تفسير سفر دانيال 7 - 8

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

تفسير سفر دانيال 7 - 8

مُساهمة  طارق فتحي في الثلاثاء ديسمبر 09, 2014 3:36 am

دانيال 7 - تفسير سفر دانيال
* تأملات في كتاب دانيال + تتمة السفر:
بعد أن أنهى النبي الأحداث التاريخية في الستة الإصحاحات الأولى يبدأ هنا بالأجزاء النبوية وفيها كثير من الغموض، بعضها تحقق والبعض متعلق بالأيام الأخيرة. ونفس النبوة قد تكون تحققت في زمن سابق ولكن سيتم تحقيقها في المستقبل بطريقة أخرى وقد تم صياغة هذه النبوات بحيث تحتمل تطبيقها عدة مرات.
الآيات (1-Cool: "في السنة الأوقات لبيلشاصر ملك بابل رأى دانيال حلمًا ورؤى رأسه على فراشه. حينئذ كتب الحلم وأخبر برأس الكلام. أجاب دانيال وقال.كنت أرى في رؤياي ليلًا وإذ بأربع رياح السماء هجمت على البحر الكبير. وصعد من البحر أربعة حيوانات عظيمة هذا مخالف ذاك. الأول كالأسد وله جناحًا نسر.وكنت أنظر حتى أنتتف جناحاه وانتصب على الأرض وأوقف على رجلين كإنسان وأعطي قلب إنسان. وإذا بحيوان آخر ثان شبيه بالدب فارتفع على جنب واحد وفي فمه ثلاثة أضلع بين أسنانه فقالوا له هكذا.قم كل لحمًا كثيرًا. وبعد هذا كنت أرى وإذا بآخر مثل النمر وله على ظهره أربعة أجنحة طائر.وكان للحيوان أربعة رؤوس وأعطي سلطانًا. بعد هذا كنت أرى في رؤى الليل وإذا بحيوان رابع هائل وقوي وشديد جدًا وله أسنان من حديد كبيرة.أكل وسحق وداس الباقي برجليه.وكان مخالفًا لكل الحيوانات الذين قبله وله عشرة قرون. كنت متأملًا بالقرون وإذا بقرن آخر صغير طلع بينها وقلعت ثلاثة من القرون الأولى من قدامه وإذا بعيون كعيون الإنسان في هذا القرن وفم متكلم بعظائم."
هنا نجد رؤيا خاصة بأربعة ممالك اضطهدت شعب الله، وهم اليهود في العهد القديم، أما في العهد الجديد فشعب الله هو كنيسته. وهكذا قال السيد المسيح "في العالم سيكون لكم ضيق" لذلك كان تشبيه هذه الممالك بأربعة وحوش. وهذه الرؤيا هي إعادة لحلم نبوخذ نصر في الإصحاح الثاني. والفارق أن نبوخذ نصر كإنسان مادي دنيوي يعتبر ممثل للقوى العالمية، هو يهتم بالقوة والمجد العالمي، أو هو ينبهر بقوة الممالك وعظمتها، لذلك رآها في شكل تمثال هائل رأسه ذهب وقدماه حديد. وهناك رأى بأن التمثال الذي أقامه بطول 60 ذراعًا (إصحاح 3) مشابه لتمثال الحلم، وأقامه كله من ذهب مع أن الله أظهر له في الحلم بأن التمثال لن يستمر ذهبًا، بل ستنتقل السلطة إلى مملكة أخرى ثم مملكة ثالثة إلى أن يباد التمثال كله، إلاّ أنه قد تصور أنه بإقامته لهذا التمثال سيحافظ على مملكته ذهبية إلى الأبد. وكان الله يريد أن يريه أنه لا ثبات لأي مملكة عالمية وكل مملكة عالمية، لها نهاية وأن كل حاكم هو حاكم وقتي وبسماح من الله أما ملكوت المسيح فأبدي.
أما دانيال كإنسان روحاني لا يهتم بأمجاد هذا العالم فقد رأى هذه الممالك في صورتها الحقيقية كوحوش كاسرة تتحكم فيها طبيعتها الحيوانية الدموية. وهذه الممالك طالما اضطهدت شعب الله وسفكت دماء القديسين. والشيطان هو الذي يثير هذه الممالك ضد شعب الله ويهيج ملوكها ضدهم. ولذلك رأى دانيال أربع رياح السماء هجمت على البحر الكبير. وقارن مع (أف2:2) فالشيطان يسميه الرسول "رئيس سلطان الهواء الذي يعمل في أبناء المعصية". ولكننا نرى في (رؤ1:7) أن هناك أربعة ملائكة ممسكين بأربع رياح الأرض لكي لا تهب ريح على الأرض إلا بسماح منهم. والمعنى أن الرياح هي التجارب والآلام والضيقات التي يعانى منها شعب الله والتي يثيرها عدو الخير، ولكن شكرًا لله فكل هذا بسماح منه وتحت سيطرته.
توضيح العلاقة بين رؤى إصحاحات 2، 7، 8
والبحر قد يكون هو البحر المتوسط الذي يتوسط ممتلكات هذه الممالك الأربعة، فبابل وفارس امتدت أملاكها حتى الساحل الشرقي والجنوبي للبحر المتوسط أي سوريا وفلسطين ومصر. أما اليونان والرومان فقد امتلكوا كل هذا بالإضافة لأوروبا على الساحل الشمالي. ولكن البحر في الكتاب المقدس يشير للعالم  المضطرب الهائج وماؤه المالح من يشرب منه يعطش. وإبليس رئيس العالم سلطان الهواء هجم برياحه على البحر، أي عمل بقوته من خلال هذه الممالك واضطهد شعب الله، فهياج البحر هو الضيقات التي تواجه شعب الله لكنها تحت سيطرة الله وبسماح منه. وهي أربعة رياح فرقم "4" يشير لكل أنحاء العالم فالضيقات تواجه شعب الله أينما كانوا. وتعنى أربع رياح أن معارك هذه الممالك ستشمل كل مكان وستكون عنيفة. لكن لنعلم أنه وإن كان الشيطان يستعمل هذه الممالك لاضطهاد شعب الله، فالله ضابط الكل يستخدم كل الأمور لخير شعبه. فهو القادر أن يخرج من الجافي حلاوة. فهو استخدم بابل لتأديب شعبه فامتنعوا عن العبادة الوثنية، ثم استخدم فارس لتحرير شعبه من بابل. واليونان بانتشارهم في كل العالم وانتشار لغتهم وكونها أصبحت لغة عالمية فهذا مهد السبيل لنشر الكتاب المقدس في العالم كله، فقد كتب العهد الجديد باليونانية وتمت ترجمة العهد القديم لليونانية (الترجمة السبعينية). والرومان بامتلاكهم العالم كله مهدوا السبيل للرسل والتلاميذ لنشر الكرازة في العالم كله. فالرومان مهدوا الطرق عبر كل المملكة، وكل الطرق متجهة إلى روما. وهناك علامات في كل طريق تشير للمسافة المتبقية إلى روما العاصمة.

وفي (1) رأس الكلام = لب أو أصل الموضوع.
وفي (4) أسد له جناحان. وهذا يماثل الرأس الذهبي في تمثال نبوخذ نصر والحيوانات المجنحة هي طريقة معروفة لتصوير ملوك أشور وبابل. وقد وجد هذا في النقوشات الأثرية، وفيها تصويرهم على شكل أسود وثيران مجنحة بأجنحة نسور، فالأسد والثور يشيران للملك والسلطة والقوة والضراوة وأجنحة النسور تشير لسرعة الفتوحات. (جريدة الأهرام نشرت هذا الخبر عن العثور على هذه النقوشات الأثرية بتاريخ 5/6/90) وملك بابل مشبه هنا بأسد فله سلطة مطلقة. ونجد بعد ذلك أنه إنتتف جناحاه = هذا يشير:
[1] أنه بعد جنونه قد شفى من وثنيته وتبدل قلبه الوحشي لقلب إنسان = أوقف على رجلين كإنسان وأعطى قلب إنسان (دا 34:4-37) [2]يشير هذا أيضًا لضعف المملكة بعد موت نبوخذ نصر. ثم وصلت بهم الحال للهزيمة أمام جيش كورش. وفي هذا التشبيه والحيوان بلا جناحان فهو غير قادر على الطيران أو الانقضاض أو الغزو والحرب. وكانت آخر حروب بابل المسجلة سنة 568 ق.م. مع مصر.
وفي (5) الدب هنا يشير لمادي وفارس. ومادي هو الجانب الأسفل من المملكة أي الغير عامل. وفارس هي الجانب الأعلى من المملكة = فأرتفع على جنب واحد. ففي بدايات هذه المملكة كانت مادي هي المملكة الكبيرة وفارس هي المملكة الأصغر. ولذلك ففي بدايات هذه المملكة كانت تسمى مادي وفارس. وداريوس كان من مادي غير أنه كان خاضعًا لكورش (دا 6: Cool. ومع مرور الزمن أصبحت فارس هي القوة الكبيرة وتغير اسم المملكة إلى فارس ومادي (إس 1: 3) ولا يزال شكل الدب يرى في الحجارة الأثرية لهذه المملكة. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات والتفاسير الأخرى). والدب ليس في قوة الأسد ولكنه ليس أقل وحشية (عا 5: 19) ثلاث أضلع بين أسنانه = تشير لثلاث ممالك كبيرة التهمها هذا الدب الفارسي = وهي غالبًا بابل ومصر وليديا. عمومًا لقد امتدت فتوحات فارس في ثلاث اتجاهات شمالًا وجنوبًا وغربًا (8: 3، 4) شمالًا = ليديا وأرمينيا. وجنوبًا = مصر   وغربًا = اليونان وتركيا.
وقم كل لحمًا كثيرًا = هذا يشير كما قلنا سابقًا لنظام الضرائب المحكم الذي جعل فارس أغنى دولة.
وفي (6) يشير النمر لمملكة اليونان. والنمر حيوان ضاري جدًا ويشتهر بسرعة انقضاضه. وقد قام الإسكندر بغزو العالم في سنوات قليلة جدًا. ويشير لسرعة فتوحاته أنه له أربعة أجنحة بالمقارنة بجناحين لبابل. والإسكندر الأكبر في خلال 6 سنوات تسيد على كل إمبراطورية فارس ومصر وسوريا والهند وأمم أخرى. وهذا النمر يشير للجزء النحاسي في التمثال، بينما مادي وفارس يشار لهما هنا بدب على جانب واحد وفي التمثال بالصدر وذراعين فضة. وكان للحيوان أربعة رؤوس = بعد موت الإسكندر ولم يكن له أولاد، تولى قادة جيشه الكبار حكم المملكة واقتسموها كالتالي:

1.     مقدونيا واليونان (اليونان حاليًا)                             تولاها   كاساندر
2.     تراقيا وبيثينية (تركيا حاليًا)                                           تولاها   ليسيماخوس
3.     سوريا حتى حدود الهند (سوريا والعراق وإيران وباكستان)         تولاها   سلوكس
4.     مصر وليبيا                                                            تولاها   بطلميوس
ويسمى ملك مصر ملك الجنوب وملك سوريا ملك الشمال.
وذكر الأجنحة قبل الرؤوس يعنى انتشار المملكة قبل اقتسامها.
وفي (7) نجد وحش جديد ليس له شبيه وهو أعقب الدولة اليونانية ومن  المعروف أن الدولة الرومانية هي التي قامت في أعقاب اليونان. وكانت إمبراطورية رهيبة شملت أوروبا وإفريقيا وأجزاء من أسيا. وكان البحر الأبيض يتوسط هذه الإمبراطورية ولذلك سمى بالمتوسط. وكانت في بدايتها قوية كالحديد، لذلك فهذا الحيوان يماثل الرجلين الحديد في تمثال نبوخذ نصر. ولكن هذه الإمبراطورية في نهايتها صارت ضعيفة وتفككت فصارت مثل الأصابع، وأجزاء منها قوية كالحديد وأجزاء منها ضعيفة كالخزف.
والتماثل بين هذه الرؤيا (إصحاح 7) وتمثال نبوخذ نصر (إصحاح 2) تتضح من أن هذا الحيوان له أسنان حديد كبيرة. وفعلًا فقد أكل هذا الحيوان كل الأمم الأخرى وداسها وسحقها. وسيطرت الدولة الرومانية على العالم لأكثر من 500 سنة. ولقد ولد المسيح في زمان هذه الدولة وكان هو الحجر الذي قطع بغير يد = ولد بدون زرع بشر.
وهذا الحيوان كان له عشر قرون. الإمبراطورية الرومانية لها شكلان، الأول هو الذي ظهرت به في القديم، أيام مجدها وكان يتوسطها البحر المتوسط الذي كان كبحيرة رومانية. والشكل الثاني هو الذي تنبعث به الدولة الرومانية في نهاية الأيام كدولة متحدة لكن لكل دولة شكلها وشخصيتها المستقلة، أي شكل الأصابع في رجل واحدة، ولكن بعض الأصابع حديد وبعضها خزف وفي الشكل الأول تكون العشر قرون هم  العشر أباطرة (نيرون - دقلديانوس) الذين اضطهدوا الكنيسة. وفي أيام نيرون استشهد الرسولين بطرس وبولس وبنهاية دقلديانوس انتهي عصر الاستشهاد، وهذا ما كان يعنيه سفر الرؤيا بقوله يكون لكم ضيق عشرة أيام (رؤ10:2). فالعشرة أيام هنا هي عشرة فترات زمنية يكون فيها ضيق للكنيسة ومع كل هذا الضيق تنمو الكنيسة وتمتد، فكما أن الحجر قطع بلا يد أي بعمل إلهي = فالمسيح ولد بدون زرع بشر، هكذا نمو الكنيسة يكون بعمل إلهي. ومازالت هذه الكنيسة تمتد عبر العالم كله مكونة جبل عال رأسه المسيح الذي يملك ليس على ممالك دنيوية زائلة، بل يملك بصليب محبته على قلوب شعبه.
وفى الشكل الثاني للإمبراطورية الرومانية يكون العشر قرون هم عشر ملوك يساندون الوحش الذي سيظهر في آخر الأيام (رؤ12:17). ومن المعروف أن التمثال سيُضرب في هذه الأيام أي أيام الوحش وينتهي شكل العالم الحالي، وهذا يُمثَّل في التمثال بأنه يصير كعصافة البيدر (دا2: 35). فالحجر ضرب التمثال على القدمين اللذين من حديد وخزف (دا2: 34). فالإمبراطورية الرومانية كانت في أوج عظمتها عندما وُلِد المسيح، وهذا يمثَّل بفترة الحقوين في التمثال. ولكن ضرب التمثال الذي يشير لنهاية العالم سيكون مع الشكل الجديد للدولة الرومانية.
وفي آية (Cool قرن آخر صغير: نجد هنا قرن صغير وفي (دا 8:9) نجد قرن آخر صغير. وفي بعض الأحيان يخلط المفسرون بينهما، ولكن هناك فروق واضحة:
قرن إصحاح (7) هو قوة جديدة لا علاقة لها بالممالك السابقة فهو ليس امتدادًا لأحدها. هو قام وسطها وهو مختلف عنهم، وهذا معني قرن آخر. بينما أن قرن إصحاح (Cool هو امتداد لقوة عالمية موجودة إذ يقول في (دا 8: 9) ومن واحد منها خرج قرن صغير. إذًا هو ليس قوة جديدة أو مختلفة ولكن هو امتداد وتطوير لقوة موجودة. هو خرج من أحد القرون الأربعة التي انقسمت إليها مملكة الإسكندر (غالبًا هو سيخرج من مملكة الشمال كما سيأتي فيما بعد أي سوريا وفلسطين).
في اللغة الأصلية كلمة قرن صغير في إصحاح (7) تختلف عن كلمة قرن صغير في (Cool. ففي إصحاح (7) كلمة قرن صغير تشير لقرن صغير آخر.   أما الكلمة قرن صغير في (Cool فتعنى "أقل من القلة" أو "قرن من القلة". (غالبًا القلة هنا هم اليهود كما سيأتي فيما بعد) ولاحظ أن المعنى، أنه سيبدأ صغيرًا جدًا من وسط القلة، وهو أقل من القلة ولكنه يتعظم جدًا.
قرن إصحاح (Cool ينتهي بتطهير القدس (8: 14) أما قرن إصحاح (7) فهو مستمر لنهاية الأيام، حين يجلس الدِّين (7:9) فما أعقب هذا القرن هو الدينونة، أي أنه مستمر إلى المجيء الثاني.
قرن إصحاح (7)
ومعنى هذا أن هذا القرن قد استولى على ثلاثة ممالك من الأربعة المذكورين. وهذا القرن الصغير مواصفاته أنه له عيون كعيون إنسان وفم متكلم بعظائم = وهذا يعنى أنها هرطقة تنكر أن المسيح هو الله. وكلمة عظائم في الإنجليزية Presumptuous things لا تعني تجاديف بل كلمات بجرأة ووقاحة. ووردت في ترجمات أخرى Pompous أو Great  أي شيء متسم بالغرور. وهذا ينطبق على الهرطقات التي ظهرت بعد أن تحولت الإمبراطورية الرومانية للمسيحية، مثل هرطقات أريوس ونسطور وغيرهم. وهذه الهرطقات ظهرت في مصر على يد أريوس وكذلك في ليبيا وانتشرت في سوريا والشرق حتى إيران، ووصلت إلى قصر قسطنطين أي القسطنطينية وهي تركيا حاليًا أي أنها امتدت إلى مصر وسوريا وتركيا وهذه هي الثلاثة قرون التي أكلها القرن الصغير. وهناك رأى بأن هذه الجرأة والوقاحة ظهرت في الشيوعية الملحدة والتي اضطهدت المسيحية. ومن بشاعة اضطهاد الحيوان الرابع وهذا القرن الصغير قيل في آية (7) كنت أرى في رؤى الليل، إشارة لبشاعة ووحشية هذا الوحش وهذا القرن الصغير.
الآيات (9-10): "كنت أرى أنه وضعت عروش وجلس القديم الأيام. لباسه أبيض كالثلج وشعر رأسه كالصوف النقي وعرشه لهيب نار وبكراته نار متقدة. نهر نار جرى وخرج من قدامه.ألوف ألوف تخدمه وربوات ربوات وقوف قدامه.فجلس الدين وفتحت الأسفار."
في (9) وضعت عروش = التعبير الأرامي المستخدم لكلمة وضعت هو فُرِشت دلالة على فرش البسط والوسائد على ديوان العرش في الممالك الشرقية. والمعنى المصور هنا أن الله يستعد ليوم الدينونة. وهذا مما يعزى شعب الله في كل زمان أن هناك يوماً سيدين الله فيه كل ظالم. والله الآن في السماء يضحك بهؤلاء الظالمين (مزمور 2) فهم يتصورون في حقدهم أنهم ينتقمون من شعب الله والحقيقة أنهم ينفذون خطة الله من نحو شعبه، فهذا ما حدث مع المسيح نفسه. لذلك فالله يضحك بهم كأنه يقول " إصنعوا ما شئتم وفى النهاية ستجدوا أنكم نفذتم ما أريده أنا" . هنا كلمة وضعت عروش تقابل إنهيار العروش الدنيوية. فعرش الله ثابت أزلي أبدى، أما هذه العروش التي كانت للوحوش فهي تقوم في فترة زمنية ثم تختفي. ونلاحظ أن الله له عرشه، والأربعة والعشرون قسيساً لهم عروشاً. وما يعزى شعب الله أن كل ما يحدث هو تحت سيطرة الله وهو لخير شعبه دائماً. عرشه لهيب نار وبكراته نار متقدة = فإلهنا نار آكلة. والبكرات تشير لقصد الله وتدبيره عبر التاريخ (راجع تفسير حزقيال 1) وتدبير الله كله حكمة. وهذا ما يشير إليه قوله قديم الأيام. وشعر رأسه كالصوف النقي. فبلغة البشر، فالشيخوخة وكبر السن يتناسبان طردياً مع الحكمة فيقال فلان له حكمة الشيوخ. وأحكام الله كلها عدل وبر ومحبة وهذا يشير له = لباسه أبيض كالثلج. ونهر نار خرج من قدامه= إشارة إلى دينونته القادمة. ولكنه لأحبائه نهر ماء صافي (رؤ1:22) . وأمام حكمة الله ليصمت كل لسان وكل معترض على أحكامه. وهو محاط بملائكته كما سيأتي في مجيئه الثاني محاطاً بهم.
الآيات (11-12): "كنت أنظر حينئذ من أجل صوت الكلمات العظيمة التي تكلم بها القرن.كنت أرى إلى أن قتل الحيوان وهلك جسمه ودفع لوقيد النار. إلى باقي الحيوانات فنزع عنهم سلطانهم ولكن أعطوا طول حياة إلى زمان ووقت."
سواء في رؤيا التمثال أو هذه الرؤيا للوحوش تسلسلت الممالك عبر التاريخ. يراها العالم ممالك عظيمة كما في التمثال،  ولكن في حقيقتها هي وحوش تحارب شعب الله. وهذه الممالك كانت بالترتيب الأسد (بابل) وعلى أنقاض بابل قام الدب (مادي وفارس) وعلى أنقاضه قام النمر (اليونان) وعلى أنقاضه جاء الحكم الروماني. ولم تذكر النبوة أنه انتهى بمجيء القرن الصغير ولكن سيبقيان معًا، الحيوان والقرن الصغير حتى نهاية الأيام. وهذا يتضح من الآية (11) التي تنقسم لقسمين. الأول خاص بالقرن الصغير. والثاني خاص بالحيوان. وهذه الآية وردت بعد أن بدأ النبي يرى عروشًا معدة. أي أن كلا الحيوان والقرن الصغير باقيان حتى مجيء المسيح الثاني. وفي آية (12) نجد باقي الحيوانات أي بابل وفارس واليونان موجودة ولكنها بلا قوة مؤثرة في مجريات الأمور. ولنراجع رؤيا التمثال في إصحاح (2) فنجد أن الحجر الذي قطع يشير للمسيح في ولادته، وهو ولد في زمان قوة وعظمة الدولة الرومانية ولم تنتهي الدولة الرومانية بميلاده بل استمرت ما يزيد على 400 سنة في قوتها. فما معنى أن الحجر سحق الحديد والخزف والنحاس والفضة والذهب معًا وصارت كعصافة البيدر في الصيف فحملتها الريح  فلم يوجد لها مكان 35:2؟
لنلاحظ في 11:7 أن في الدينونة أي في نهاية هذا العالم قتل الوحش وهلك جسمه ودفع لوقيد النار = فيبدو أن الممالك التي كونت الدولة الرومانية المحيطة بالبحر المتوسط ضعفت لفترة ما بعد القرن الخامس والسادس الميلادي، لكنها ستعود للظهور بقوة تؤثر في مجريات الأحداث قرب نهاية الأيام وظهور الوحش. ومما يؤكد هذا (رؤ12:17) "والعشرة القرون التي رأيت هي عشرة ملوك لم يأخذوا ملكاً بعد لكنهم يأخذون سلطانهم كملوك ساعة واحدة مع الوحش" (راجع رؤ17) وبهذا التدعيم من الملوك العشرة للوحش سيخربون العالم ويضطهدون شعب الله ولكن سيكون شكل الدولة الرومانية مختلفاً. بعض من ملوكها حديد والآخر من خرف. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات والتفاسير الأخرى). وفي شكل الإمبراطورية الأول سيكون الملوك متعاقبين وهم بدأوا بنيرون وانتهوا بدقلديانوس (في القرن الرابع الميلادي) . وفي الشكل الجديد للإمبراطورية الرومانية سيكون العشرة ملوك في وقت واحد ومتزامنين مع ظهور الوحش، هذا الذي "يبيده المسيح بنفخة فمه" عند ظهوره الثاني (2تس8:2) . وبهذا نفهم كيف تحمل الريح عصافة البيدر (دا 35:2) وبهذا نرى هلاك كل أعداء الله وكنيسته (يه15) . ولاحظ أن الكلمات العظيمة ليست إلا كلمات باطلة سيعطي الناس عنها حساباً في اليوم الأخير. وبعد أن تزال هيئة هذا العالم سيكون شعب الله في مجد أبدي مع عريسهم في السماء. وراجع (رؤ1:13، 2) فالوحش الذي خرج من البحر كان شبه نمر وقوائمه كقوائم دب وفمه كفم أسد، أي نفس شكل الحيوانات السابقة ولكن نجدها هنا مجتمعة في وحش واحد أعطاه التنين قدرته وعرشه وسلطاناً عظيماً. فيبدو من هذا أن وحش الأيام الأخيرة سيكون جامعاً لكل صفات الوحوش السابقة الشريرة. فالشيطان في نهاية الأيام سيكون محلولاً لزمان يسير وهذه الأيام هي أيام الضيقة العظيمة التي لو لم تقصر لما خلص جسد (مت22:24) وراجع (إصحاح2) فالشيطان هو القوة المحركة وراء التمثال ووراء الوحوش أي وراء الممالك التي تضطهد شعب الله.
ولنلاحظ أن المجيء الأول للمسيح كان في عصر حقوى التمثال الحديدية، وقبل أن تنقسم الدولة الرومانية إلى مملكتين شرقية (روما) وغربية (القسطنطينية)، ويمثلهما القدمين الحديديتين. أما المجيء الثاني سيجيء في عصر الأصابع ليبيد كل سلطان في العالم، "فالأرض الأولى مضت والبحر لا يوجد فيما بعد" . وفي مجيء المسيح الأول لم يخضع له كل العالم (عب8:2) ، لكن في مجيئه الثاني سيخضع الجميع للآب (1كو28:15) وحينئذ يصبح المؤمنين جبلاً سماوياً يملأ الأرض الجديدة (دا 35:2 + رؤ1:21). فالآن المؤمنين وهم جسد المسيح قد صاروا جبلاً رأسه المسيح ولكن الصورة ستكتمل في مجيء المسيح الثاني. حين يَكْمَل الجبل (رؤ6: 9 – 12) الذي بدأ بحجر صغير (المسيح) الذي قُطِع من جبل (هو جسد البشرية) وظل ينمو حتى صار جبلاً كبيرا (إنتشرت الكنيسة في كل العالم). وحينئذٍ يأتى المسيح ليدين العالم.
الآيات (13، 14): "كنت أرى في رؤى الليل وإذا مع سحب السماء مثل ابن إنسان أتى وجاء إلى القديم الأيام فقربوه قدامه. فأعطي سلطانًا ومجدًا وملكوتًا لتتعبّد له كل الشعوب والأمم والألسنة.سلطانه سلطان أبدي ما لن يزول وملكوته ما لا ينقرض."
نبوخذ نصر رأى المسيح كصخرة قطعت بلا يد فهو ملك وثني، أما دانيال المحبوب من الله فقد رآه هنا شخصياً "مثل ابن إنسان" . والمسيح وجد في الهيئة كإنسان ليصبح وسيطاً بين الله والناس ليقترب الناس في المسيح من الآب. وهذا معنى قربوه قدامه = فبه تمت المصالحة . وكلمة قربوه تعني قدموه ذبيحة أي تقدمة (ومنها كلمة قربان) (لا2:1 + 1:2 + 1:3.. الخ) فالمسيح قُدِّم ذبيحة ليصالح الله مع الناس. وتأتى هنا كلمة قرَّبوه عن إبن الإنسان في مشهد الدينونة ففى الآيات 9، 10 نرى مشهد الدينونة. والمسيح إبن الإنسان سيشفع فينا يومها. وهو مثل ابن إنسان لأنه في حقيقته هو إبن الله وهو إبن الإنسان ولكنه بلا خطية. وحين ظهر لدانيال ظهر مع سحب السماء، فالسحب تصاحب ظهور الله في مجده (راجع حزقيال 1). وهكذا في صعود المسيح حجبته سحابة وفي مجيئه الثاني سيأتي على السحاب من السماء. وبالمقارنة مع الوحوش فهي تأتي من البحر. هو صعد ليجلس عن يمين أبيه فيعد لنا مكاناً، وفي مجيئه الثاني يأتي ليأخذنا لهذا المكان. وفيه سنوجد نحن قريبين من الله. وهذه المملكة الأبدية لم ولن تقوم مملكة أخرى بعدها. ولهذه النبوة كان المسيح يشير في رده على رئيس الكهنة في (مت64:26) وهكذا فهمها رئيس الكهنة لذلك قال قد جَدَّفَ.
الآيات (15-28): "أما أنا دانيال فحزنت روحي في وسط جسمي وأفزعتني رؤى رأسي. فاقتربت إلى واحد من الوقوف وطلبت منه الحقيقة في كل هذا.فأخبرني وعرّفني تفسير الأمور. هؤلاء الحيوانات العظيمة التي هي أربعة هي أربعة ملوك يقومون على الأرض. أما قديسوا العلي فيأخذون المملكة ويمتلكون المملكة إلى الأبد وإلى أبد الآبدين. حينئذ رمت الحقيقة من جهة الحيوان الرابع الذي كان مخالفًا لكلها وهائلًا جدًا وأسنانه من حديد وأظفاره من نحاس وقد أكل وسحق وداس الباقي برجليه. وعن القرون العشرة التي برأسه وعن الآخر الذي طلع فسقطت قدامه ثلاثة وهذا القرن له عيون وفم متكلم بعظائم ومنظره أشد من رفقائه. وكنت أنظر وإذا هذا القرن يحارب القديسين فغلبهم. حتى جاء القديم الأيام وأعطي الدين لقديسي العلي وبلغ الوقت فامتلك القديسون المملكة. فقال هكذا. أما الحيوان الرابع فتكون مملكة رابعة على الأرض مخالفة لسائر الممالك فتأكل الأرض كلها وتدوسها وتسحقها. والقرون العشرة من هذه المملكة هي عشرة ملوك يقومون ويقوم بعدهم آخر وهو مخالف الأولين ويذل ثلاثة ملوك.  ويتكلم بكلام ضد العلي ويبلي قديسي العلي ويظن أنه يغيّر الأوقات والسّنّة ويسلمون ليده إلى زمان وأزمنة ونصف زمان. فيجلس الدين وينزعون عنه سلطانه ليفنوا ويبيدوا إلى المنتهى. والمملكة والسلطان وعظمة المملكة تحت كل السماء تعطى لشعب قديسي العلي.ملكوته ملكوت أبدي وجميع السلاطين إياه يعبدون ويطيعون. إلى هنا نهاية الأمر.أما أنا دانيال فأفكاري أفزعتني كثيرًا وتغيّرت عليّ هيئتي وحفظت الأمر في قلبي."
فزع دانيال مما رآه خصوصًا ما عرفه عن الحيوان الرابع والقرن الصغير، وسأل بخصوصهما فهو عرف وحشيتهما واضطهادهما لقديسي العلي. وكلام القرن الصغير ضد العلي وكان رد الملاك أن الوحوش هم أربعة ملوك يقومون على الأرض= فهم أرضيين وهذا القرن مع هذا الوحش وبتخطيط الشيطان سيحاولون أن يضعفوا شعب الله بالظلم المتواصل. وفي تخطيطهم أن يفنوهم ولكن كنيسة الله باقية للأبد فهي سماوية. والقرن يظن أنه يغير الأوقات والسنة= أي يلغي كل شرائع الله. زمان وأزمنة ونصف زمان =
هي طريقة نبوية في التعبير عن فترة يراها الله في حكمته وتدبيره أنها مناسبة بمعنى ملء الزمان. ولكنها تشير لصعود مفاجئ وهبوط مفاجئ، فالله سيسمح لهذه القوى الشيطانية أن تحارب الكنيسة لفترة ثم يأتي هو على السحاب. كل وحش من هؤلاء يمكن تسميته ضد المسيح، هذا يصعد نجمه فجأة وكما صعد فجأة سينهار فجأة.
ولكن وسط هذه الأخبار الصعبة نجد آيات معزية مثل (18:7، 22) ونجد تفسيرها في (26:7، 27) وهي تشير للمجيء الثاني الذي به تنتهي كل الضيقات تماماً. بالمجيء الأول صار لشعب الله سلاماً داخلياً ليس من هذا العالم، ولكن مازال الجسد يعاني والسبب أن الجسد مازالت تسكنه الخطية (رو17:7، 18) لذلك فهذه الضيقات هي للتأديب، ومن يحبه الرب يؤدبه (عب6:12) فلنفرح بهذه التجارب (يع2:1) أما بعد "التبني فداء الأجساد" (رو23:Cool ستنتهي ألام الجسد ويمسح الله كل دمعة من العيون ولا يعود هناك حر ولا برد ولا جوع ولا عطش ولا مرض ولا موت ولا اضطهاد ولا ظلم. وسيحكم القديسين على هذا العالم (1كو2:6) ولكن كيف؟ القديسون سيشهدون على العالم في اليوم الأخير. حين يحاول أحد الأشرار أن يعتذر عن تقصيره وأعمال فجوره بأنه كان بشراً ضعيفاً، يظهر هؤلاء القديسين أنه كانت لهم نفس الطبيعة ولكنهم آثروا طاعة الله على كل شيء. وفي (22) الدِّين= أي القاضي أو هيئة المحكمة، وتعني أيضاً أن القديسون سيدينون العالم من خلال المسيح رأسهم (مت28:19) ومُلك القديسين ليس ملكاً جسدياً على الأرض لكنه هو مُلك روحي فمملكة المسيح ليست من هذا العالم، ولكن هو الآن.. مُلك أولاد الله على شهواتهم وفساد طبيعتهم وإنتصاراتهم على الشيطان واغراءاته وعلى الجسد، وهو إنتصار الشهداء على الموت ومخاوفه. هي مملكة نور وحب وقداسة ونعمة وكل هذا هو عربون المجد السماوي. والقديسون سيمتلكون المملكة للأبد لأن مَلِكَهُمْ أبدي. ونحن نملك لأننا في المسيح فنحن جسده، وهو يحتوينا في جسده فهي وحدة في جسده "أنا حي فأنتم ستحيون" (يو19:14) . فمملكة الله هي للقديسين. نحن نملك الآن وعدا بالميرث السماوى وبعد المجئ الثانى سنملك حقيقة هذا الميراث.
الدِّين (ما بين الآيتين 22، 26)

تفسير سفر دانيال 8
شرح الكتاب المقدس - العهد القديم - القس أنطونيوس فكري
دانيال 8 - تفسير سفر دانيال
نبوات هذا الإصحاح تتحدث عن المملكتين القريبتين فارس واليونان ويبدو أنها تشير لمجيء ملك من نسل اليونانيين سماه القرن الصغير أيضًا ويكون رمزًا لضد المسيح (الوحش) الذي سيأتي في نهاية الأيام. وابتداء من هنا عاد النبي ليكتب بالعبرية فالكلام لشعب الله. وقصد الله أن يعزي شعبه ويخبرهم عن الأيام الآتية وحتى نهاية الزمان. وبينما كانت رؤيا النبي في إصحاح (7) في الليل وهو نائم، كانت هذه الرؤيا وهو مستيقظ لذلك تسمى الأولى رؤيا المساء وتسمى هذه الرؤيا رؤيا الصباح. وكانت هذه الرؤيا في شوشان وكان بها قصور ملوك الفرس، وقد يكون النبي رأي هذه الرؤيا وهو في الروح بينما مازال بالجسد في بابل.
الآيات (1-Cool: "في السنة الثالثة من ملك بيلشاصر الملك ظهرت لي أنا دانيال رؤيا بعد التي ظهرت لي في الابتداء. فرأيت في الرؤيا وكان في رؤياي وأنا في شوشان القصر الذي في ولاية عيلام. ورأيت في الرؤيا وأنا عند نهر أولاي. فرفعت عينيّ ورأيت وإذا بكبش واقف عند النهر وله قرنان والقرنان عاليان والواحد أعلى من الآخر والأعلى طالع أخيرًا. رأيت الكبش ينطح غربًا وشمالًا وجنوبًا فلم يقف حيوان قدامه ولا منقذ من يده وفعل كمرضاته وعظم. وبينما كنت متأملًا إذا بتيس من المعز جاء من المغرب على وجه كل الأرض ولم يمسّ الأرض وللتيس قرن معتبر بين عينيه. وجاء إلى الكبش صاحب القرنين الذي رأيته واقفًا عند النهر وركض إليه بشدة قوته. ورأيته قد وصل إلى جانب الكبش فاستشاط عليه وضرب الكبش وكسر قرنيه فلم تكن للكبش قوة على الوقوف أمامه وطرحه على الأرض وداسه ولم يكن للكبش منقذ من يده. فتعظم تيس المعز جدًا ولما اعتزّ انكسر القرن العظيم وطلع عوضًا عنه أربعة قرون معتبرة نحو رياح السماء الأربع."
تم تمثيل مملكة مادي وفارس بكبش ذو قرنين. وكان الكبش رمزاً لهذه المملكة يضعون صورته على راياتهم. وكان ملوكهم يلبسون رؤوس كباش من ذهب كتيجان خصوصاً في حروبهم. والقرنان في الرؤيا هما مادي وفارس. وكانت فارس هي الأصغر ولكنها صارت الأكبر ولم تعد مادي تذكر فيما بعد= والأعلى طالع أخيراً. وكورش أصبح أشهر من الماديين بل أصبح كل ملوك هذه المملكة من الفرس. وفي (4) كان الكبش ينطح غرباً وشمالاً وجنوباً = فهم في فتوحاتهم لم يتجهوا أبداً ناحية الشرق، بل وصلوا غرباً لحدود اليونان، بل حاولوا غزو اليونان نفسها وفشلوا، ووصلوا جنوباً إلى مصر وإثيوبيا (كوش) وشمالاً تجاه ليديا وأرمينيا والسكيثيين. ولم يقف حيوان قدامه = لم يقف ملك أمامهم. وفي (5) تيس الماعز هو الإسكندر الأكبر الذي أتي من المغرب= أي من الغرب. كان يرمز للإله جوبيتر بتيس وعُثِرَ في الأثار أن التيس كان رمزاً للجيش اليوناني. ولم يمس الأرض= إشارة لسرعة فتوحاته، وهذه تقابل في الرؤيا السابقة الأجنحة الأربعة. ولم تجدي معه أي مقاومة لذلك سمى = قرن معتبر. وللآن فالعالم يحفظ إسمه كأحد أعظم القادة، وهو هجم على الفرس بجيش قوامه 30ألف جندي و5000حصان، وهاجمهم بسرعة قبل أن تكتشف مخابرات فارس عددهم القليل. وركض إليه بشدة قوته = فهو ضرب ملك الفرس داريوس قدمانوس بعنف بالرغم من أن جيش الفرس كان أكثر عدداً، لكن مهارة اليونان أفضل. ونجد هنا 3 تعبيرات ضرب الكبش، كسر قرنيه، طرحه على الأرض وداسه= وهناك رأي بأن هذه تشير لثلاث معارك دارت بين اليونان والفرس، وكان النصر فيها لليونان وهي جرانيكوس وأبسوس وأربيلا وبها تسيد الإسكندر تماماً وقتل في المعركة الأخيرة 600.000 رجل فكسر قرني الكبش وكان الإسكندر حين بدأ معاركه في عمر يناهز العشرين عاماً وهزم داريوس وعمره 26عاماً، ومات وعمره 32 أو 33 عاما في عز مجده، ويقال من إفراطه في الشراب. ولم يترك إبناً يرثه فإمتلك قادته الأربعة مملكته= أربعة قرون معتبرة (ملوك اليونان وتركيا وسوريا ومصر) . ومن كثرة ما كان للإسكندر فحين وزعوا أملاكه على قادته الأربعة أصبح لكل واحد منهم أملاكاً كثيرة. فتوزعت المملكة على رياح السماء الأربع= أي في كل أنحاء العالم وهناك قصة سجلها المؤرخ يوسيفوس بخصوص هذه النبوة، فبعد أن سقطت صور وفلسطين في يد الإسكندر بلغت أخبار فتوحاته يدوع رئيس كهنة اليهود فخاف حين علم أن الإسكندر في طريقه إلى أورشليم، وصلى طالباً سلامة بلاده، فأوحى له الله أن يقابل الإسكندر بملابسه الكهنوتية كاملة هو ومعه كهنته من ورائه أما الشعب فيلبسون ملابس بيضاء. وهكذا كان، فحين رأي الإسكندر هذا المنظر ذهب ليسجد لرئيس الكهنة، ولما سأله قادته عن سبب ذلك قال أنه رأي ذلك المنظر نفسه قبل أن يخرج من مقدونية في حُلْمْ، وأن رجلاً في الحلم له نفس شكل رئيس الكهنة وعلى رأسه العمامة مع الصفيحة الذهبية المنقوش عليها "قدسٌ للرب" قد تنبأ له بالإنتصارات في آسيا (في الحلم) ثم قاد يدوع الإسكندر فقدم ذبيحة لإله إسرائيل، وأروه نبوات دانيال بخصوصه التي ذكر فيها أنه سيدمر الفرس وكان هذا مما شجعه في هجومه على داريوس. بل بعد ذلك وضع اليهود تحت حمايته هم وديانتهم ووعد بأن يكون شفوقاً على كل يهودي يلقاه في فارس، وتكريماً للإسكندر سمَّى الكهنة أولادهم المولودين في هذه السنة بإسمه. ولاحظ أن هذه النبوة كتبت قبل أن تتحقق بحوالي 200 سنة، بل قبل قيام دولة الفرس أصلاً = في السنة الثالثة من ملك بيلشاصر.
الآيات (9-14): "ومن واحد منها خرج قرن صغير وعظم جدًا نحو الجنوب ونحو الشرق ونحو فخر الأراضي. وتعظم حتى إلى جند السموات وطرح بعضًا من الجند والنجوم إلى الأرض وداسهم. وحتى إلى رئيس الجند تعظم وبه أبطلت المحرقة الدائمة وهدم مسكن مقدسه. وجعل جند على المحرقة الدائمة بالمعصية فطرح الحق على الأرض وفعل ونجح. فسمعت قدوسًا واحدًا يتكلم فقال قدوس واحدًا لفلان المتكلم إلى متى الرؤيا من جهة المحرقة الدائمة ومعصية الخراب لبذل القدس والجند مدوسين. فقال لي إلى ألفين وثلاث مئة صباح ومساء فيتبرأ القدس."
St-Takla.org Image: Daniel Prophecy صورة في موقع الأنبا تكلا: نبوة رؤية دانيال النبي
St-Takla.org Image: Daniel Prophecy
صورة في موقع الأنبا تكلا: نبوة رؤية دانيال النبي
هذا القرن الصغير يشير لملك من نسل السلوكيين وهو أنطيوخس إبيفانيوس أي اللامع، ولكن اليهود تلاعباً بالألفاظ أطلقوا عليه إبيمانس أي المجنون. وهو قرن صغير لأن بدايته كانت ضعيفة جداً وحقيرة فكان مسجوناً كرهينة في روما، ولكنه تمكن من الهرب. واستولى على المملكة في حياة أخيه الأكبر. ثم تقوى حتى وصل لأن ضرب مصر مملكة الجنوب القوية وفارس وأرمينيا شرقاً. والنبوة تشرح الأضرار التي لحقت بشعب اليهود منه، وسميت أورشليم هنا فخر الأراضي= ففيها سيولد المسيح، وفي زمن أنطيوخس كان فيها هيكل الله. وهو دخل الهيكل وأخذ كل كنوز بيت الرب والمنارة الذهب والمائدة ومذبح المحرقة وأقام مذابح للأوثان في كل مكان. وكان يقتل بوحشية من لا يأكل لحم الخنزير وقتل مرة 100000 يهودى (2مك7:6) . وهو تعظم وتكبر على الله نفسه وحرم رئيس الكهنة أونيا من وظيفته وخدمته. فصار مثل فرعون الذي قال "من هو الله" ؟ ولاحظ أن من يضطهد أولاد الله يضطهد الله نفسه. وهو أبطل المحرقة الدائمة= أي الذبيحة المسائية والذبيحة الصباحية. وهو غالباً منع كل الذبائح لله. ولكنه يذكر المحرقة الدائمة بمعنى إبطال العبادة فهذه أهمها لأنها تمثل العبادة المنتظمة التي تربط الشعب بالله. وهو دنَّسَ الهيكل بجعله هيكلاً لجوبيتر أوليمبوس ووضع فيه تمثالاً له. بل هو قَدَّم خنزير (وهو نجس عند اليهود) على المذبح. وهو حارب جند السماوات= أي شعب الله، فشعب الله هم مملكة السماء. أو هم الكهنة واللاويين. والنجوم = أي اللامعين من الكهنة فهو جعلهم إما يسجدون لآلهته أو يقتلهم. وهو هدم كثيراً من الهيكل وخربه، وهو طرح الحق= أي طرح كتاب الناموس ومزَّقه وأحرقه في محاولة لجعل الشعب ينساه تماماً. ولنلاحظ أنه كان له هذه القوة لأن الله سمح له بذلك، فالشعب كان قد أغاظ الله جداً، هم وكهنتهم أيضاً (ملا7:1، 8 + 1:2، Cool ولذلك أرسل الله أنطيوخس ليمنع ذبائحهم، فالله يحرم الناس من بركاته التي لا يقدرونها. ورئيس الجند = رئيس شعب الله. وأنطيوخس هذا يسمى الوحش الأول فهو رمز لوحش ثان سيظهر مثله في الأيام الأخيرة وسيخرب العالم. وقد حَدَّدَ الله المدة التي سيحدث فيها الإضطهاد فهم في هذه الفترة سيكونون بلا أنبياء. وحدد المدَّة بأنها 2300 صباح ومساء = فهذا هو الأسلوب العبري في التعبير عن اليوم الكامل، وكان اليوم يبدأ من غروب الشمس. وهذه المدة تساوي 6 سنين + 3 شهور+ 18 يوما. وهي نفس المدة من يوم دنَّس الأمم اليونانيين الهيكل حتى تطهر بواسطة منيلاوس رئيس الكهنة في زمان المكابيين. والله يحسب مدة ضيقة شعبه فهو "في كل ضيقهم تضايق وملاك حضرته خلصهم" (إش63: 9). وهو هنا يظهر لهم أنه سيريهم أياماً سعيدة بعد تطهير الهيكل مما يحمل أخباراً معزية لهم. وهذه القصة نجدها في سفر المكابيين بالتفصيل. وفي آية (13) الملاك يُسَّمى قدوس. والملاك هنا يظهر اهتمامه بشعب الله. ويسأل إلى متى هذه الضيقات، فهو خاف من إرتداد الشعب لو زادت مدة الضيقة، وهو سأل دون حتى أن يسأل دانيال نفسه ونضيف قول السيد المسيح عن السمائيين، بأنه "يصير فرح في السماء بخاطئ واحد يتوب" فنفهم أنهم يفرحون لأفراحنا وتوبتنا وخلاصنا بل هم يستقبلون من ينتقل (قصة لعازر والغني) . وبمعرفتنا أنهم يكلمون الله ويصلون دائماً، أفلا يثبت هذا شفاعتهم عنا.

ملحوظة: بعد أن طهر الشعب الهيكل أخذوا يحتفلون بهذه المناسبة بعيد جديد أسموه عيد التجديد، ونجد أن المسيح احتفل به أيضاً (يو22:10) وكانت المدة التي إستمر فيها الهيكل نجساً تمتد من سنة171- سنة165 ق.م. . وكان الملاك في آية (13) يكلم فلان المتكلم = فمن هو فلان هذا؟ غالباً هو المسيح كلمة الله الذي لم يكن أحد قد عرف اسمه. والملاك يسأل المسيح، فالمسيح وحده هو الذي يعلم كل شيء. وحتى وقت هذه الرؤيا لم يكن للمسيح اسم فهو لم يكن قد تجسد "لماذا تسأل عن اسمي وهو عجيب" (قض18:13).
الآيات (15-27): "وكان لما رأيت أنا دانيال الرؤيا وطلبت المعنى إذا بشبه إنسان واقف قبالتي. وسمعت صوت إنسان بين أولاي فنادى وقال يا جبرائيل فهّم هذا الرجل الرؤيا. فجاء إلى حيث وقفت ولما جاء خفت وخررت على وجهي.فقال لي افهم يا ابن آدم أن الرؤيا لوقت المنتهى. وإذ كان يتكلم معي كنت مسبخًا على وجهي إلى الأرض فلمسني وأوقفني على مقامي. وقال هأنذا أعرّفك ما يكون في آخر السخط.لأن لميعاد الانتهاء. أما الكبش الذي رأيته ذا القرنين فهو ملوك مادي وفارس. والتيس العافي ملك اليونان والقرن العظيم الذي بين عينيه هو الملك الأول. وإذ انكسر وقام أربعة عوضًا عنه فستقوم أربع ممالك من الأمة ولكن ليس في قوته. وفي آخر مملكتهم عند تمام المعاصي يقوم ملك جافي الوجه وفاهم الحيل. وتعظم قوته ولكن ليس بقوته.يهلك عجبًا وينجح ويفعل ويبيد العظماء وشعب القديسين. وبحذاقته ينجح أيضًا المكر في يده ويتعظم بقلبه وفي الاطمئنان يهلك كثيرين ويقوم على رئيس الرؤساء وبلا يد ينكسر. فرؤيا المساء والصباح التي قيلت هي حق.أما أنت فاكتم الرؤيا لأنها إلى أيام كثيرة. وأنا دانيال ضعفت ونحلت أيامًا ثم قمت وباشرت أعمال الملك وكنت متحيّرًا من الرؤيا ولا فاهم."
في (15) دانيال طلب المعنى في صلاته والله لم يرفض طلبه. وإذا بشبه إنسان= هذا هو المسيح لأنه يعطي أوامر للملاك جبرائيل ليشرح لدانيال. ودليل أنه المسيح أنه خاف وخَرَّ على وجهه (17). والرؤيا لوقت المنتهى = أي حينما ينتهي تدبير الله الخاص بكل هذا. ولكنك يا دانيال لن تعرفه الآن ولكن سَجِّلْهُ للأجيال القادمة. مسبخا = في الإنجليزية deep sleep = النوم العميق، وهذا ربما يكون راجعا لخوفه من الرؤيا أو عدم إحتماله لها. في (26) قوله أن الرؤيا إلى أيام كثيرة بالإضافة لقوله لوقت المنتهى توحي بأن هذا القرن الصغير يشير لضد المسيح الذي سيظهر في الأيام الأخيرة ويضطهد شعب الله "ويجلس نفسه في هيكل الله مظهراً نفسه أنه إله" (2تس3:2، 4) وهذه نفهمها بأنه سيعطل الصلاة بالكنائس. وفى هذا نجد أن أنطيوخس إبيفانيوس يرمز لضد المسيح، فأنطيوخس أبطل المحرقة الدائمة أي أوقف العبادة في الهيكل.
وبالنسبة لأنطيوخس إبيفانيوس فكما شرح الملاك لدانيال أنه سيأتي في نهاية مملكة اليونان حين يملأ اليهود كأس معاصيهم ويكونون مستحقين لهذا الخراب، ويكون هذا الملك قضيب تأديب لهم. وتعظم قوته ولكن ليس بقوته = بل بقوة الشيطان وهذا ما يجعلنا نطبقه على ضد المسيح (رؤ2:13) "وأعطاه التنين قدرته وعرشه وسلطانا عظيما". فالتنين هو اسم من أسماء الشيطان.
أنه لميعاد السخط = أي بسبب سخط الله على اليهود سمح بهذا ضدهم. وفي (23) يسميه فاهم الحيل فهو ماكر جداً. وجافي الوجه = أي قاسياً جداً. وكان يُحكي عن أنطيوخس أبيفانيوس هذا أنه كان ماكراً جداً ودموياً. وهكذا سيكون ضد المسيح (رؤ15:13) فهو بمكره سيجعل صورة الوحش تتكلم، ومن دمويته يجعل جميع الذين لا يسجدون لصورة الوحش يقتلون . وهذا نفس ما قاله السيد المسيح عن ضيق هذه الأيام الأخيرة "لو لم تقصر تلك الأيام لم يخلص جسد" (مت24: 22) . وكلاهما يهلك عجباً= فهو سيهلك الناس الأقوياء ولن يقف في وجهه أحد. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات والتفاسير الأخرى). ويبيد العظماء وشعب القديسين = فهو له سلطان على الجسد ولكن ليس على الروح. وقوته قائمة على الخداع فأنطيوخس مثلاً بغشه وبمعاهداته الكاذبة دَمَّر الكثير في الحروب. وهو عقد معاهدات غاشة ليَطمإِن له خصومه ثم يغدر بهم = في الإطمئنان يهلك كثيرين. وبهذا يضمن أن يخضع الكل له. ولنجاحه يتصور أنه يستطيع أن يقف في وجه رئيس الرؤساء نفسه أي الله وهيكله.
وبلا يد ينكسر= فالله هو الذي يهلكه ويميته. وأنطيوخس لم يمت في حرب أو إغتيال بل هو وقع في يدي الله الحي الذي أباده بنفخة فمه. وهذا حدث كما يلي: فهو سمع أن اليهود نزعوا صورة جوبيتر أوليمبوس من الهيكل بقيادة المكابيين حيث وضعها هو، فهاج جداً على اليهود وأقسم أن يجعل أورشليم مقبرة عامة وعزم على التوجه فوراً لأورشليم. ولكن بعد أن تفوه بهذه الكلمات الوقحة إبتلاه الرب بضربة عديمة الشفاء في بطنه وتوالد الدود في بطنه بسرعة كبيرة حتى أن أجزاء من لحمه صارت تتساقط ولم يكن أحد يستطيع أن يقترب منه من رائحة نتانته. وطالت مدة معاناته من هذا المرض. ووعد أنه لو شفي من مرضه لما عاد لإضطهاد اليهود، والله لم يشفه، فالله يعلم أنه لو شفاه لكان قد عاد لقسوته، ولكان استمر في تعذيب شعب الله. ولكن حين يأس من الشفاء استدعى أصدقائه واعترف أمامهم أن السبب في ألامه هذه هو إضطهاده لليهود وتدنيسه للهيكل، وكتب خطابات لليهود يعدهم فيها أنه لو شفى سيسمح لهم بممارسة شعائرهم بحرية. وحينما زاد عليه المرض ولم يعد يستطيع احتمال رائحته إعترف قائلاً "أنه من المناسب أن يخضع الإنسان لله، فالإنسان يموت، وعليه أن لا يتحدى الله" ومات بائساً في أرض غريبة على جبال باكاتا قرب بابل حوالي سنة 160ق.م.
الرؤيا هي حق = أي أن الله سيحتمل تدنيس مقادسه هذه المدة.
وكان على دانيال أن يكتم الرؤيا حتى لا يغتاظ الفرس بسببها، الذين كانوا سيستولون على بابل وقد يمتنعون بسببها عن تحرير اليهود. فالنبوة تشير لإنكسار الفرس أمام اليونان.
وهي لأيام كثيرة = فهي تحققت بعد 300 سنة فالله لا يريد كشف كل شيء وإلا تعطلت خططه. وبالرغم من ضعفه قام وباشر عمله = علينا إذاً أن نمارس أعمالنا بأمانة حتى آخر يوم في حياتنا، ملتصقين بالله وخائفين الله.
ملاحظات:
مكان الرؤيا = كانت في شوشن المعروفة عند اليونان باسم سوسا. وتسمى في سفر نحميا ودانيال شوشن القصر لأن فيها قصور ملوك الفرس، وفيها جرت أحداث سفر إستير. وموضع هذه المدينة بين نهري الكرخي وأولاي وهما فرعا نهر واحد يتشعب على بعد 20 ميل من شوشن، ولهذا يصح قول دانيال أنه كان عند نهر أولاي (آية 2) وبين أولاي (آية16).
نبوة الـ2300 يوم = كما رأينا قبلاً فقد تحققت النبوة حرفياً، فكانت المدة بين تنجيس الهيكل بواسطة أنطيوخس إبيفانيوس وتطهيره أيام المكابيين 2300 يوماً تماماً. ولقد ظن البعض أنه يمكن تطبيقها على المستقبل بحساب اليوم = سنة (كما سنرى في نبوة السبعين أسبوعاً دا 9) ويسمون هذه الأيام أياماً نبوية فتكون المدة 2300 سنة وذلك حتى يتطهر القدس ولكن:-
[1] متى تبدأ هذه الـ 2300 سنة ؟ هنا يختلف المفسرون. وعلينا بتواضع أن نقول مع دانيال كنت متحيراً من الرؤيا ولا فاهم = فالنبوات لا يصح أن تكون واضحة تماماً، بل هي تتضح قرب أو بعد تتميمها.
[2] قول الرب هنا واضح أنها 2300 صباح ومساء، إذاً هي أيام وليست سنيناً مثل (دا 9). فالتعبير اليهودى عن اليوم هو صباح ومساء.
[3] قال البعض أنها تبدأ يوم دخول الإسكندر الأكبر إلى أورشليم سنة 333 ق.م. وهذا خطأ بكل المقاييس. فلقد رأينا ما حدث من الإسكندر وسجوده لرئيس الكهنة، بل أنه فرض حمايته على اليهود، فكيف تنجس القدس عند دخول الإسكندر إلى أورشليم ؟!. وألم يلاحظ من يقول هذا أن البابليين قد دنسوا الهيكل وحطموه تماما سنة 586 ق.م.، وألم يكن من الأوقع أن يعتبروا أن البداية هي سنة 167 ق.م. يوم قدَّم أنطيوخس خنزيرة على مذبح الله !
كانت رؤيا هذا الإصحاح عند نهر أولاي ولاحظ أن بابل وفارس إشتهرتا بنظام مائي عجيب وشق القنوات للزراعة ، وهذا ما جعل إرمياء يقول عن بابل "الجالسة على مياه كثيرة" (38:50). وقد أتى عليها الفرس لغناها (37:50). والفرس هم أيضاً اشتهروا بنظام للقنوات والأنهار لزيادة غناهم. وبسبب غناهم أتى عليهم الإسكندر. لذلك رأي دانيال رؤيته بجانب النهر سبب خيرهم وغناهم ، وهذا سيأتي عليهم بالخراب والسلب على أيدي اليونانيين. وكان نهر أولاي أضخم هذه القنوات بعرض 100متر تقريباً. وكانت هذه الأنهار والقنوات تستعمل أيضاً في المواصلات والتجارة وهذا مما زاد في غناهم. وكانت قوة الفرس في غناهم وثرواتهم. وحيث أن هذا الإصحاح يشير للفرس كقوة عالمية تؤثر في مجرى الأحداث فمكان الرؤيا يشير لسبب قوتهم أيضاً.
avatar
طارق فتحي
المدير العام

عدد المساهمات : 2802
تاريخ التسجيل : 19/12/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alba7th.3oloum.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى