* عِلمُ الحِساب عند الإمام علي ع - إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

* عِلمُ الحِساب عند الإمام علي ع - إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ

مُساهمة  طارق فتحي في السبت مارس 07, 2015 7:27 am

ليس غريباً أن يكون الإمام علي ، عالماً متمكناً في العلوم الفقهية و اللغوية و أوليات علم الحساب التي تخص عمليات توزيع الإرث و تحصيل الزكاة و حل بعض المسائل الحسابية المتضمنة كسوراً ، و هو الذي تربى في أحضان النبوة و نهل علمه منها ، حيث يقول الرسول الكريم محمد ( صلى الله عليه و آله ) : " أنا مدينة العلم و علي بابها ، فمن أراد العلم فليأت بابه " [1] . و في هذا المقام يقول عباس محمود العقاد : فقلَّ أن سمعنا بعلم من العلوم الإسلامية أو العلوم القديمة لم ينسب إليه ( أي للإمام علي ) ، و قَلّ أن تحدث الناس بفضل لم ينحلوه إياه ، و قلّ أن يوجه الثناء بالعلم إلى أحد من الأوائل إلاّ كانت له مساهمة فيه [2] . و يقول أيضاً : تبقى له ( للإمام علي ) الهداية الأولى في التوحيد الإسلامي و القضاء الإسلامي و الفقه الإسلامي ، و علم النحو العربي و فن الكتابة العربية . مما يجوز لنا أن نسميه أساساً صالحاً لموسوعة المعارف الإسلامية في العصور أو يجوز لنا أن نسميه موسوعة المعارف الإسلامية كلها في الصدر الأول في الإسلام . و تبقى له مع هذا فرائد الحكمة التي تسجل له في ثقافة الأمة الإسلامية على تباين العصور [3] . و هنا نحب أن نشير أنه حتى أبي العلاء المعري يقول عن الإمام علي ( عليه السلام ) [4] :
و على الأفق في دماء الشهيد *** ين علي و نجله شاهدان
فهما في أواخر الزمان فجرا ***ن و في أولياته شفقان
و إضافة إلى ما يمتلكه الإمام علي ( عليه السلام ) من علم و نفاذ بصيرته فإنه ما فتئ يحثّ على طلب العلم و يذكر أهميته فيقول على سبيل المثال : تعلّم العلم فإنه إن كنت غنياً زانك ، و إن كنت فقيراً صانك . ثروة العلم تنجي و تبقي ، و ثروة المال تهلك و تفنى . ثروة العاقل في علمه و ثروة الجاهل في ماله . و يقول أيضاً : كل وعاء يضيق بما جعل فيه إلاّ وعاء العلم فإنه يتسع به [5] .
و سنحاول في هذه الدراسة أن نبين مآثر الإمام علي ( عليه السلام ) و براعته في علم الحساب من خلال النظر في ثلاثة أعمال هامة له و هي:
نهج البلاغة ، و المسائل الحسابية التي حلها بسرعة و دقة تامة ، و الشعر المنسوب إليه .

أولاً ـ نهج البلاغة :
إن خطب الإمام و رسائله و وصاياه التي وردت في نهج البلاغة تعجّ بمفاهيم حسابية كالأعداد و الكسور و وحدات قياس الطول و تعبيرات رياضية ، و فيما يلي بعضاً منها :

الأعداد :
لقد وردت الأعداد صغيرها و كبيرها كثيراً في نهج البلاغة ، فقد ذكر الإمام علي ( عليه السلام ) على سبيل المثال :
الأول : في وصية له لابنه الحسن فيقول : أي بني ! إني و إن لم أكن عمّرت عمر من كان قبلي ، فقد نظرت في أعمالهم ، و فكّرت في أخبارهم ، و سرت في آثارهم ، حتى عدت كأحدهم ، بل كأني بما انتهى إليّ من أمورهم قد عمّرت مع أولهم إلى آخرهم [6] .
و ذكر الواحد و الاثنين في وصية له ( عليه السلام ) ، وصّى بها جيشا بعثه إلى العدو بقوله : و لتكن مقاتلتكم من وجه واحد أو اثنين ، و اجعلوا لكم رقباء في صياصي الجبال ، و مناكب الهضاب ، لئلاّ يأتيكم العدو من مكان مخافة أو أمن [7] .
و ذكر الثلاثة و الاثنتين في كلام له في توبيخ أصحابه على التباطؤ على نصرة الحق : ياأهل الكوفة ! منيت بكم بثلاثة و اثنتين : صم ذوو أسماع ، و بكم ذوو كلام ، و عمي ذوو أبصار ، لا أحرار صدق عند اللقاء ، و لا إخوان ثقة عند البلاء ، تربت أيديكم [8] .
و قال ( عليه السلام ) و هو يذكر الرقم أربعة : من أعطي أربعاً لم يحرم أربعا : من أعطي الدعاء لم يحرم الإجابة ، و من أعطي التوبة لم يحرم القبول ، و من أعطي الاستغفار لم يحرم المغفرة ، و من أعطي الشكر لم يحرم الزيادة [9] .
و في الرقم خمسة قال ( عليه السلام ) : أوصيكم بخمس لو ضربتم إليها آباط الإبل لكانت لذلك أهلا : لا يرجون أحد منكم إلاّ ربه ، و لا يخافن إلاّ ذنبه ، و لا يستحين أحد منكم إذا سئل عما لا يعلم أن يقول " لا أعلم " ، و لا يستحين أحدا إذا لم يعلم الشيء أن يتعلمه ، و عليكم بالصبر فإن الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد ، و لا خير في جسد لا رأس معه ، و لا في إيمان لا صبر معه [10] .
و السبعة ذكرها في كلام له في التبرؤ من الظلم : واللّه لو أعطيت الأقاليم السبعة ، بما تحت أفلاكها على أن أعصي اللّه في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلت [11] .
و من العشرات ورد الرقم عشرة في قوله لما عزم على حرب الخوارج : مصارعهم دون النطفة ! واللّه لا يفلت منهم عشرة ، و لا يهلك منكم عشرة [12] .
و قد ورد أيضا ذكر العشرين و الستين في خطبته و هو يحثّ على الجهاد و يذمّ القاعدين : للّه أبوهم !! و هل أحد منهم أشد لها مراسا و أقدم فيها مقاما مني ؟ لقد نهضت فيها و ما بلغت العشرين ، و ها أنا ذا قد ذرفت على الستين ، و لكن لا رأي لمن لا يطاع [13] .
و من المئات ذكر المائة في خطبة له ، يقول : لا تسألوني عن شيء فيما بينكم و بين الساعة ، و لا عن فئة تهدي مائة و تضل مائة إلاّ أنبأتكم بناعقها و قائدها و سائقها [14] .
و من الاُلوف ذكر الألف بقوله : اللّهم مث قلوبهم كما يماث الملح في الماء ! أما واللّه لوددت أن لي بكم ألف فارس من بني فراس بن غنم [15] .
و ذكر القرن ( و هو مائة عام ) في خطبة الأشباح بقوله : و لم يخلهم بعد أن قبضه مما يؤكد عليهم حجة ربوبيته ، و يصل بينهم و بين معرفته ، بل تعاهدهم بالحجج على ألسن الخيرة من أنبيائه ومتحملي ودائع رسالاته ، قرنا فقرنا ، حتى تمت بنبينا محمد ( صلى الله عليه و آله ) حجته ، و بلغ المقطع عذره و نذره [16] .

الكسور :
و الكسور هنا كالخمس و الثلث و النصف ، الخ . . . فمثلاً جاء ذكر الخمس في قوله : إن القرآن أنزل على النبي ( صلى الله عليه و آله ) و الأموال أربعة : أموال المسلمين فقسمها بين الورثة في الفرائض ، و الفئ فقسمه على مستحقيه ، و الخمس فوضعه اللّه حيث وضعه ، و الصدقات فجعلها اللّه حيث جعلها [17] .
و قد ورد ذكر الثلث في كتاب له إلى أمراء البلاد في معنى الصلاة ، بقوله : و صلوا بهم العشاء حيث يتوارى الشفق إلى ثلث الليل [18] .
و جاء ذكر الكسر تسعة أعشار بقوله : بلادكم أنتن بلاد اللّه أقربها من الماء و أبعدها من السماء ، و بها تسعة أعشار الشر [19] . و النصف جاء في قوله ( عليه السلام ) : الهمّ نصف الهرم [20] .

وحدات قياس الطول :
و تقيس هذه الوحدات الأبعاد الصغيرة ، كالإصبع و الشبر و الباع الخ ، كما تقيس الأبعاد الكبيرة كالفرسخ مثلاً .
فقد ورد الإصبع في جواب له عندما سئل ( عليه السلام ) عما بين الحق و الباطل . فقال : مسافة أربع أصابع . الحق أن تقول : رأيت بعيني ، و الباطل أن تقول : سمعت بأذني [21] . و الشبر جاء ذكره في كتاب له إلى عثمان بن حنيف الأنصاري ، عامله على البصرة ، بقوله : فو اللّه ما كنزت في دنياكم تبرا ، و لا ادخرت من غنائمها وفرا ، و لا أعددت لبالي ثوبي طمرا ، و لا حزت من أرضها شبرا [22] .
و الشبر كما جاء في لسان العرب هو ما بين أعلى الإبهام و أعلى الخنصر [23] ( إذا فتحتهما ) .
كما ذكر الفرسخ في كتاب له إلى أمراء البلاد في معنى الصلاة بقوله : و صلّوا بهم العصر و الشمس بيضاء حية في عضو من النهار ، حين يسار فيها فرسخان [24] .
و الفرسخ كلمة فارسية و يقول عنها ابن منظور في لسان العرب : إن الفرسخ : السكون من المسافة المعلومة في الأرض مأخوذ منه . و الفرسخ ثلاثة أميال أو ستة ، سمي بذلك لأن صاحبه إذا مشى قعد و استراح من ذلك كأنه سكن . و هو واحد الفراسخ ، فارسي معرب و الفرسخ ساعة من النهار [25] . و الفرسخ يساوي ثلاثة أميال أو ستة آلاف متر [26] .

تعبيرات متصلة بالرياضيات :
ورد العديد من المصطلحات و التعبيرات تتصل بالرياضيات في خطب الإمام و كلامه . كالطول و العرض و العدد و القسمة و المضاعف و الذرّة و النهاية و الإحصاء و البرهان و الفئة و المسافة و الحساب و غيرها .
و سنذكر بعضاً منها . ففي كلام للإمام يوصي فيه أصحابه ، ذكر فيه تعبيرات مثل : الطول ، أطول ، أعرض ، أعلى ، حيث يقول : و الجبال ذات الطول المنصوبة ، فلا أطول ، و لا أعرض ، و لا أعلى و لا أعظم منها ، و لو امتنع شيء بطول ، أو عرض ، أو قوة أو عز لامتنعن [27] .
و ورد تعبير القسمة في مواضيع كثيرة ، مثلا جاء في خطبة له في صفة خلق بعض الحيوانات : و أنشأ السحاب الثقال فأهطل ديمها و عدّد قسمها ، فبلّ الأرض بعد جفوفها . و أخرج نبتها بعد جدوبها . و هنا تعديد القسم إحصاء ما قدر منها لكل بقعة [28] .
و جاء ذكر المضاعف بأشكال مختلفة كالمضاعفات ، و أضعاف ، و مضاعفة ، و مضاعف الخ . ففي خطبة له بصفّين يقول : و لكنه جعل حقه على العباد أن يطيعوه ، و جعل جزاءهم عليه مضاعفة الثواب ، تفضلاً منه و توسعا بما هو من المزيد أهله [29] . و الذرّة ذكرها في خطبة الأشباح بقوله : و رجع كل كلمة ، و تحريك كل شفة ، و مستقر كل نسمة و مثقال كل ذرّة ، و هماهم كل نفس هامّة [30] . كما ذكر النهاية في خطبة له حول صفة خلق بعض الحيوانات بقوله : و إليها حاكمها ليس بذي كبر امتدت به النهايات فكبرته تجسيما ، و لا بذي عظم تناهت به الغايات فعظّمته تجسيدا ، بل كبر شأنا ، و عظم سلطانا [31] .
و بمقابل النهاية ذكر اللانهاية ، و هذه تأتي بمعان عديدة مثلا ، بلا عدد ، لا يحصى ، التعداد الكثير ، الأزل الخ . فقد ورد تعبير لا بعدد في الخطبة السابقة بقوله : مستشهد الأشياء على أزليته ، و بما وسمها به من العجز على قدرته ، و بما اضطرها إليه من الفناء على دوامه ، واحد لا بعدد ، و دائم لا بأمد و قائم لا بعمد [32] .
و جاء تعبير لا يحصى في كلامه لمّا عزم على لقاء القوم بصفّين : و رب هذه الأرض التي جعلتها قرارا للأنام ، و مدرجا للهوام و الأنعام ، و ما يحصى مما يرى و ما لا يرى [33] .
أما التعداد الكثير الذي يعنى اللانهاية ، فقد جاء ذكره في خطبة الأشباح أيضاً بقوله : اللّهم ! أنت أهل الوصف الجميل ، و التعداد الكثير ، إن تؤمل فخير مؤمل ، و إن ترج فأكرم مرجو [34] .

ثانياً ـ مسائل حسابية :
من الأدلة الاُخرى على عبقرية الإمام علي ( عليه السلام ) ، هي حله لمسائل حسابية معقدة بسرعة و دقة . . . و لا عجب في ذلك فهو الذي يقول على ملأ من الناس : " سلوني قبل أن تفقدوني " [35] . و في هذا المقام يقول عباس محمود العقاد عن الإمام ( عليه السلام ) : و في أخباره ، مما يدل على علمه بأدوات الفقه كعلمه بنصوصه و أحكامه . و من هذه الأدوات علم الحساب الذي كانت معرفته به أكثر من معرفة فقيه يتصرف في معضلة المواريث ، لأنه كان سريع الفطنة إلى حيله التي كانت تعدّ في ذلك الزمن ألغازاً تكدّ في حلها العقول [36] . و سنذكر بعض المسائل المشهورة التي قام بحلها ، مما يدل على تضلعه بعلم الحساب آنذاك .
و من هذه المسائل المسألة المنبرية و المسألة الدينارية و قصة الأرغفة و غيرها .

المسألة المنبرية :
و خلاصة هذه المسألة [37] أن الإمام عليّاً ( عليه السلام ) سُئل و هو على المنبر عن ميّت ترك بنتين و أبوين و زوجة ، فأجاب من فوره : صار ثمنها تسعا . و سميت هذه المسألة بالمسألة المنبرية لأنه أفتى بها و هو على منبر الكوفة .
و الفريضة هنا ( أي المال الذي تركه الميت ) هي أربعة و عشرون ، للزوجة ثمنها ( أي ثلاثة ) و للأبوين ثلثها ( أي ثمانية ) و للبنتين الثلثان ( أي ستة عشر ) . فضاق المال عن السهام ( أي نقص المال عن الحصص المفروضة ) ، لأن الثلث و الثلثين تم بهما المال فمن أين يؤخذ الثمن . فإذا جمعنا الثلاثة و الثمانية و أنقصناها من المال لكان الباقي ثلاثة عشر للبنتين نقص من سهمهما ثلاثة . و يبدو أن ثمة حلين لهذه المسألة . و هي إما استخدام العول أو عدم استخدامه . ( و العول هنا كما جاء في مختار الصحاح . عالت الفريضة ، ارتفعت و هو أن تزيد سهاما فيدخل النقصان على أهل الفرائض ) [38] .
فالعول هو إدخال النقص عند ضيق المال عن السهام المفروضة على جميع الورثة بنسبة سهامهم . لهذا فإن النقص هنا هو ثلاثة فيدخل على الجميع فيزاد على الأربعة و العشرين ثلاثة تصير سبعة و عشرين للزوجة منها ثلاثة و للأبوين ثمانية و للبنتين ستة عشر . و الثلاثة هي تسع السبع و العشرين ، فهذا معنى قوله صار ثمنها تسعا . و إما من نفى العول قال أن النقص يدخل على البنتين [39] .

المسألة الدينارية :
يقال : إن امرأة جاءت إلى الإمام ، و شكت إليه أن أخاها مات عن ستمائة دينار ، و لم يقسم لها من ميراثه غير دينار واحد . فقال لها : لعله ترك زوجة و ابنتين و أماً و اثني عشر أخا و أنت ؟ فكان كما قال . و هنا تتجلى قوة علمه و حدسه فبمجرد أن علم بحصتها فقد استنتج عدد أفراد العائلة ، و ليس فقط ذلك ، بل العلاقة فيما بينهم و جنسهم و حصة كل منهم . حيث أن هذه المرأة كانت تتوقع أن أخاها قد ظلمها لذا طلبت الإنصاف و أخذ حقها . لذلك قال لها خلّف أخوك بنتين لهما الثلثان أربعمائة ( أي ثلثي الستمائة هو أربعمائة ) . و خلّف أُماً لها السدس ، مائة ( أي سدسي الستمائة هو مائة ) ، و خلّف زوجة لها الثمن ، خمسة و سبعون ( أي ثمن الستمائة هو خمسة و سبعون ) . و خلّف معك اثني عشر أخاً لكلِّ أخ ديناران و لكِ دينار قالت نعم . فلذلك سُميت هذه المسألة بالدينارية [40] . و لذلك لو جمعنا هذه الحصص لكان مجموعها ستمائة و هو المبلغ الأصلي .

قصة الأرغفة :
جلس رجلان يتغذيان ، مع أحدهما خمسة أرغفة و مع الآخر ثلاثة أرغفة ، فلما وضعا الغذاء ، بين أيديهما مر بهما رجل ، فجلس و أكل معهما و استوفوا في أكلهم الأرغفة الثمانية ، فقام الرجل و طرح إليهما ثمانية دراهم ، فتنازعا بينهما و ارتفعا إلى الإمام علي ( عليه السلام ) فقصّا عليه قصتهما ، فحكم لصاحب الثلاثة أرغفة درهماً واحداً ، و لصاحب الخمسة أرغفة سبعة دراهم ، لأن الأرغفة الثمانية أربعة و عشرون ثلثاً ، لصاحب الثلاثة أرغفة منها تسعة أثلاث ( لأن له ثلاثة أرغفة و كل رغيف ثلاثة أثلاث فيكون المجموع تسعة أثلاث ) ، أكل منها ثمانية ( لأن هناك أربعة و عشرين ثلثاً أكلها الثلاثة بالتساوي فكل واحد منهما أكل ثمانية ) و أكل الضيف واحداً منها ، و لصاحب الخمسة أرغفة منها خمسة عشر ثلثاً ( لأن له خمسة أرغفة و كل رغيف ثلاثة أثلاث فيكون المجموع خمسة عشر ثلثا ) أكل منها ثمانية و أكل الضيف سبعة [41] . أي أن كلاًّ من الثلاثة أكل ثمانية أثلاث . فالأول أعطى للضيف ثلثا واحدا و الثاني أعطاه سبعة أثلاث ( و المجموع ثمانية أثلاث ) . و بما أن الضيف قد دفع لهم ثمانية دراهم ، أي قيمة كل ثلث هو درهم واحد ، و أنه قد أكل ثلثا واحدا من الشخص الأول ، لذا تكون حصة هذا الشخص درهما واحدا . و كذلك أكل من الثاني سبعة أثلاث لذا تكون حصته سبعة دراهم .

مسألة التي ولدت لستة أشهر :
روي أن عمر أتي بامرأة قد ولدت لستة أشهر فهمّ برجمها فقال له الإمام علي ( عليه السلام ) : إن خاصمتك بكتاب اللّه خصمتك إن اللّه تعالى يقول : ﴿ ... وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ... ﴾ [42] و يقول جلّ تعالى : ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ... ﴾ [43] فإذا كانت مدة الرضاعة حولين كاملين ( أي أربعة و عشرين شهرا ) و كان حمله و فصاله ثلاثين شهرا ، فالحمل فيها ستة أشهر ، فخلّى عمر سبيل المرأة و ثبت الحكم لذلك فعمل به الصحابة و التابعون و من أخذ عنهم إلى يومنا هذا [44] .

قصة الزُبية :
يقال : إنه رُفع للإمام علي ( عليه السلام ) و هو باليمن زُبية ( و هي حفرة تحفر للأسد سميت بذلك لأنهم كانوا يحفرونها في موضع عال ) حفرت للأسد فوقع فيها ، فوقف على شفير الزبية رجل فزلت قدمه فتعلق بآخر و تعلق الآخر بثالث و تعلق الثالث برابع فافترسهم الأسد . فقضى ( الإمام ) أن الأول فريسة الأسد و على أهله ثلث الدية للثاني ، و على أهل الثاني ثلثا الدية للثالث ، و على أهل الثالث الدية الكاملة للرابع . فبلغ ذلك رسول اللّه ( صلى الله عليه و آله ) فقال : لقد قضى أبو الحسن فيهم بقضاء اللّه عَزَّ و جَلَّ فوق عرشه .
و رويت هذه الحادثة بصور اُخرى و هي أن الزبية لما وقع فيها الأسد أصبح الناس ينظرون إليه و يتزاحمون و يتدافعون حول الزبية فسقط فيها رجل و تعلق بالذي يليه و تعلق الآخر بالآخر حتى وقع فيها أربعة فقتلهم الأسد . فأمرهم أميرالمؤمنين ( عليه السلام ) أن يجمعوا ديّة تامة من القبائل الذين شهدوا الزبية و نصف دية و ثلث دية و ربع دية ، فأعطى أهل الأول ربع دية من أجل أنه هلك فوقه ثلاثة ، و أعطى أهل الثاني ثلث الدية من أجل أنه هلك فوقه اثنان و أعطى أهل الثالث النصف من أجل أنه هلك فوقه واحد ، و أعطى أهل الرابع الديّة تامة لأنه لم يهلك فوقه أحد فأخبروا رسول اللّه ( صلى الله عليه و آله ) فقال : هو كما قضى .
و الظاهر أنهما واقعتان ، ففي الرواية الاُولى أن الأول زلّت قدمه فوقع ولم يرمه أحد ، و في الرواية الثانية أن المجتمعين تزاحموا و تدافعوا فيكون سقوط الأول بسببهم و لذلك اختلف الحكم فيها [45]

ثلاثة رجال يختصمون :
عن شرح بديعة بن المقري أنه جاء إلى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ثلاثة رجال يختصمون في سبعة عشر بعيراً . أولهم يدعي نصفها و ثانيهم ثلثها ، و ثالثهم تُسعها . فاحتاروا في قسمتها ، لأن في ذلك سيكون كسراً ( أي جزء من بعير ) . فقال ( عليه السلام ) : أترضون أن أضع بعيراً مني فوقها و أقسّمها بينكم ، قالوا : نعم ، فوضع ( عليه السلام ) بعيراً بين الجمال ، فصارت ثمانية عشر ، فأعطى الأول نصفها و هو تسعة ، و أعطى الثاني ثلثها و هو ستة ، و أعطى الثالث تسعها و هو اثنان و بقي بعير له [46] .

ثالثاً ـ الشعر المنسوب للإمام ( عليه السلام ) :
وردت تعبيرات تخص الحساب ، كالأعداد و الكسور و غيرها في الشعر المنسوب للإمام ( عليه السلام ) ، سنذكر بعضاً منها : فقد جاء ذكر الألف في شعر له [47] ، حيث يقول :
عليك بإخوان الصفاء ، فإنهم *** عماد إذا استنجدتهم و ظهور
و ليس كثيراً ألف خل و صاحب *** و إن عدوا واحدا لكثير
كما ذكر العدد سبعين ألفا في شعر له أيضا [48] :
لأصبحن العاصي ابن العاصي *** سبعين ألفا عاقدي النواصي
مجنبين الخيل بالقلاص *** مستحلقين حلق ألدلاص
و في حسبة العمر يقول [49] ، و قد ذكر العدد ستين و النصف و الثلث :
إذا عاش الفتى ستين عاما *** فنصف العمر تمحقه الليالي
و نصف النصف يذهب ليس يدري *** لغفلته يمينا من شمال
و ثلث النصف آمال و حرص*** و شغل بالمكاسب و العيال
فحب المرء طول العمر جهل *** و قسمته على هذا المنال
الخاتمة :
في ضوء إجابات المسائل السابقة و غيرها ، برهان ساطع على علم الإمام المحيط و حضوره لديه فيما يجعله حجة على الخلق في جميع العلوم و الفنون ، خصوصاً إذا قسنا ذلك إلى عصر الإمام و الثقافة العلمية المحدودة لناس آنذاك ، و في ذلك يقول عباس محمود العقاد : و لكن هذه الفنون من الثقافة ـ أو جلها ـ إنما تعظم بالقياس إلى عصرها و الجهود التي بذلت في بدايتها [50] .
و يقول أيضاً : و خلاصة ذلك كله أن ثقافة الإمام ( عليه السلام ) هي ثقافة العلم المفرد و القمة العالية بين الجماهير في كل مقام . من ذلك يمكن القول إن الإمام ( عليه السلام ) يعد أول من عمل في علم المواريث ، كما جاءت في القرآن الكريم ، و أول من قام بحل المسائل الحسابية في صدر الإسلام ، كما يعد أول من تمكن من الفكر الموسوعي الذي يجمع أكبر عدد من فروع المعرفة المختلفة . و لكن من الغريب ، ـ حسب ما لاحظنا ـ أن غالبية كتب تاريخ الرياضيات لم تذكر ذلك ، و هذا أمر يوسف له ، لذلك لابد من إجراء المزيد من البحوث و الدراسات لهذه الحقبة الهامة من التاريخ الإسلامي .

إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ *إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ
مُساهمة طارق فتحي في الجمعة 6 مارس 2015 - 20:23

فإنَّ من أعظم مواقف يوم القيامة الَّتي يجب على المؤمن الإيمان بها، والاستِعْدادُ لها: موقفَ الحساب، قال تعالى: ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ [الفاتحة: 4]؛ أي: الجزاء والحساب، والمقصود بالحساب أن يُوقف العباد بين يدَي ربِّ العالمين، ويعرفهم بأعمالهم وأقوالهم الَّتي عملوها في الدنيا، وما كانوا عليه من إيمان وكُفْر، واستقامة وانحراف، ويُعطى العباد كتُبَهم بأيمانهم إن كانوا صالحين، وبشمائلهم إن كانوا غير ذلك.

قال تعالى: ﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾ [الغاشية: 25 - 26]، وقال تعالى: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا ﴾ [الانشقاق: 7 - 12].

وروى البخاري ومسلمٌ من حديث عائِشة - رضي الله عنها - أنَّ النَّبيَّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - قال: ((ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلاَّ هلك))، فقلت: يا رسول الله، أليس قد قال الله تعالى: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ﴾ [الانشقاق: 7-8]؟! فقال رسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم -: ((إنَّما ذلك العرض، وليس أحدٌ يناقش الحساب يوم القيامة إلاَّ عُذِّب))[1].

قال النَّووي في شرحه للحديث: "معنى نوقش الحساب: استقْصِي عليه، قال القاضي: وقوله: "عذِّب" له معنيان:
أحدهما: أنَّ نفس المناقشة، وعرض الذّنوب، والتوقيف عليها هو التَّعذيب؛ لما فيه من التوبيخ.

والثَّاني: أنَّه مفْضٍ إلى العذاب بالنَّار، ويؤيّده قوله في الرّواية الأخرى: "هَلَكَ" مكان "عُذِّبَ" هذا كلام القاضي، وهذا الثَّاني هو الصَّحيح، ومعناه: أنَّ التَّقصير غالب في العباد، فمن استُقْصِي عليه ولم يُسامح، هلك ودخل النَّار، ولكن الله تعالى يعفو ويغْفر ما دون الشرك لمن يشاء"[2].

ونقل ابن حجر عن القرطبي في معنى قوله: ((إنَّما ذلك العرض))، قال: "إنَّ الحساب المذكور في الآية إنَّما هو أن تعرض أعمال المؤمِن عليه؛ حتَّى يعرف مِنّة الله في ستْرِها عليه في الدّنيا، وفي عفوه عنها في الآخرة"[3]. اهـ.

والله تعالى يحاسب كلَّ إنسان بمفرده، قال تعالى: ﴿ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ ﴾ [الصافات: 24]، روى مسلم في صحيحه من حديث عديِّ بن حاتم - رضي الله عنْه - أنَّ النَّبيَّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - قال: ((ما منكم من أحدٌ إلاَّ سيكلِّمُه الله، ليس بينه وبينه تَرْجُمان، فينظر أيْمنَ منه فلا يرى إلاَّ ما قدَّم، وينظر أشأم منْه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتَّقوا النَّار ولو بشقّ تمرة))[4].

ومن المؤمنين مَن يدخل الجنَّة بلا حساب ولا عذاب، روى البخاري ومسلم من حديث ابن عبَّاس أنَّ النَّبيَّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - رأى أمَّته ومعهم سبعون ألفًا يدْخُلون الجنَّة بلا حساب ولا عذاب، وهم الَّذين لا يسْتَرْقون ولا يكتوون ولا يتطيَّرون، وعلى ربهم يتوكَّلون[5].

والحساب على مواقف، منها:
عرض الأعمال على العباد؛ قال تعالى: ﴿ يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ ﴾ [القيامة: 13]، وقال تعالى: ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا ﴾ [آل عمران: 30].

ومنها: أن يُعطى العبد كتابَه ويُقال له: حاسِبْ نفسك، قال تعالى: ﴿ وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾ [الإسراء: 13 - 14]، المقصود من الآية أنَّ عمل ابن آدم محفوظ عليه قليله وكثيره، ويكتب عليه ليلاً ونهارًا، وصباحًا ومساءً، ثمَّ يجمع له عمله كلّه في كتاب يُعطاه يوم القيامة، إمَّا بيمينه إن كان سعيدًا، أو بشماله إن كان شقيًّا، فيه جميع عمله من أوَّل عمره إلى آخِره، ثم يُقال له: اقرأ كتابَك بنفسك؛ لكي تعلم أنَّك لم تُظلم ولم يُكتب عليْك إلاَّ ما عملت؛ لأنَّك ذكرت جميع ما كان منك ولا ينسى أحد شيئًا مما كان منه، وكلّ واحد يقرأ كتابه من كاتب وأمّي.

ومنها: إحضار الشهود على العبد، كالرُّسُل والملائكة وأمَّة محمَّد - صلَّى الله عليْه وسلَّم - والأعضاء، قال تعالى: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا ﴾ [النساء: 41]، وقال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ﴾ [البقرة: 143]، وقال تعالى: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ [الانفطار: 10 - 12].

قال نابغة بني شيبان:
إِنَّ مَنْ يَرْكَبُ الفَوَاحِشَ سِرًّا
حِينَ يَخْلُو بِسِرِّهِ غَيْرُ خَالِي
كَيْفَ يَخْلُو وَعِنْدَهُ كَاتِبَاهُ
شَاهِدَاهُ وَرَبُّهُ ذُو الجَلالِ

روى مسلم في صحيحه من حديث أبِي هُرَيْرة - رضِي الله عنْه - أنَّ النَّبيَّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - قال: ((يلقى الله العبدَ يوم القيامة، فيقول: يا ربّ آمنت بك وبكتابِك وبرسلك، وصلَّيت وصُمْت وتصدَّقت، ويُثْني بخير ما استطاع، فيقول: ها هنا إذًا، قال: ثمَّ يُقال له: الآن نبعث شاهدَنا عليك، ويتفكَّر في نفسه: من ذا الَّذي يشهد عليَّ؟ فيُختم على فِيه، ويقال لفخِذِه ولحمِه وعظامه: انطقي، فتنطق فخِذُه ولحمه وعظامه بعملِه؛ وذلك ليعذر من نفسِه، وذلك المنافق، وذلك الذي يسخط الله عليه))[6]، قال تعالى: ﴿ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [يس: 65].

ومنها وزن الأعمال؛ الحسنات والسيئات: فأمَّا المؤمن فتُوزن حسناته وسيئاته؛ ليتبيَّن مقدار ما عمله، قال تعالى: ﴿ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ ﴾ [الأعراف: 8 - 9].

وأمَّا الكافر فتُوزن أعماله؛ لإقامة الحجَّة عليه وتوبيخه وتقْريعه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: "يُراد بالحساب عرْض أعمال الكفَّار عليهم وتوبيخهم عليْها، ويراد بالحساب موازنة الحسنات بالسيّئات، فإن أُريد بالحساب المعنى الأوَّل فلا ريب أنَّهم محاسبون، وإن أريد به المعنى الثَّاني فإن قصد بذلك أنَّ الكفَّار تبقى لهم حسنات يستحقّون بها الجنَّة، فهذا خطأ ظاهر"[7]. اهـ.

وقال في موضع آخر: "والنَّار دركات، فإذا كان بعض الكفَّار أشدّ عذابًا من بعض؛ لكثرة سيّئاته وقلَّة حسناته، كان الحساب لبيان مراتب العذاب، لا لأجْل دخولهم الجنَّة"[8]. اهـ.

قال ابن كثير: "وأمَّا الكفَّار فتوزن أعمالهم، وإن لم تكُن لهم حسنات تنفعهم يقابل بها كفْرهم؛ لإظهار شقائِهم وفضيحتهم على رؤوس الخلائق"[9]. اهـ.

روى البُخاريّ ومسلم من حديث ابن عمر - رضِي الله عنهما - أنَّ النَّبيَّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - قال: ((إنَّ الله يدني المؤمِنَ، فيضع عليه كنَفَه ويسترُه، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنْبَ كذا؟ فيقول: نعم أيْ ربّ، حتَّى إذا قرَّره بذنوبِه، ورأى في نفسِه أنَّه هلك، قال: سترتُها عليك في الدّنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيُعْطَى كتاب حسناته، وأمَّا الكافر والمنافق، فيقول الأشهاد: ﴿ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ﴾ [هود: 18]))[10].

ومن آثار الإيمان بهذا الحدث الغيْبِي العظيم:
أوَّلاً: أنَّ المؤمن إذا علم أنَّه سيقف بين يدي الله ويُحاسَب حسابًا دقيقًا، استعدَّ للقاء الله، وحاسب نفسَه في الدّنيا قبل الآخرة، قال تعالى: ﴿ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ﴾ [الأنبياء: 1]، قال عمر - رضِي الله عنْه -: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزِنوها قبل أن توزنوا، وتهيَّؤُوا للعرض الأكبر على الله".

ثانيًا: قدرة الله العظيمة؛ فهو يُحاسب الخلائق جميعًا: الجنّ والإنس، مليارات البشَر، كلّ يحاسبه بنفسه، قال تعالى: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [النحل: 92، 93].

ثالثًا: أنَّ هذا الحساب دقيق، فيسأل العبد عن شرْكِه وكفره، وعن الأنداد والشّركاء الذين اتَّخذهم من دون الله أولياء، قال تعالى: ﴿ وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ ﴾ [الشعراء: 92، 93]، وقال تعالى: ﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ ﴾ [القصص: 65].

ويسأل عن صلاته، روى الطَّبراني في الأوْسط من حديث عبدالله بن قرط - رضي الله عنْه - أنَّ النَّبيَّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - قال: ((أوَّل ما يحاسب عليه العبد يومَ القيامة الصَّلاةُ، فإن صلَحت صلحَ سائرُ عمله، وإن فسدتْ فسد سائر عمله))[11].

ويُسأل عن عمرِه فيمَ أفناه؟ وعن شبابه فيمَ أبلاه؟، وعن ماله من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه؟ كما صحَّ بذلك الحديث عن النبيِّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم.

ويُسأل عن سمعه وبصره وفؤاده؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ﴾ [الإسراء: 36].

ويُسأل عن النَّعيم، ومن النَّعيم الشّبَع من الطعام، والماء البارد، والمرْكب الحسن، وصحَّة الأبدان، والزَّوجة والأوْلاد، ورئاسة القوم، وغير ذلك من النَّعيم، قال تعالى: ﴿ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ﴾ [التكاثر: 8].

وروى الحاكم في "المستدرك" من حديث أبِي هُرَيْرة - رضِي الله عنْه - أنَّ النَّبيَّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - قال: ((إنَّ أوَّل ما يحاسب به العبد يوم القيامة أن يقال له: ألَم أصحَّ لك جسمك؟ وأرْوِك من الماء البارد؟))[12].

وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة - رضِي الله عنْه - أنَّ النَّبيَّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - قال: ((إنَّ الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: ألَم أكرمك، وأسوِّدك[13]، وأزوّجك، وأسخّر لك الخيل والإبل وأذرك ترْأس وتربع؟ فيقول: بلى، فيقول: أفظننتَ أنَّك ملاقي؟ فيقول: لا، فيقول: فإنّي أنساك كما نسيتَني))[14].

ويُسأل عن العهود التي بينه وبين النَّاس، قال تعالى: ﴿ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً ﴾ [الإسراء: 34].

قال الشاعر:
أَمَا وَاللَّهِ لَوْ عَلِمَ الأَنَامُ
لِمَا خُلِقُوا لَمَا هَجَعُوا وَنَامُوا
لَقَدْ خُلِقُوا لأَمْرٍ لَوْ رَأَتْهُ
عُيُونُ قُلُوبِهِمْ تَاهُوا وَهَامُوا
مَمَاتٌ ثُمَّ قَبْرٌ ثُمَّ حَشْرٌ
وَتَوْبِيخٌ وَأَهْوَالٌ عِظَامُ
لِيَوْمِ الحَشْرِ قَدْ عَمِلَتْ رِجَالٌ
فَصَلَّوْا مِنْ مَخَافَتِهِ وَصَامُوا

وأخْتم بهذا الحديث الَّذي رواه مسلم في صحيحِه، من حديث أبي ذر - رضي الله عنْه - عن النَّبيّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - فيما روى عن الله - تبارَك وتعالى - أنه قال: ((يا عبادي: إنَّما هي أعمالُكم أحصيها لكُم، ثمَّ أوفِّيكم إيَّاها، فمَن وجد خيرًا فليحْمَد الله، ومَن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلاَّ نفسَه))[15] [16].

والحمد لله ربّ العالمين، وصلَّى الله وسلَّم على نبيّنا محمَّد، وعلى آله وصحْبِه أجْمعين.


رابط الموضوع: http://www.alukah.net/sharia/0/36920/#ixzz3TgMch4rO
فإنَّ من أعظم مواقف يوم القيامة الَّتي يجب على المؤمن الإيمان بها، والاستِعْدادُ لها: موقفَ الحساب، قال تعالى: ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ [الفاتحة: 4]؛ أي: الجزاء والحساب، والمقصود بالحساب أن يُوقف العباد بين يدَي ربِّ العالمين، ويعرفهم بأعمالهم وأقوالهم الَّتي عملوها في الدنيا، وما كانوا عليه من إيمان وكُفْر، واستقامة وانحراف، ويُعطى العباد كتُبَهم بأيمانهم إن كانوا صالحين، وبشمائلهم إن كانوا غير ذلك.
قال تعالى: ﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾ [الغاشية: 25 - 26]، وقال تعالى: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا ﴾ [الانشقاق: 7 - 12].
وروى البخاري ومسلمٌ من حديث عائِشة - رضي الله عنها - أنَّ النَّبيَّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - قال: ((ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلاَّ هلك))، فقلت: يا رسول الله، أليس قد قال الله تعالى: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ﴾ [الانشقاق: 7-8]؟! فقال رسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم -: ((إنَّما ذلك العرض، وليس أحدٌ يناقش الحساب يوم القيامة إلاَّ عُذِّب))[1].
قال النَّووي في شرحه للحديث: "معنى نوقش الحساب: استقْصِي عليه، قال القاضي: وقوله: "عذِّب" له معنيان:
أحدهما: أنَّ نفس المناقشة، وعرض الذّنوب، والتوقيف عليها هو التَّعذيب؛ لما فيه من التوبيخ.
والثَّاني: أنَّه مفْضٍ إلى العذاب بالنَّار، ويؤيّده قوله في الرّواية الأخرى: "هَلَكَ" مكان "عُذِّبَ" هذا كلام القاضي، وهذا الثَّاني هو الصَّحيح، ومعناه: أنَّ التَّقصير غالب في العباد، فمن استُقْصِي عليه ولم يُسامح، هلك ودخل النَّار، ولكن الله تعالى يعفو ويغْفر ما دون الشرك لمن يشاء"[2].
ونقل ابن حجر عن القرطبي في معنى قوله: ((إنَّما ذلك العرض))، قال: "إنَّ الحساب المذكور في الآية إنَّما هو أن تعرض أعمال المؤمِن عليه؛ حتَّى يعرف مِنّة الله في ستْرِها عليه في الدّنيا، وفي عفوه عنها في الآخرة"[3]. اهـ.
والله تعالى يحاسب كلَّ إنسان بمفرده، قال تعالى: ﴿ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ ﴾ [الصافات: 24]، روى مسلم في صحيحه من حديث عديِّ بن حاتم - رضي الله عنْه - أنَّ النَّبيَّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - قال: ((ما منكم من أحدٌ إلاَّ سيكلِّمُه الله، ليس بينه وبينه تَرْجُمان، فينظر أيْمنَ منه فلا يرى إلاَّ ما قدَّم، وينظر أشأم منْه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتَّقوا النَّار ولو بشقّ تمرة))[4].
ومن المؤمنين مَن يدخل الجنَّة بلا حساب ولا عذاب، روى البخاري ومسلم من حديث ابن عبَّاس أنَّ النَّبيَّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - رأى أمَّته ومعهم سبعون ألفًا يدْخُلون الجنَّة بلا حساب ولا عذاب، وهم الَّذين لا يسْتَرْقون ولا يكتوون ولا يتطيَّرون، وعلى ربهم يتوكَّلون[5].
والحساب على مواقف، منها:
عرض الأعمال على العباد؛ قال تعالى: ﴿ يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ ﴾ [القيامة: 13]، وقال تعالى: ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا ﴾ [آل عمران: 30].
ومنها: أن يُعطى العبد كتابَه ويُقال له: حاسِبْ نفسك، قال تعالى: ﴿ وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾ [الإسراء: 13 - 14]، المقصود من الآية أنَّ عمل ابن آدم محفوظ عليه قليله وكثيره، ويكتب عليه ليلاً ونهارًا، وصباحًا ومساءً، ثمَّ يجمع له عمله كلّه في كتاب يُعطاه يوم القيامة، إمَّا بيمينه إن كان سعيدًا، أو بشماله إن كان شقيًّا، فيه جميع عمله من أوَّل عمره إلى آخِره، ثم يُقال له: اقرأ كتابَك بنفسك؛ لكي تعلم أنَّك لم تُظلم ولم يُكتب عليْك إلاَّ ما عملت؛ لأنَّك ذكرت جميع ما كان منك ولا ينسى أحد شيئًا مما كان منه، وكلّ واحد يقرأ كتابه من كاتب وأمّي.
ومنها: إحضار الشهود على العبد، كالرُّسُل والملائكة وأمَّة محمَّد - صلَّى الله عليْه وسلَّم - والأعضاء، قال تعالى: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا ﴾ [النساء: 41]، وقال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ﴾ [البقرة: 143]، وقال تعالى: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ [الانفطار: 10 - 12].
قال نابغة بني شيبان:
إِنَّ مَنْ يَرْكَبُ الفَوَاحِشَ سِرًّا
حِينَ يَخْلُو بِسِرِّهِ غَيْرُ خَالِي
كَيْفَ يَخْلُو وَعِنْدَهُ كَاتِبَاهُ
شَاهِدَاهُ وَرَبُّهُ ذُو الجَلالِ

روى مسلم في صحيحه من حديث أبِي هُرَيْرة - رضِي الله عنْه - أنَّ النَّبيَّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - قال: ((يلقى الله العبدَ يوم القيامة، فيقول: يا ربّ آمنت بك وبكتابِك وبرسلك، وصلَّيت وصُمْت وتصدَّقت، ويُثْني بخير ما استطاع، فيقول: ها هنا إذًا، قال: ثمَّ يُقال له: الآن نبعث شاهدَنا عليك، ويتفكَّر في نفسه: من ذا الَّذي يشهد عليَّ؟ فيُختم على فِيه، ويقال لفخِذِه ولحمِه وعظامه: انطقي، فتنطق فخِذُه ولحمه وعظامه بعملِه؛ وذلك ليعذر من نفسِه، وذلك المنافق، وذلك الذي يسخط الله عليه))[6]، قال تعالى: ﴿ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [يس: 65].
ومنها وزن الأعمال؛ الحسنات والسيئات: فأمَّا المؤمن فتُوزن حسناته وسيئاته؛ ليتبيَّن مقدار ما عمله، قال تعالى: ﴿ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ ﴾ [الأعراف: 8 - 9].
وأمَّا الكافر فتُوزن أعماله؛ لإقامة الحجَّة عليه وتوبيخه وتقْريعه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: "يُراد بالحساب عرْض أعمال الكفَّار عليهم وتوبيخهم عليْها، ويراد بالحساب موازنة الحسنات بالسيّئات، فإن أُريد بالحساب المعنى الأوَّل فلا ريب أنَّهم محاسبون، وإن أريد به المعنى الثَّاني فإن قصد بذلك أنَّ الكفَّار تبقى لهم حسنات يستحقّون بها الجنَّة، فهذا خطأ ظاهر"[7]. اهـ.
وقال في موضع آخر: "والنَّار دركات، فإذا كان بعض الكفَّار أشدّ عذابًا من بعض؛ لكثرة سيّئاته وقلَّة حسناته، كان الحساب لبيان مراتب العذاب، لا لأجْل دخولهم الجنَّة"[8]. اهـ.
قال ابن كثير: "وأمَّا الكفَّار فتوزن أعمالهم، وإن لم تكُن لهم حسنات تنفعهم يقابل بها كفْرهم؛ لإظهار شقائِهم وفضيحتهم على رؤوس الخلائق"[9]. اهـ.

روى البُخاريّ ومسلم من حديث ابن عمر - رضِي الله عنهما - أنَّ النَّبيَّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - قال: ((إنَّ الله يدني المؤمِنَ، فيضع عليه كنَفَه ويسترُه، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنْبَ كذا؟ فيقول: نعم أيْ ربّ، حتَّى إذا قرَّره بذنوبِه، ورأى في نفسِه أنَّه هلك، قال: سترتُها عليك في الدّنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيُعْطَى كتاب حسناته، وأمَّا الكافر والمنافق، فيقول الأشهاد: ﴿ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ﴾ [هود: 18]))[10].

ومن آثار الإيمان بهذا الحدث الغيْبِي العظيم:
أوَّلاً: أنَّ المؤمن إذا علم أنَّه سيقف بين يدي الله ويُحاسَب حسابًا دقيقًا، استعدَّ للقاء الله، وحاسب نفسَه في الدّنيا قبل الآخرة، قال تعالى: ﴿ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ﴾ [الأنبياء: 1]، قال عمر - رضِي الله عنْه -: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزِنوها قبل أن توزنوا، وتهيَّؤُوا للعرض الأكبر على الله".
ثانيًا: قدرة الله العظيمة؛ فهو يُحاسب الخلائق جميعًا: الجنّ والإنس، مليارات البشَر، كلّ يحاسبه بنفسه، قال تعالى: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [النحل: 92، 93].
ثالثًا: أنَّ هذا الحساب دقيق، فيسأل العبد عن شرْكِه وكفره، وعن الأنداد والشّركاء الذين اتَّخذهم من دون الله أولياء، قال تعالى: ﴿ وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ ﴾ [الشعراء: 92، 93]، وقال تعالى: ﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ ﴾ [القصص: 65].
ويسأل عن صلاته، روى الطَّبراني في الأوْسط من حديث عبدالله بن قرط - رضي الله عنْه - أنَّ النَّبيَّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - قال: ((أوَّل ما يحاسب عليه العبد يومَ القيامة الصَّلاةُ، فإن صلَحت صلحَ سائرُ عمله، وإن فسدتْ فسد سائر عمله))[11].
ويُسأل عن عمرِه فيمَ أفناه؟ وعن شبابه فيمَ أبلاه؟، وعن ماله من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه؟ كما صحَّ بذلك الحديث عن النبيِّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم.
ويُسأل عن سمعه وبصره وفؤاده؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ﴾ [الإسراء: 36].

ويُسأل عن النَّعيم، ومن النَّعيم الشّبَع من الطعام، والماء البارد، والمرْكب الحسن، وصحَّة الأبدان، والزَّوجة والأوْلاد، ورئاسة القوم، وغير ذلك من النَّعيم، قال تعالى: ﴿ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ﴾ [التكاثر: 8].
وروى الحاكم في "المستدرك" من حديث أبِي هُرَيْرة - رضِي الله عنْه - أنَّ النَّبيَّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - قال: ((إنَّ أوَّل ما يحاسب به العبد يوم القيامة أن يقال له: ألَم أصحَّ لك جسمك؟ وأرْوِك من الماء البارد؟))[12].
وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة - رضِي الله عنْه - أنَّ النَّبيَّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - قال: ((إنَّ الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: ألَم أكرمك، وأسوِّدك[13]، وأزوّجك، وأسخّر لك الخيل والإبل وأذرك ترْأس وتربع؟ فيقول: بلى، فيقول: أفظننتَ أنَّك ملاقي؟ فيقول: لا، فيقول: فإنّي أنساك كما نسيتَني))[14].
ويُسأل عن العهود التي بينه وبين النَّاس، قال تعالى: ﴿ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً ﴾ [الإسراء: 34].
قال الشاعر:
أَمَا وَاللَّهِ لَوْ عَلِمَ الأَنَامُ
لِمَا خُلِقُوا لَمَا هَجَعُوا وَنَامُوا
لَقَدْ خُلِقُوا لأَمْرٍ لَوْ رَأَتْهُ
عُيُونُ قُلُوبِهِمْ تَاهُوا وَهَامُوا
مَمَاتٌ ثُمَّ قَبْرٌ ثُمَّ حَشْرٌ
وَتَوْبِيخٌ وَأَهْوَالٌ عِظَامُ
لِيَوْمِ الحَشْرِ قَدْ عَمِلَتْ رِجَالٌ
فَصَلَّوْا مِنْ مَخَافَتِهِ وَصَامُوا
وأخْتم بهذا الحديث الَّذي رواه مسلم في صحيحِه، من حديث أبي ذر - رضي الله عنْه - عن النَّبيّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - فيما روى عن الله - تبارَك وتعالى - أنه قال: ((يا عبادي: إنَّما هي أعمالُكم أحصيها لكُم، ثمَّ أوفِّيكم إيَّاها، فمَن وجد خيرًا فليحْمَد الله، ومَن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلاَّ نفسَه))[15] [16].
والحمد لله ربّ العالمين، وصلَّى الله وسلَّم على نبيّنا محمَّد، وعلى آله وصحْبِه أجْمعين.
رابط الموضوع: http://www.alukah.net/sharia/0/36920/#ixzz3TgMch4rO
avatar
طارق فتحي
المدير العام

عدد المساهمات : 2805
تاريخ التسجيل : 19/12/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alba7th.3oloum.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى