفقات النجمية المتماسكة. ويضيف أموريسكو: "كان اكتشافاً محظوظا جداً – إذ يمكن لدلائل الاندماج أن تختفي بسرعة كبيرة."
محاكاة للتصادم
وتمكنت لوكاس وزملاؤها من التوصل إلى رواية يمكنها أن تفسر تفاصيل ذلك الاندماج. وأجروا محاكاة على الكمبيوتر لتصادم مجرتين صغيرتين. وقد جد الباحثون أنه يمكن لهذا التصادم أن يولّد مجرة جديدة مركبة تدور حول نفسها مثل سيجارة، حيث تشير السيجارة إلى محور ذلك التصادم (أنظر الصور أدناه). تقول لوكاس: "يمكننا نسخ ذلك الشكل على محوره الطولي."
مجرتان صغيرتان تقتربان من بعضهما
الجاذبية الخاصة بكل مجرة تجذب الأخرى نحوها
وفي النهاية، تندمج المجرتان معا لتتشكل مجرة جديدة
إن تفسير اندماج التحركات النجمية لمجرة "اندروميدا 2" يبدو "مقنعا جداً"، حسبما يقول كريستوفر كونسيليتشي، من جامعة نوتنغهام البريطانية، والذي لم يشترك في أي من هاتين الدراستين.
ويرى كونسيليتشي أن هناك منفعة خفية من معرفة حجم أصغر المجرات المتولدة مباشرة من الغازات المضغوطة، عوضاً عن اندماج المجرات. ينبغي لهذا أن يلقي الضوء على حقيقة المادة المظلمة التي تحيط بالكون.
ويُعتقد أن المجرات البدائية قد تولدت من رحم التشابك الحاصل بين جزيئات المادة المظلمة التي تملأ الكون، وكان على سرعات هذه الجزيئات أن تؤثر على حجم المجرات المتولدة.
إذا كانت مكونات المادة المظلمة تتحرك بسرعة، "كان على الأجرام الأولى في الكون أن تكون كبيرة جداً."، بحسب كونسيليتشي. والبديل عن ذلك التفسير هو أن جزيئات المادة المظلمة الخاملة، أو "الباردة"، حسب التفسير المفضل، كانت نواة لتكوين مجرات أصغر.
هل يجب أن نقلق؟
كان على توقيت عمليات الاندماج اللاحقة أن يكون منظما أيضاً عن طريق مكونات المادة المظلمة، حسب أموريسكو. فقد كان على الجزيئات الأثقل من المادة المظلمة أن تجذب إليها الغازات بسرعة لتولد أولى المجرات.
وهذا بدوره أدى إلى اندماج أكثر للمجرات منذ بدء تاريخ الكون. أما الجزيئات الأخف من المادة المظلمة، فقد تطلبت زمناً أطول لتولد المجرات، مما أدى إلى حصول عمليات اندماج أقل، وفي وقت لاحق.
"أندروميدا 2" هي المجرة الوحيدة، بنفس ذلك الحجم، التي نعرف أنها تكونت نتيجة عملية اندماج. لذا، فإنه من السابق لأوانه تحديد كتلة محتملة للمادة المظلمة بنفس هذه الطريقة، حسب رأي أموريسكو. إلا أن هذا الفريق يبحث عن دليل حول عمليات اندماج مجرات قزمة مجاورة.
هناك 20 مجرة قزمة تدور في فلك مجرتنا؛ درب التبّانة. أضف إلى ذلك، ما كان بداخل مجرات مزقتها قوة جاذبية درب التبّانة سابقاً. وما يشكل مدعاة للقلق هو أن أيام الاندماج بين المجرات لم تتوقف بعد.
بعد قرابة أربعة مليارات عام، يحتمل أن تصطدم مجرة درب التبّانة بمجرة أندروميدا بقوة. وإذا حدث ذلك، سيزيح ذلك التصادم مجموعتنا الشمسية عن موقعها الحالي نسبياً، ويجعلها أقرب إلى مركز المجرة.
لكن لا تقلقوا من حدوث ذلك التصادم، بحسب أموريسكو الذي يؤكد: "ستدمّرنا الشمس قبل ذلك الاصطدام بأندروميدا بزمن كبير."
avatar
طارق فتحي
المدير العام

عدد المساهمات : 2793
تاريخ التسجيل : 19/12/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alba7th.3oloum.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى