* ابو العتاهية - فخري الفخري - مظفر النواب- خطاطات بغداد - امين المميز

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

* ابو العتاهية - فخري الفخري - مظفر النواب- خطاطات بغداد - امين المميز

مُساهمة  طارق فتحي في الأربعاء مارس 04, 2015 10:41 pm

أبو العتاهية
إسماعيل بن القاسم أبو العتاهية
إسماعيل بن القاسم بن سويد العيني أبو إسحاق ولد في عين التمر سنة 130 هـ/747 م ثم أنتقل إلى الكوفة كان بائعا للجرار مال إلى العلم والأدب ونظم الشعر حتى نبغ فيه ثم انتقل إلى بغداد وأتصل بالخلفاء فمدح المهدي والهادي والرشيد
أغر مكثر سريع الخاطر في شعره إبداع يعد من مقدمي المولدين من طبقة بشار بن برد وأبي نواس وأمثالهما كان يجيد القول في الزهد والمديح وأكثر أنواع الشعر في عصره
وأبو العتاهية كنية غلبت عليه لما عرف به في شبابه من مجون ولكنه كف عن حياة اللهو والمجون ومال إلى التنسك والزهد وانصرف عن ملذات الدنيا والحياة وشغل بخواطر الموت ودعا الناس إلى التزوّد من دار الفناء إلى دار البقاء وكان في بدء أمره يبيع الجرار ثم اتصل بالخلفاء وعلت مكانته عندهم وهجر الشعر مدة فبلغ ذلك الخليفة العباسي هارون الرشيد، فسجنه ثم أحضره إليه وهدده بالقتل إن لم يقل الشعر فعاد إلى نظمه
اتصاله بالخلفاء كان أبو العتاهيه قد قدم من الكوفه إلى بغدادمع إبراهيم الموصلي ثم افترقا ونزل شاعرنا الحيره ويظهر انه كان اشتهر في الشعرلان الخليفة المهدي لم يسمع بذكره حتى أقدمه بغداد فامتدحه أبو العتاهيه ونال جوائز واتفق ان عرف شاعرناعتبه جاريه مهديه فاولع بهاوطفق يذكرهابشعرفغضب المهدي وحبسه ولكن الشاعر استعطفه بابياته فرق له المهدي وخلى سبيله وانقطع إلى قول الشعر في الزهد -كما ورد بكتاب الموجز في الشعرالعربي للشاعرالعراقي المعروف فالح الحجية في الدنيا والتذكير في الاخرة بعد الموت ويتميز شعره بسهولة الألفاظ عجيبة واضح المعاني يمثل روحية شعب بائس فقير هجرالحياة وملذاتها وسلك طريق الاخرة وتوفي في بغداد أختلف في سنة وفاته فقيل سنة 213 هـ، 826 وقيل غيرها
من شعر أبو العتاهية الذي كان اكثر شهرتأ هو
بكيت على الشباب بدمع عيني -- فلم يغن البكاء ولا النحيب
فيا أسفأ أسفت على شباب -- نعاه الشيب والراس الخضيب
عريت من الشباب وكنت غضأ -- كما يعرى من الورق القضيب
فيا ليت الشباب يعود يومأ -- فأخبره بما فعل المشيب
وهناك من شعر على هوى شعره ومنهم من اختلف عنه
واليكم نماذج من هذه الاشعار
الشاعر يقول
ذهب الشباب فما له من عودة
وأتى المشيب فأين منه المهرب؟
*وهذا ابو ماضي ينصح صاحبه بالا يأسف على مضي الشباب بقوله:
قال الصبا ولى فقلت له ابتسم
لن يرجع الاسف الصبا المتصرما
*اما ابو الحسن البصري.. فهو يقرن المشيب بالحزن اذ كان العامة في الاندلس يرتدون اللباس الابيض في مناسبات الحزن فيقول:
اذا كان البياض لباس حزن
بأندلس فذاك من الصواب
ألم ترني لبست بياض شيبي
لاني قد حزنت على شبابي
ان الفراغ والشباب والجده
مفسدة للمرء اي مفسده
*وتذكر قول الشاعر:
اتدري لماذا يصبح الديك صائحاً
يردد لحن النوح في غرة الفجر؟
ينادي لقد مرت من العمر ليلة
وها انت لا تشعر بذاك ولا تدري
*ويقول شاعر :
عيرتني بالشيب وهو وقار
ليتها عيرت بما هو عار
ان تكن شابت الذوائب مني
فالليالي تزينها الاقمار
*وشاعر آخر :
تعيرني بالشيب وهو مصيرها
وإني وإياها الى غاية نجري
حل المشيب بعارضي ومفارقي
بئس القرين أراه ليس مفارقي
رحل الشباب فقلت قف لي ساعة
حتى اودع.. قال انك لاحقي
و قال الشاعر منصور النميري:
بان الشباب وفاتتني بلذته
صروف دهر وايام لها خدع
ما تنقضي حسرة مني ولا جزع
اذا ذكرت شبابا ليس يرتجع
ماكنت اوفي شبابي كنه قيمته
حتى انقضى مالت الدنيا له تبع
*ومن الذين ناحوا على ايام الشباب الشاعر المعروف ابو العتاهية اذ قال:
عريت من الشباب وكان غضا
كما يعرى من الورق القضيب
ونُحت على الشباب بدمع عيني
فما نفع البكاء ولا النحيب
فيا ليت الشباب يعود يوما
فأخبره بما فعل المشيب
*ويقول احدهم
واذا مضى للمرء من اعوامه
خمسون وهو عن الصبا لم يجنح
عكفت عليه المخزيات وقلبه
قد أضحكتنا سيرة لا تبرح
واذا رأى ابليس غرة وجهه
حيا.. وقال فديت من لم يفلح
*وقال احدهم في هذا المجال:
شيئان لو بكت الدماء عليهما
عيناي حتى تأذنا بذهاب
لم تبلغ المعشار من حقيهما
فقد الشباب وفرقة الاحباب
*و :
قالت وقد راعها مشيبي
كنت ابن عم فصرت عمّا
واستهزأت بي فقلت ايضا
قد كنت بنتا فصرت امّا
كفى ولا تكثري ملامي
ولا تزيدي العليل سمّا
من شاب ابصرنه الغواني
بعين من قد عمى وصما
لو قيل لي اختر عمى وشيباً
ايهما شئت؟ قلت اعمى
*والشاعر يقول:
عمري بروحي لا بعد سنيني
فلأ سخرن غدا من التسعين
عمري الى السبعين يجري مسرعا
والروح ثابتة على العشرين
نظرت الي بعين من لم يعدل
لما تمكن حبها من مقتلي
لما رأت وضح المشيب بلمتي
صدت صدود مجانب متحمل
فجعلت اطلب وصلها بتلطف
والشيب يغمزها بألا تفعلي
وفي هذا المضمار قال ايضاً:
صدت امامة لما جئت زائرها
عني بمطروفة انسانها غرقُ
وراعها الشيب في رأسي فقلت لها
كذاك يصفر بعد الخضرة الورق
وفي موقع آخر قيل
ماذا تريدين من جهلي وقد غبرت
سنو شبابي وهذا الشيب قد وخطا
أرقع الشعرة البيضاء ملتقطا
فيصبح الشيب للسوداء ملتقطا
وسوف لاشك يعييني فأتركه
فطالما اعمل المقراض والمشطا
*وقال محمد الوراق متأسفاً على المشيب:
لا تطلبنْ أثرا بعين
فالشيب احدى الميتين
ابدى مقابح كل شين
ومحا محاسن كل زين
*والمشيب كأمر مسلم به لا يمكن ان يعيد الانسان الى الوراء.
لكل داء دواء يستطب به
الا المشيب فقد اعيا الاطباء
*و قيل أيضا :
تولى يا ابنة العم الشباب
فلم يغن القريض ولا الخضاب
مضى عهد الصبا وأتى زمان
له في كل جانحة مصاب
فنرجو الله مغفرة وعفواً
وستراً يوم ينكشف الحجاب
بيوم ليس ينفع فيه مال
سوى عمل بموجبه نثاب
فإن خيرا تلقاك الثواب
وان شرا تولاك العقاب
*ولعلي اختم مقالي هذا بأبيات من قصيدة نظمت بعنوان «ظلم المشيب»:
تبدت كالعروسة في زحام
فوا أسفي على تلك العروس
تثير الحزن ان حدقت فيها
واذرف وابل الدمع الحبيس
فلي قلب فتي يشع حباً
ألا رحماك يا شيب الرؤوس
فحبي وافر وسماي صحو
ونفسي كللت قمم النفوس
فمن يا نفس فيك أشد وجعا
مشيب الرأس؟
مع تحيات الكاتب الشيخ محمد الطالباني
بغداد 2014

فخري الفخري
كان اول طالب بعثة لدراسة الهندسة في جامعة برمنغهام البريطانية عام 1928م وكان واحدا من اربعه اوائل هم علي حيدر سليمان وعبد الله بكر وفؤاد الانكرلي ارسلتهم الحكومه في بعثه لاول مرة الى الجامعه الامريكيه في بيروت وبعد عامين اكمل دراسته وكان يرغب بدراسه الهندسه فكتب الى جامعه برمنغهام وحصل على قبول فيها بدون امتحان وعن طريقه فتح الطريق لزملائه للدراسه فيها وكان في مقدمتهم المرحوم ضياء جعفر. وبعدها عاد الى بغداد فعمل مهندسا ثم رئيس مهندسين في امانة العاصمة حتى اختاره المرحوم د. ضياء جعفر مديرا عاما في مديرية الاشغال العامة وبعدها صار امينا للعاصمة فوزيرا لمدة عشرة ايام. ثم امين للعاصمة مرة ثانية حتى صبيحة 14 تموز 1958.
وكانت بدايه عمله كمهندس حيث واحدا من ستة عشر مهندسا من الذكور يعملون في جميع انحاء العراق
- وقد اختاره ارشد العمري الذي كان يشغل منصب امين العاصمة وكان يعمل بمعيته عدد من (الاسطوات) الذين منحوا لقب مهندسين بالممارسة للعمل كمهندس في امانه العاصمه، وقد تعرض العمري لانتقادات كثيرة ومحاصرة من الشخصيات العراقية مفادها (لو اصبحت رئيسا للوزراء او لمجلس الاعيان من سيحل محلك) وقد تحقق ذلك فعلا. ومما زاد في قناعة العمري انه لابد من ايجاد البديل حادث سقوط (الجملون) بقاعة الملك فيصل الثاني (قاعة الشعب) اثناء التشييد وتعرضه الى هجوم في مجلس النواب واتهامه بالتقصير والتبذير فتأكد له ان ما حدث مسألة فنية لا يستطيع (الاسطوات) معالجتها فبدأ بالبحث عن فخري الفخري كمهندس وعندما التقاه قال له (اني ابحث عن واحد سلس، مثقف، شفتك انت زين) وعرض عليه راتبا مغريا وكان غير مقيد بقانون الخدمة المدنية ووافق وعمل سبع سنوات كرئيس مهندسين بعدها انتقل كمدير عام لمجلس الاعمار ومثله في مديرية الاشغال العامة.
اما عن ذكرياته عن فيضان 1954 فلابد من التركيز على الليلة التي هددت بغداد بالغرق وقيل عنها انها كانت حاسمة، وهذا غير صحيح، اذ ان الفيضان عندما يأتي كانت السلطات تعمد الى كسر السداد فتغرق المنطقة المحيطة ببغداد باكملها وهذا ما حدث بالضبط خلال تلك الليلة حيث ذهب الى السداد وتأكد ان شيئا ما سيحدث واستدعي الى مجلس الوزراء. الذي كان منعقدا في دائرة الري المقابلة لكلية الهندسة في الباب لمعظم، وقال له د. فاضل الجمالي رئيس الوزراء انذاك، ان الفيضان خطر ونحن بصدد اجلاء سكان الرصافة الى الكرخ ونعمل سدادا ولديك مكائن تابعة لمجلس الاعمار فهل بالامكان استخدامها لدرء الخطر عن بغداد.. اجابه ان هذه المكائن لا تفيد لانها مصممة اصلا لتبليط الطرق ثم ان سكان السدة الشرقية عبروا الى داخل المدينة واذا استخدمت هذه المكائن فستهدم السدة ويغرق الجميع. واقترح خطة نجحت بعد مناقشتها مع عدد من المهندسين باستخدام (كريدر) وفيه حزام من (اللاستيك) لعمل (فرخ) على حافة السدة ومن المصادفات ان موجة فيضان تلك الليلة كانت اقل مما حدث على مدى ثلاثة اشهر هي مدة فيضان ذلك العام وانتهى الخطر عن مدينة بغداد بعد 3 ساعات من العمل فتوقف جريان الماء وقد اعلمه سعيد قزاز وزير الداخلية انه من خلال طريقته التي اقنع بها الوزراء فتخلص من الضغط المفروض علي بضرورة اخلاء العاصمة بغداد اذ قلت لهم، مادامت طريقة فخري صحيحة دعونا نجرب وبعد اذا فشلت نخلي بغداد.
وبعد ان سقطت وزارة الجمالي اسندت الوزارة الى ارشد العمري فاختار مجموعة من الوزراء التكنوقراط وكان فخري الفخري احدهم لاول مرة تمهيدا لاجراء انتخابات جديدة واستبعد من تشكيلته الوجوه السياسية التقليدية غير انه وجد من الصعوبة الانسجام معهم لذلك تقدم باستقالته الى رئيس الوزراء قبل يومين من استقالة الوزارة برمتها وقد دام عمرها عشرة ايام فقط عاد بعدها الى امانة العاصمة.
اما ابرز ما حققته كامين للعاصمة هو انجاز التصميم الاساسي لمدينة بغداد وقد وضعه عام1956 استشاري بريطاني من اصل ايطالي وشاركه فخري الفخري في معظم اعماله وتابعه اولا باول ويقول لو تركته يعمل لوحده لما حصلنا على خريطة عملية يمكن تنفيذها. ذلك لان مصممي المدن عندما ينجزون تصاميمهم تخرج كالسجادة لايمكن تنفيذها لذلك تدخلنا في الصغيرة والكبيرة واضاف اليها شارع الملكه عاليه الذي كان قد اعد الخرائط الخاصة به قبل وضع التصميم الاساسي فادخله،
واقترح على الوزارة القائمة انذاك انشاء مركزين احدهما مدني مخصص لسكان بغداد والثاني للحكومة ومقره كرادة مريم ويقع ضمنه البرلمان ولهذا الغرض استملكت الاراضي الشاسعة واقترضت من وزارة المالية مبالغ كبيرة دفعت لاصحاب الدور التي استملكت بشكل عادل. وقد ذكر هنا ان الغرض المخصص لانشاء شارع الملكه عاليه كان بحدود ثمانية ملايين دينار وقد سدد هذا المبلغ من بيع فضلات الشارع بعد فترة وجيزة.
- اما الصعوبات التي واجهته مشكلة النخيل والتأكيد على عدم قلعها حفاظا على ثروة العراق الزراعية ولم يكن القانون معه في عدم قلع النخيل وتحويل المساحات المزروعة الى ارض سكنية، وقرر تخصيص مساحات من تلك الاراضي بحجة انها حدائق عامة ولابد من عدم اتلاف الاشجار او قلعها ومن بينها النخيل طبعا وكنموذج لهذه المناطق ما نجده في اطراف مدينة الكاظمية اذ ظلت اشجارها باسقة ونخيلها عامرا حتى الان!
- طيلة المدة التي شغل فيها منصب امين العاصمة فقد كان يستعجل الايام فنفذ الجزء الاكبر من التصميم الذي لم تقدر كلفته التخمينية وكان همه الاكبر تأسيس المجاري ووضعت اماكن التصفية المخصصة لها لكن عبد الكريم قاسم عندما تولى السلطة غير بعض الاماكن لناحية امنية اذ قيل له (يمكن واحد يمشي فيها ويصطادك) وصدقها الرجل فغير اماكنها!.
* صبيحة 14 تموز 1958 اين كنت؟
- وفي صبيحه 14 تموز 1958كان امينا للعاصمة وبعدها بايام، اعتقل فكان اول المتهمين الذين يحقق معهم ولكن دون ان يمثل امام محكمة المهداوي، وكان معه المرحوم غازي الداغستاني، وذكر ان اللجنة التحقيقية اكتفت بتوجيه عدة اسئلة له اجبت عليها بصراحة ووضوح ومنها (لماذا بعت قطعة ارض الى الملك فيصل الثاني)؟ فاجبت ان قطعة الارض هذه تقع في الباب الشرقي (مكان بناية وزارة الاعلام سابقا) وقد اشتراها الملك فيصل الثاني واحتفظ بها لانها تطل على شارع الملكة عالية (شارع الجمهورية) ولم يكن الملك الوحيد الذي اشترى، بل ان العديد من الوزراء والوجوه حذوا حذوه ومن بينهم الشيخ بلاسم الياسين الذي حصل على قطعة افضل وعندما سمع الملك قال له (هذا لايهمني، انما الذي اريده ان يبقى اسم والدتي موجودا على شارع مهم في بغداد املك فيه قطعة ارض) وبعدها اطلق سراحه بعد احالته على التقاعد!.

مظفر عبد المجيد النواب
شاعر عراقي وفي بغداد ولد عام 1934، اكمل دراسته الجامعية في كلية الآداب ببغداد. وبعد انهيار النظام الملكي في العراق عام 1958 تم تعيينه مفتشاً فنياً بوزارة التربية في بغداد.
في عام 1963 اضطر لمغادرة العراق، بعد اشتداد التنافس بين القوميين والشيوعيين الذين تعرضوا إلى الملاحقة والمراقبة الشديدة من قبل النظام الحاكم، فكان هروبه إلى الأهواز عن طريق البصرة، إلا ان المخابرات الإيرانية في تلك الأيام (السافاك) ألقت القبض عليه وهو في طريقه إلى روسيا وسلمته إلى الأمن السياسي العراقي، فحكمت عليه المحكمة العسكرية هناك بالإعدام، إلا ان المساعي الحميدة التي بذلها أهله وأقاربه أدت إلى تخفيف الحكم القضائي إلى السجن المؤبد. وفي سجنه الصحراوي واسمه نقرة السلمان القريب من الحدود السعودية-العراقية، أمضى وراء القضبان مدة من الزمن ثم نقل إلى سجن (الحلة) الواقع جنوب بغداد.
في هذا السجن قام مظفر النواب ومجموعة من السجناء بحفر نفق من الزنزانة يؤدي إلى خارج أسوار السجن، وبعد هروبه المثير من السجن توارى عن الأنظار في بغداد، وظل مختفياً فيها ثم توجه إلى الجنوب (الأهوار)، وعاش مع الفلاحين والبسطاء حوالي سنة. وفي عام 1969 صدر عفو عن المعارضين فرجع إلى سلك التعليم مرة ثانية. غادر بغداد إلى بيروت في البداية، ومن ثم إلى دمشق، وراح ينتقل بين العواصم العربية والأوروبية، واستقر به المقام أخيراً في دمشق.

خطاطات بغداد
عرفت العراق وعاصمتها بغداد أيام الخلافة العباسية الكثير من النساء الخطاطات والعالمات والشاعرات، ومن هذه النساء اللاتي اشتهرن بخطهن الجميل:
1- فاطمة بنت الحسن بن علي العطار (الأقرع) والشهيرة بأم الفضل البغدادية الكاتبة: عُرفت بجودة خطها، كانت من النساء اللائي نبغن في فن الخط، كتبت بالخط المنسوب على طريقة الخطاط ابن البواب، وجوَّد الخطاطون على خطها بعدما قلدوها في مختلف أنحاء العالم الإسلامي.
كتبت مرّة ورقة لمحمد بن منصور الكندي وزير طغرل بك أول وزراء السلاجقة، فانبهر بفصاحتها وأسلوب كتابتها فأعطاها ألف دينار، وعندما أرسل الخليفة المقتدر العباسي رسالة إلى الإمبراطور البيزنطي يطلب فيها الهدنة بين بيزنطة وبغداد، طلب منها أن تكتبها بخطها الفصيح الجميل، وعباراتها المتقنة، توفيت في بغداد سنة 480هـ/ 1087م.
2- الرضا بنت الفتح: كاتبة مشهورة في بغداد، عرفت بكثرة ما ألَّفت ونسخت من الكتب، قال عنها المؤرخ الصفدي: "قد رأيت نسخة من ديوان أبي الحجاج بخطها".
3- حافظة خاتون بنت محمد سعيد أفندي: كانت خطاطة بارعة، كما كانت عالمة بالحديث، أخذت فنون الخط العربي عن الخطاط سفيان الوهبي البغدادي، وقد برزت وتفننت في خطي الثلث والنسخ، توفيت ببغداد سنة 1246هـ/ 1830م.
4- وممن عرفن في بغداد من الخطاطات البارعات تلك التي عرفت في القرن التاسع الميلادي وكانت مبرزة في النسخ وجودة الخط، فأعجب بها أحمد بن صالح وزير الخليفة المعتضد، فكتب عن براعتها: "كان خطها كجمال شكلها، وحبرها كمؤخر شعرها، وورقتها كبشرة وجهها، وقلمها كأنملة من أناملها، وطِرازها كفتنة عينيها، وسِكينها كوميض لمحتها، ومقطَّتها كقلب عاشقها".
5- شهدة: من أشهر خطاطات العراق في العصر العباسي، فقد اشتهر بعض الخطاطين في تلك الأيام وصارت لهم مكانة مرموقة في الخط، وأُخذ عنهم، ومنهم ابن مقلة وابن البواب وشهدة وياقوت الموصلي وياقوت المستعصمي، فابن البواب (أبو الحسن علي بن هلال توفي سنة 413هـ) أخذ الخط عن محمد بن أسد ومحمد بن السمسماني تلميذي ابن مقلة، وعُرف من تلاميذ ابن البواب محمد بن عبد الملك، وكان من تلامذته شهدة، المحدثة العالمة الكاتبة زينب الملقب بشهدة الإبري، كما أخذ الخط عنها أمين الدين ياقوت، وقد برعت بصناعة الخط حتى انتهت إليها رئاسة هذه الصفة في عصرها، توفيت في بغداد في 13 محرم 574 هـ، وصفها القلقشندي فقال: "كانت معجزة النساء ومسندة العراق، فقد كانت شيخة ومحدثة، وكتبت خطوطاً جميلة على طريقة فاطمة بنت الأقرع، ولم يكن أحد يدانيها في عصرها... ولما توفيت أشرف الخليفة بنفسه على دفنها" وأكد على ذلك الصفدي في الوافي بالوفيات.
6- فرح عدنان: الخطاطة العراقية الشهيرة، كانت تكتب الخط الجميل بيدها اليمين وبيدها الشمال، فيأتي كلتيهما على سواء، وكانت تعرض ما تكتبه على شيخ الخطاطين المرحوم حامد الآمدي ومن بعدها صارت تعرضه على الخطاط سيد إبراهيم

امين المميز :: الذاكرة البغدادية
باسمها (جامع عادلة خاتون الصغير) الذي شيد مكانه بناية الرصافي في ساحة الرصافي ولم تبقَ منه إلا نخلاته وشيد بديلاً عنه جامع في الصرافية سنة 1963، واما الكبير فهو مقابل بناية المحكمة الشرعية في شارع النهر...
ولد سنة 1909، ونشأ وترعرع في محلة جديد حسن باشا، وفي بغداد اكمل دراسته الاولية والثانوية، ثم انتقل الى الجامعة الامريكية في بيروت، وعمل بعد تخرجه في سلك التعليم ثم انتسب الى السلك الدبلوماسي سنة 1935.
وتعين في المفوضية العراقية في لندن وباريس، والسفارة العراقية في واشنطن، ثم قنصلاً للعراق في نيوريوك، وممثلاً له في هيئة الامم المتحدة واعقبها رئيساً للدائرتين العربية والسياسية في وزارة الخارجية، وبعدها وكيلاً للوزارة بدرجة سفير، ثم قائماً باعمال المفوضية في دمشق، وسفيراً في السعودية بدرجة وزير مفوض، واخيراً احيل على التقاعد بعد ثورة 14 تموز 1958. يعتبر المميز مؤسساً للادب الدبلوماسي العراقي من خلال مؤلفاته (الانكليز كما عرفتهم) و(امريكا كما رأيتها) و(المملكة العربية السعودية كما عرفتها) و(بغداد كما عرفتها) و(الكناش) وهو مجموعة مراسلاته مع الاخرين طبع بعد وفاته. كتب عن تجاربه في السلك الدبلوماسي العراقي بلغة سلسة جميلة ومنها هذه التجربة: يقول أمين المميز في كتابه « بغداد كما عرفتها «بخصوص شارع الرشيد ما يأتي : (( أذكر بغداد يوم أمر الوالي خليل باشا بفتح الشارع الذي سمي بادئ الأمر باسمه (خليل باشا جاده سي) ...وعملت المعاول ليلاً على هدم دور وحوانيت الحيدر خانه وأسواق باب الأغا على رؤوس ساكنيها ... حتى إذا أصبح الصباح كان منظر البيوت وأثاثها المبعثـرة والدكاكين وبضائعها المتناثرة ، مشهداً يدمي القلوب ويفتت الأكباد وليس في بغداد من يصغي إلى شكاواهم وتظلماتهم ...)). ...
لقد بدأ ذلك الفعل يوم الاثنين الموافق 20 آذار من سنة 1916 . وقد استؤنف العمل بالهدم من جديد نهار الخميس 11 أيار من سنة 1916 . وفي نهار الأحد العشرين من آب من تلك السنة جرت مراسيم افتتاح الجاده ، إذ تم نقش اسم خليل باشا على قاعدة منارة جامع السيد سلطان علي يوم الخميس الواقع في 19 تشرين الأول من سنة 1916 . وقد استمر هدم البيوت والحوانيت إلى أواخر آذار سنة 1917 أي بعد الاحتلال الانكليزي لمدينة بغداد ببضعة أيام (تم احتلال بغداد يوم 11 آذار من سنة 1917) . وفي سنة 1920 أرادت حكومة النقيب توسيع الجادة الحالية إلى ما مقدار عرضه 30 متراً لتسوية اعوجاجها . وقد أخذ المهندسون يتفاوضون في أي جانب من الجاده يجب هدمه ، إذ تبرز في سبيلهم عقبتان ... فإن هدموا الجانب الواقع إلى طرف النهر يشخص أمامهم جامع السيد سلطان علي ، فضلاً عن عمران تلك الجبهة . وإن هدموا الجانب الآخر وهو أقل عمراناً ، فيعرقل سبيلهم جامع مرجان ويحول دون بلوغ الأبنية المراد هدمها .
ساهم إنجاز مشروع شارع الرشيد « شارع يشق العاصمة بغداد طولاً من شمالها إلى جنوبها «نقول ساهم في فتح الأبواب على مصاريعها أمام تدفق وسائل التمدن ، ومنها إنشاء الأبنية الحديثة على جانبيه ، ومنها استيراد السيارات من مناشئها الأوروبية والأميركية في فاتحة العشرينيات من القرن الماضي . ثم جاء التوسع الأخير (للشارع الجديد) الاسم الذي أطلقته عليه سلطات الاحتلال الانكليزية ، ثم صار اسمه الثالث والأخير شارع الرشيد كما هو باقٍ إلى غاية تاريخه ... نقول جاء التوسع الأخير ليعين على إعماره من جانبيه ، يوم كان نشأت السنوي أمينا للعاصمة ( 1930 - 1925) .
وبادئ ذي بدء ، فقد جرى التبليط بتعديل الشارع ومن ثم فرش الرمل والحصى الناعم، ليتم وضع المشبك الحديد (BRC) ، بعدها جاء دور التبليط بالشوبك المصنوع من الخشب والمدهون بالنفط الأسود كي لا تلتصق ذرات الرمال بالقير الأسود .وقد أخذت عملية التبليط أشهراً عدة ... وكان من ضحايا تبليط شارع الرشيد أمين العاصمة نفسه ، الذي تم نقله إلى مكان آخر (في حومة عملية الإعمار) لسبب ظل مجهولاً إلى زمن طويل بعد وقوعه . وبانتهاء عملية التبليط ، صار شارع الرشيد المتنزه الأمثل لأهالي بغداد ، وعلى نحو خاص سكان الكرخ الذين جاءوا عبوراً إلى الجهة الشرقية من بغداد ، وقاموا يحجزون لهم أماكن جلوس على أطراف المقاهي الكثيرة المنتشرة على جانبي الشارع عصر كل يوم للتفرج على الناس الرائحين والغادين ، فضلاً عن قيام كثير من الفضوليين بانتظار قدوم عربات الغانيات من محلة الميدان شمال بغداد متجهات إلى الباب الشرقي في الجنوب ... مروراً بشارع الرشيد على طوله ، وأغلبهنَّ يركبنَ سيارات فارهة مكشوفة (أم التنتا) أو يمتطين العربات ام الربل التي يجرها جوادان ويقودها حوذي (عربنجي) من أهل الكار أولئك الذين دخلوا ذلك التاريخ من أوطأ أبوابه لما معروف عنهم من سوء الخلق ، أقول تمر الغانيات وهنَّ في غالبيتهنّ من ذوات الجمال والأبهة التي تحسدهنّ عليها كثير من نساء بغداد لقاء مع امين المميز حين دخلت الكهرباء البيوت: للذكريات طعم خاص وخاصة عندما يتحدث عنها أصحاب الذاكرة والذين يؤرخون جانبا من حياتهم الخاصة او حياة مدينتهم التي يعتزون بها.. واليوم يتحدث شاهد من اهل بغداد.. انها مناسبة للذكرى ومناسبة للحديث عن الماضي الجميل للمدينة الجميلة. الاستاذ امين المميز يعود بنا من خلال هذا الحوار الذي استذكر فيه بغداد القديمة.. كيف كانت وكيف عاش البغداديون فيها... *الاستاذ امين المميز: انت من قدامى البغداديين، فهل لك ان تنورنا عن بعض نواحي الحياة البغدادية التي عاصرتها، وذلك بمناسبة يوم بغداد لهذا العام؟ - نعم ، لقد فطنت على بغداد ايام العهد العثماني وكان عمري نحو الست سنوات، وكانت محصورة بين الخندق ونور مجلة من جهة الرصافة، وبين النهر وحقول وبساتين ومقابر الشيخ معروف والشيخ جنيد، ومن الشمال محلة الجعيفر ومن الجنوب محلة الكريمات من جهة الكرخ ويربط الصوبين جسر خشبي عائم مكون من جساريات من الخشب ومهدد بالقطع كلما ارتفع منسوب مياه دجلة، بينما كان في بغداد قبل العدوان الثلاثيني عشرة جسور حديدية ثابتة دمرت ثلاثة منها بالقصف العداوني وتم اصلاحها بوقت قياسي وجهود عراقية جبارة ومواد محلية صرفة. كان يحيط بغداد سور لم يبق منه الان جزء قليل يقع بين قاعة الشعب وجامع الازبك، وكان في السور القديم اربعة ابواب هي باب المعظم وباب الطلسم والباب الوسطاني والباب الشرقي، وكان ترددي على باب المعظم اكثر من الابواب الاخرى لاننا كنا نمر منها في طريقنا الى بستان الصرافية، الواقعة خارج السور والخندق، وقد هدمت باب المعظم سنة 1925م لتوسيع الساحة المقابلة لها والتي تقع عليها قاعة الشعب، كانت بغداد يوم ذاك عبارة عن محلات وبيوت متلاصقة اشبه بكورة الزنابير، تتخللها درابين وعكود ضيقة بعضها لايتجاوز عرضة مترين.
ولم يكن في بغداد الامس لا شوارع ولا ساحات ولا حدائق ولا متنزهات ولا ملاعب رياضية. واول شارع فتح فيها كان ايام الوالي خليل باشا وقد سمي باسمه (خليل باشا جاده سي) ويسمى اليوم شارع الرشيد، ان فتح هذا الشارع قد لازمته مشاكل عديدة، فعندما اقترب الهدم من منطقة الحيدر خانة احتج الاهالي واصحاب الدكاكين والوجهاء الذين يطال الهدم بيوتهم. فما كان من رئيس البلدية وكان يومئذ المرحوم رؤوف الجادرجي، الا ان يامر بالهدم ليلا، ولما الصباح اصباح جوبه الناس بالامر الواقع وليس لديهم من يشتكون اليه الا الله، ثم استمر الهدم حتى بلغ محلة السنك حيث تقع القنصلية البريطانية المعروفة محليا (بيت الباليوز) فاعترض القنصل البريطاني على هدم بعض مرافق القنصلية وجزء من حديقتها، فتوقف الهدم حتى نهاية الحرب العاليمة الاولى وبعد احتلال بغداد استمر تنفيذ المشروع حتى وصل الى الباب الشرقي، لقد كانت هناك قنصليات اخرى عدا القنصلية البريطانية استفادت من توقف الهدم منها القنصلية الالمانية وكانت اوسع القنصليات ابان تشييد خط برلين – بغداد واشتهر قنصلها بين الاوساط البغدادية التي كانت تتندر باخباره، وكان اسمه (الهر ريجارد)، ولكن الاهالي يسمونه (ريشان) وكان اقرب اصدقائه ووكيل مشتريات القنصلية المرحوم الملا عبود الكرخي وكان القنصل الالماني (ريشان) ينتقل بين محلات بغداد راكبا عربة ذات (جرخين) يجرها (تك حصان) يسوقه القنصل نفسه. لم تكن بغداد التي وصفتها انفا من انها مثل (كورة الزنانير) بحاجة الى وسائط نقل، فكان الناس ينتقلون اما مشيا على الاقدام او ركوبا على الدواب، واتذكر بعض الذين شاهدتهم يركبون الخيل والحمير او البغال، سواء اثناء العهد العثماني او ابان الاحتلال البريطاني او في اوائل الحكم الوطني منهم الطبيب اليوناني (ياقو) الذي كان يمتطي حمارا اسود اللون، والطبيب الايراني اليهودي (مرزا يعقوب) الذي كان يزور مرضاه راكبا فرسا بيضاء، واليهودي (مير الياس) الذي كان يمتطي حمارا حساويا ليوصله من بينه في (ابو سيفين) الى المستشفى الذي شيده في العلوازيه. والعالم عبد السلام الشواف الذي كان يطوف محلات الكرخ ممتطيا البرنون الابيض، والشاعر الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي الذي كان يركب بغلة بيضاء، وصلاح الدين الضراع متولي اوقاف العلوية المعروف بين اصدقائه ومحبيه (الملا شجر) الذي يمتطي حمارا ابيض، ومن الشخصيات الاخرى كان المرحوم (ادوار سيزار) الذي كان مترجما لدى الحاكم العسكري (ارنولد ويلسون) ثم مع السيد برسي كوكس، وبع ذلك كان مدرسا للغة الانكليزية في المدرسة الثانوية فكان الشاهد بين حين واخر راكبا حصانا ومعتمرا برنيطة ومصطحبا حقيبة تضم الرسائل و(الصوغات) و(الخرجية) التي يرسلها نوري السعيد بواسطة الحاكم العسكري الى عائلته التي كانت تسكن محلة (رأس الكنيسة) ابان وجوده خارج العراق بمعية الملك فيصل الاول. اما وسائط النقل الأخرى غير الخيل والحمير والبغال فكان (البلم) و(الكفة) و(الجلج) و(الشختور) وسائط النقل النهري، والعربات على انواعها (الربل) او (اللاندون) والبرشقة من وسائط النقل البري. ولما تولى الوالي المصلح مدحت باشا ولاية بغداد سنة 1879 م اسس واسطة نقل بري جديدة هي (الكاري) الذي يصل صوب الكرخ بالكاظمية، ان عربة (الكاري) تسير على سكة الحديد ويجرها زوج من الخيول تستبدل بزوج اخر من منتصف الطريق بين الكرخ والكاظمية وهي محطة (المنطكة) لقد ركب (الكاري) مرة واحدة في حياتي وكأني ركبت طيارة (جامبو) فقد دعاني صديقي المرحوم إبراهيم الجلبي ابن الحاج عبد الحسين الجلبي وزير المعارف في معظم الوزارات العراقية الى قصرهم المعروف بـ (القصر ابو الايل) وهو المحطة قبل الاخيرة من وصول الكاري الى الكاظمية وهو الآن موقع ساحة الشاعر عبد المحسن الكاظمي.
وكانت الدعوة لتناول الغداء يومئذ (الفسنجون) وهي أكلة ايرانية يسحنها طبلخهم الايراني المدعو (ميرزا قلي)!!. ايها الاخ الكريم: لقد جئت لزيارتي بالسيارة وربما استغرقت الرحلة بين بيتك وبيتي ربع ساعة.. ولكن هل تعلم كم كانت الرحلة تستغرق من الوقت بين دارنا القديم الواقع في محلة (الدنكجية) وداري في الصرافية؟ كانت تستغرق بين ساعتين او ثلاث ساعات واليك التفاصيل: نغادر البيت صباحا باتجاه سوق السراي مشيا على الاقدام، ونستقل (البلم) من شريعة (المكتب) ليوصلنا الى شريعة المجيدية (موقع مدينة الطب) حيث ينتظرنا الفلاح مستصحبا الخيل التي نمتطيها لتوصلنا الى بستان الصرافية موقع لسفارة اللبنانية حاليا) قنصلها بعد ثلاث ساعات على اقل تقدير ومثل هذا الوقت تستغرق رحلة العودة من الصرافية الى الدنكجية. فقارن بين تلك الرحلة وبين رحلتك في الوصول الى بسيارتك اما السيارة الوحيدة التي وصلت بغداد في اواخر العهد العثماني فكانت سيارة الوجيه (حمدي بابان) ما عدا سيارة الوالي (خليل باشا) ولاسيارة غيرهما في بغداد، اما الان فان مئات الآلاف من السيارات تطوف شوارع بغداد التي صارت تزدحم بها. سؤال (2): هل لك ان تنورنا عن الخدمات العامة في بغداد كما عرفتها وبغداد اليوم؟ الجواب: اظن انك تقصد بالخدمات العامة الماء، الكهرباء، الامن، والصحة وما شاكل ذلك مما تقوم به عدة وزارات ومؤسسات وامانة بغداد في الوقت الحاضر. فاما الماء، فكان امرنا معه مفجعا ومؤلما وبائسا. كنا نعتمد على السقاقي (جمع سقا) لتزويدنا بالماء من اقرب شريعة، وهي مياه ملوثة وقذرة و(خابطة) خاصة في مواسم الفيضان، فتملا (الحباب) بها ونصفي شيئا منها (بالبواكات) للشرب، ونستعين احيانا بماء البئر، ولكنه مالح و(مج) لايصلح لا للشرب ولا للطبخ، وكنا نستعمل البئر، (كثلاجة) لتبريد الفواكه في الصيف لان ماء البئر بارد يكون دافئا في الشتار فنـــستعمله للوضــــوء!! وبعـــــد الاحتلال البريــــطاني لبغداد تاســـــست في بلدية بغداد لجنة اسالة الماء، فشيدت منشآت بدائية في ستان الصرافية، فحفرت احواضا واسعة كي تملؤها بالماء الذي تسحبه المضخات من النهر ثم تضخه بالانابيب الى بعض مناطق بغداد، وبعد ذلك تتم تصفيته بالشب، فلا (كلور) ولا (اوزون) ولاهم يحزنون!!.
واما الكهرباء، فلم تكن تذكر في بغداد حتى الاحتلال البريطاني سنة 1917 وكانت وسائل الانارة تقتصر على الفوانيس واللالات والثريات اوالايزات و(الادارات) التي تنار بالنفط والقناديل التي تنار (بالشيرج) وعلى شموع الكافور. وبعد الاحتلال تاسست في (العبا خانة) محطة للكهرباء لتزويد الشوارع والدور والدوائر بالكهرباء، فصرنا ندرس على ضوء المصابيع الكهربائية المنصوبة في الشارع المؤدي الى الجسر والمسمى يومئذ (عكد الصخر) وبعد عدة سنوات من تلك المعاناة توسعت شركة الكهرباء واسست محطة كهرباء الصرافية التي الغيت في الوقت الحاضر، بعد انشاء مصلحة الكهرباء الوطنية. اما الامن فانه يتقف على قوة وضعف وحزم السلطة. فاذا كان جهاز الامن قويا وحازما امن الناس على حياتهم واموالهم وعلى اعراضهم. ولكن الجهاز كان على العموم ضعيفا في العهود الماضية، والعقاب على الجرائم متساهلا جدا ولم يحصل في بغداد طوال العهد العثماني غير حادثة اعدام واحدة عن جريمة اقترفها قاتل من اصل الاعظمية اسمه (ملكي) عندما ذبح ابن اخته في بستان الصرافية من الوريد الى الوريد فحكم بالاعدام ويجوز تخفيف العقوبة اذا ما تنازلت والدة المقتول عن حقها الشخصي ولكنها رفضت ان تتنازل واصرت على تنفيذ حكم الاعدام باخيها امامها. ان حفظ الامن الداخلي لم يكن من واجبات الجيش العثماني وان واجب الجندرمة لايمثل الحراسة الليلية المنوطة بجهاز خاص يطلق على افراده اسماء (الجرخجية او البصوانية او البكجية، وهي كلمة تركية تعنى الحارس الليلي). ان اصلاح الشرطة لم يكن معروفا في العهد العثماني فكان الافراد المناطة بهم مهمة الشرطة يعرفون اما (جندرمة) او (نوبة جي) او (جته) او (الهائية) ثم صار الشرطي يسمى (البليص) ومركز الشرطة (الوليس خانة). يروى تاريخ بغداد ان احد الولاة المسمى (سليمان باشا ابو ليلة) وقد اشتهر بهذا الاسم لانه كان يقوم بالتفتيش على الامن في بغداد او مباغتة الخارجين على القانون من العشائر ليلا، لذلك سمي (ابو ليلة) وعرضا فان سليمان باشا هذا هو زوج عادله خاتون بنت احمد باشا والي بغداد الذي اشتهر بمواقفه لحماية بغداد من الغزو الفارسي ايام نادرقلي شاه ايران الذي حاصر بغداد لمدة سبعة اشهر ولكنه لم يستطع اقتحامها، لان البغادة صمدوا للحصار ايما صمود ولما ارسل الشاه وفدا ليفاتح الوالي باستلام اوعز الوالي الى اصحاب العلاوي والدكاكين ان يعرضوا اما الوفد كل مالديهم من سلع وبضائع وطعام وشراب وفواكه. فانبهر الوفد مما شاهدوه من خير لدى اهل بغداد بعد حصار دام سبعة اشهر، فعاد الوفد ليخبر الشاه بعدم جدوى الحصار لان هؤلاء الناس (ما ينحطون بالعب)، فما كان من الشاه المغرور الا ان يلملم جيشه ويحمل قلاقيله وينكفي الى اعماق ايران لايلوي على شيء!! ان للوالي موضوع البحث ابنة سماها عادلة خاتون وقد شيدت في بغداد جامعين يحملان اسمها. نعود الى موضوعنا عن الخدمات العامة في بغداد ايام زمان ان الكلام عن الصحة والامراض يدي القلب.
فلم يكن في بغداد مستشفيات ولا مستوصفات ولا عيادات ولا اطباء ولا دواء ولا تلقيح ولا اي شيء يحيي البشر من الموت، سوى دواء مستشفى واحد بني في جانب الكرخ في اواخر العهد العثماني من تبرعات الاهلين يسمى (مستشفى الغرباء) اصبح في اوائل الحكم الوطني مقرا للمجلس التاسيسي. ان معالجة المرضى كانت تتم على يد (المزانية) اي الحلاقين والدجالين والمشعوذين والسحرة وما اليهم وان العلاج كان بدائيا بشكل فظيع، واذا ما اجتاح البلد وباء كالطاعون اوابو زوعة (الهيضة) او التيفو او الجدري لم تعد المقابر تتسع للموتى، فاذا الم مرض بشخص مهما كان ذلك المرض بسيطا واملا للشفاء باقل قدر من الحيطة والمعالجة وبابسط انواع الاعشاب التي يشتريها المواطنون من سوق الشورجة او من سائر العطارين. وان النتيجة الحتمية هو الموت ، لنا اربعة اطفال لوالدينا، وقد اصيب الطفل الرابع بالحصبة التي كان يمكن معاجتها بسهولة في هذه الايام غير ان الاختلاطات التي رافقت المرض اودت بحياة الطفل لفقدان الدواء او اللقاح!!.
avatar
طارق فتحي
المدير العام

عدد المساهمات : 2805
تاريخ التسجيل : 19/12/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alba7th.3oloum.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى