* تفسير سفر دانيال 5 - 6

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

* تفسير سفر دانيال 5 - 6

مُساهمة  طارق فتحي في الثلاثاء ديسمبر 09, 2014 3:25 am

تفسير سفر دانيال 5
مُساهمة طارق فتحي في الإثنين 8 ديسمبر 2014 - 16:22

دانيال 5 - تفسير سفر دانيال

سنه 536 ق.م.
في الإصحاح السابق رأينا الله ينذر ويؤدب نبوخذ نصر ليرتد عن كبريائه، وأنه خضع لله فشفى وخلص. وهنا نرى أن من يستخف بإنذارات الله يهلك. نجد هنا قصة الليلة الأخيرة لمملكة بابل. وقبل هذه الليلة بعامين هزم كورش جيش بابل فإحتمي البابليون بأسوارهم حتى هذه الليلة التي سكروا فيها في حفلة ضخمة أكمل بها الملك خطاياه.

الآيات (1-9): "بيلشاصّر الملك صنع وليمة عظيمة لعظمائه الألف وشرب خمرًا قدام الألف. وإذ كان بيلشاصر يذوق الخمر أمر بإحضار آنية الذهب والفضة التي أخرجها نبوخذناصّر أبوه من الهيكل الذي في أورشليم ليشرب بها الملك وعظماؤه وزوجاته وسراريه. حينئذ أحضروا آنية الذهب التي أخرجت من هيكل بيت الله الذي في أورشليم وشرب بها الملك وعظماؤه وزوجاته وسراريه. كانوا يشربون الخمر ويسبحون آلهة الذهب والفضة والنحاس والحديد والخشب والحجر. في تلك الساعة ظهرت أصابع يد إنسان وكتبت بإزاء النبراس على مكلس حائط قصر الملك والملك ينظر طرف اليد الكاتبة. حينئذ تغيّرت هيئة الملك وأفزعته أفكاره وانحلّت خرز حقويه واصطكت ركبتاه. فصرخ الملك بشدة لإدخال السحرة والكلدانيين والمنجمين.فأجاب الملك وقال لحكماء بابل أي رجل يقرأ هذه الكتابة ويبيّن لي تفسيرها فإنه يلبّس الأرجوان وقلادة من ذهب في عنقه ويتسلط ثالثًا في المملكة. ثم دخل كل حكماء الملك فلم يستطيعوا أن يقرأوا الكتابة ولا أن يعرّفوا الملك بتفسيرها. ففزع الملك بيلشاصر جدًا وتغيّرت فيه هيئته واضطرب عظماؤه."

كما ذكر في المقدمة فقد ترك نبونيدس الحرب وإدارة شئون المملكة لابنه بيلشاصر الذي كان ينتسب عن طريق أمه لنبوخذ نصر (كان نبوخذ نصر جده) وقد وجد في النقوش الأثرية كتابة لبيلشاصر "أما مرودخ ونرجل وأبى (أي نبونيدس) فماذا صنعوا. لقد كانوا ملوكا بالاسم فقط ولم يكن بينهم من هو جدير بأن يكون سليل نبوخذ نصر". ولكن بيلشاصر لم يشابه جده سوى في جنون العظمة. ويضاف لسقطاته جنونه بالولائم والسكر. وهذه الحفلة المذكورة هنا حضرها 1000، وهذا يدل على حجم هذه الحفلة وكانوا غالبًا من القادة رجال الحرب. وظهور الملك أمامهم ليشرب خمرًا فيه كرامة لهم فالملوك لا يظهرون إلا نادرًا. وفي (1) شرب خمرًا قدام = اتضح أن الملك في هذه الولائم كان يجلس مرتفعًا عن مدعويه. وهذا القول يشير لدقة الكتاب.

وهو هزأ بآنية الله المقدسة ولكن بسبب هذا أرعبه الله. فالله أعطاه إنذاراً أولاً بهزيمته أمام كورش ثم بالحصار لعله يتوب (كما تاب أبوه نبوخذ نصر) ولكنه ازداد في خطاياه وكبريائه. وليعلم أن كل من يهزأ بمقدسات الله، أن الله لا يشمخ عليه. وفي (5) في تلك الساعة = إذاً سقوط بابل كان بسبب هذا الاستهزاء بآنية بيت الرب. وآنية الله المقدسة هي أجسادنا التي هي هياكل لله "ومن يفسد هيكل الله يفسده الله" (1كو17:3+ 2تي20:2، 21) (بيلشاصر هذا يرمز للشيطان الذي تملك على البشر الذين هم آنية بيت الله لزمن ما. وكما ضرب الله بيلشاصر لإستهزائه بالآنية، سينتقم من الشيطان لأنه إستهزأ بأولاده وتسبب في موتهم وهلاكهم). وكورش يرمز للمسيح الذي حررنا ليبنى هيكله أي كنيسته (عزرا 1) ولزيادة السخرية فهم شربوا في آنية الله المقدسة وسبحوا آلهة الذهب والفضة. وهذا الفرح الخاطئ زاد في قساوة قلوبهم. ويد الله التي كتبت الوصايا العشر تكتب الآن قراراً ضدهم بسبب خطاياهم. ولم يرعبهم الله ببروق أو رعود بل بكلمات مكتوبة. وكتاب الله المقدس هو ما كتبته يد الله فلنرتعب منه. ومن شاركوا الملك حفلته الماجنة شاركوه رعبه. والله وضع حجاباً على عيون حكمائه حتى لا يفهم الكتابة سوى دانيال الذي كان غالباً مبعداً عن مجلس الملك من بعد موت نبوخذ نصر. وقد سمع كورش بأخبار هذه الحفلة واستغل حالتهم وسكرهم وهاجم بابل وخربها كما تنبأ إشعياء (21: 1-5) أنهم يهلكون بيد مادى وفارس ليلة لذتهم وأكلهم وشربهم.

الآيات (10-29): "إلى الملكة فلسبب كلام الملك وعظمائه دخلت بيت الوليمة فأجابت الملكة وقالت أيها الملك عش إلى الأبد.لا تفزعك أفكارك ولا تتغيّر هيئتك. يوجد في مملكتك رجل فيه روح الآلهة القدوسين وفي أيام أبيك وجدت فيه نيّرة وفطنة وحكمة كحكمة الآلهة والملك نبوخذناصّر أبوك جعله كبير المجوس والسحرة والكلدانيين والمنجمين. أبوك الملك. من حيث أن روحًا فاضلة ومعرفة وفطنة وتعبير الأحلام وتبيين ألغاز وحلّ عقد وجدت في دانيال هذا الذي سماه الملك بلطشاصر.فليدع الآن دانيال فيبيّن التفسير. حينئذ أدخل دانيال إلى قدام الملك.فأجاب الملك وقال لدانيال أأنت هو دانيال من بني سبي يهوذا الذي جلبه أبي الملك من يهوذا. قد سمعت عنك أن فيك روح الآلهة وأن فيك نيّرة وفطنة وحكمة فاضلة. والآن أدخل قدامي الحكماء والسحرة ليقرأوا هذه الكتابة ويعرّفوني بتفسيرها فلم يستطيعوا أن يبيّنوا تفسير الكلام. وأنا قد سمعت عنك أنك تستطيع أن تفسر تفسيرًا وتحل عقدًا. فإن استطعت الآن أن تقرأ الكتابة وتعرّفني بتفسيرها فتلبّس الأرجوان وقلادة من ذهب في عنقك وتتسلط ثالثًا في المملكة. فأجاب دانيال وقال قدام الملك. لتكن عطاياك لنفسك وهب هباتك لغيري.لكني اقرأ الكتابة للملك وأعرّفه بالتفسير. أنت أيها الملك فالله العلي أعطى أباك نبوخذناصّر ملكوتًا وعظمة وجلالًا وبهاء. وللعظمة التي أعطاه إياها كانت ترتعد وتفزع قدامه جميع الشعوب والأمم والألسنة. فايّا شاء قتل وايّا شاء استحيا وايّا شاء رفع وايّا شاء وضع. فلما ارتفع قلبه وقست روحه تجبّرًا انحط عن كرسي ملكه ونزعوا عنه جلاله. وطرد من بين الناس وتساوي قلبه بالحيوان وكانت سكناه مع الحمير الوحشية فأطعموه العشب كالثيران وابتلّ جسمه بندى السماء حتى علم أن الله العلي سلطان في مملكة الناس وأنه يقيم عليها من يشاء. وأنت يا بيلشاصر ابنه لم تضع قلبك مع أنك عرفت كل هذا. بل تعظمت على رب السماء فأحضروا قدامك آنية بيته وأنت وعظمائك وزوجاتك وسراريك شربتم بها الخمر وسبّحت آلهة الفضة والذهب والنحاس والحديد والخشب والحجر التي لا تبصر ولا تسمع ولا تعرف.إما الله الذي بيده نسمتك وله كل طرقك فلم تمجده. حينئذ أرسل من قبله طرف اليد فكتبت هذه الكتابة. وهذه هي الكتابة التي سطّرت.منا منا تقيل وفرسين. وهذا تفسير الكلام منا أحصى الله ملكوتك وأنهاه. تقيل وزنت بالموازين فوجدت ناقصًا. فرس قسمت مملكتك وأعطيت لمادي وفارس. حينئذ أمر بيلشاصر أن يلبّسوا دانيال الأرجوان وقلادة من ذهب في عنقه وينادوا عليه أنه يكون متسلطًا ثالثًا في المملكة."

غالباً الملكة هي نيتوكريس أرملة أبيل مرودخ التي ذكرها هيرودتس وقال عنها أنها كانت حكيمة جداً حكمة غير عادية وهي لم تحضر هذه الحفلة الصاخبة لسنها ومركزها. وهي تكلمت عن دانيال بمنتهى الاحترام في حدود ما تسمح به تقاليد بلادها. وقولها أبوك الملك. وتكرار كلمة أبوك كانت لتذكر هذا المغرور بأن الخير الذي فيه راجع لأبيه وليس لنفسه (الجد يطلق عليه أب) . ونلاحظ تمسك دانيال بإسمه حتى أن الملكة استخدمت الإسمين (12). وواضح أن دانيال كان مازال من ضمن رجال القصر، ولكن لكل ملك بطانته فيبدو أنه كان مبعداً، ولكن الله يظهره الآن وفى هذه الليلة بالذات ليكون له دور في المملكة القادمة. وكان دانيال الآن يناهز التسعين عمراً. ولاحظ عجرفة الملك في سؤاله لدانيال أأنت هو دانيال . ولكي يُحقِّر من شأنه يقول من بنى سبى يهوذا. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات والتفاسير الأخرى). وكان رد دانيال على الملك جريئاً جداً وإحتقر عطاياه فهو يرى نهاية مملكته فكيف يفرح بعطاياه. والسؤال لنا هل نفرح نحن بعطايا هذا العالم الفاني، ولكنه على أي حال قام بواجبه دون أن ينتظر مكافآت. وبدأ دانيال يشرح للملك كيف تعامل الله مع أبيه. وهذا كان ضرورياً كمدخل لكلامه عن بيلشاصر. وشرح دانيال أن الله أعطى نبوخذ نصر مجداً لم يسبق أن أخذه ملك من قبل ولكنه حين نسب هذا المجد لنفسه سقط. وخطية بيلشاصر أكبر لأنه رأى ما حدث لجده ولم يتعظ وإن كان نبوخذ نصر قد أخذ آنية بيت الرب دون أن يعرف قداستها فإن بيلشاصر كان يعرف قداستها لذلك فخطيته أعظم. ونبوخذ نصر عرف الله وآمن به إلا أن بيلشاصر تحدى الله وسبح آلهة الذهب والفضة.. ولم يمجد الله الذي بيده كل طرقه (23). والله كان قد أعلن نفسه لأبيه من قبل.

St-Takla.org Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

منا منا تقيل وفرسين ??? ,???, ???, ??????

Mene, Mene, Tekel u-Pharsin هذه هي الكلمات التي كتبت على الحائط ففزع الملك فهو عرف أن فيها مصيره فالبابليون يعتقدون أن قرارات الآلهة ضدهم تسجل في السماء على ألواح المصير أو القدر. والكلمات التي كتبت كانت بالأرامية اللغة المكتوب بها هذا الجزء من السفر. وكانت الحروف مكتوبة بدون نقط فكان يمكن قراءتها بعدة طرق وهي:

1. أنها أسماء عملات بالآرامية أو أسماء لأوزان فالأوزان كانت تحل محل العملات الآن. وعلى هذا تفهم هكذا. المنا= هو أكبر عملة. والشيكل = منا. وهناك نصف المنا ويسمى أوفارسين Upharsin وبهذا تقرأ الكلمات هكذا:

منا منا شيكل ونصف منا. والغريب الذي لابد وقد لاحظه دانيال أن التدرج ليس منتظمًا فهو يبدأ بأكبر عملة ويليها أصغر عملة ثم عملة أكبر كأننا نقول (جنيه وقرش صاغ ونصف جنيه) مع ملاحظة أن الحرف "شا" في البابلية هو الحرف "ت" في الآرامية فتكون شيكل = تقيل.

2. الطريقة الثانية التي تعامل بها دانيال مع هذه الكلمات أنها ثلاثة أفعال آرامية هي:

مانو = حسبت Mumbered

شكالو = وزنت

باراسو = قسمت

وفي هذا التفسير نجد حرف U قد تعامل معه دانيال على أنه حرف عطف = "و"

ورأى دانيال أن معنى اختفاء اليد التي كتبت وتكرار كلمة منا مرتين أن القرار نهائي لا رجعة فيه. وحسب الطريقة الثانية يكون المعنى حسبت حسبت ووزنت وقسمت. ونضع التفسير في جدول لنرى المعنى:-

حسب الرؤية الأولى = وجد دانيال هبوط مفاجئ في العملات فالترتيب الطبيعي أن يقال مانا ثم أو فارسين ثم تقيل أي الأكبر فالأصغر فالصغير.

الرؤية الأولى للكلمات

تفسير دانيال للكلمات على أنها عملات أو اوزان

MANA

منا (أكبر عملة)

TEKIL

شيكل (أصغر عملة) = 16/1 منا

Upharsin

أو فارسين هي عملة قيمتها = 2/1 منا

الرؤية الثانية للكلمات

تفسير دانيال للكلمات على أنها أفعال أرامية

مانو = فعل أرامي بمعني حسبت

شاكالو = فعل أرامي بمعنى وزنت

باراسو = فعل أرامي بمعنى قسمت

وهو فهم هذا بأن الملك وزن فوجد ناقصًا أو أنه قد حدث له هبوط عند تقييمه.

وحسب الرؤية الثانية = فهو قسم كلمة Upharsin إلي U + Pharsin و" U " هي حرف عطف بمعنى "و" ومعنى Pharsin تقسيم المملكة على مادي وفارس فهو فهم أن فارسين أي مضاعف كلمة فارس كما نقول (مصر ومَصْرَين) هو فهم هذا لأن معنى الكلمة يشير للتقسيم. وراجع آية (28) تجد أن دانيال نطقها فرس = قسمت بمعني أنه نطقها بالمفرد، كما نقول مصر بالمفرد ومصرين بالمثنى، ففهم من هذا أنها قسمت على شقى مملكة فارس وهما مادي وفارس والمعنى أن الله لم يحكم على هذا الملك إلا بعد أن وجده ناقصاً لشروره وآثامه وكبريائه. وهذه الكلمات تعنى لكل خاطئ أنه بالموازين الإلهية يستحق الموت والجحيم. فبالموت أيام الخاطئ تحصي وتنتهي، وقضاء الله بعد الموت سيُقَيِّم أعمال كل خاطئ. ولهذا أي لخطاياه سيسلم للجحيم.

وهنا نجد أن دانيال لم يعطى أي نصائح لبيلشاصر فهو وجد أن الأمر نهائي لا رجعة فيه، مع أنه كان قد أعطى نصيحة بالتوبة لنبوخذ نصر. ولم يرفض عطايا الملك واعتبرها تكريمًا لله الذي أعطاه هذه الحكمة وليس لشخصه.

ملاحظات: كان بيلشاصر شابًا صغيرًا في القصر حين مات نبوخذ نصر أي أنه عاش أحداث جنون الملك وعرف السبب لذلك فدانيال قد ذكره بها وأصبحت مسئوليته أكبر. وقد سبق حبقوق وتنبأ بولع البابليين بالخمر (2: 5) وبأنهم بنوا مدينتهم بدماء السبايا (11:2-13).

الآيات (30، 31): "في تلك الليلة قتل بيلشاصر ملك الكلدانيين. فأخذ المملكة داريوس المادي وهو ابن اثنتين وستين سنة."

في هذه الليلة =أي الليلة التي فرح فيها الملك بالخمر وأخذ كورش فيها بابل بمفاجأة .فالموت يأتي فجأة لمن قلوبهم في سكر لاهية عن حياتهم الأبدية. وكان هلاك بابل في ليلة لذة كما قال إشعياء (21: 4، 5) وتم تقسيم بابل وأخذها داريوس خال كورش فهم شركاء في الحرب والانتصار والسيادة. وهذا كان تحقيقًا لكلام دانيال (6: 28) ووقت أن تولى داريوس كان عمره 62 سنه. وإذا علمنا أن السبي كانت مدته 70 سنة، وقد تم على مراحل آخرها كان قبل سقوط بابل بخمسين سنة، وفي هذه المرحلة الأخيرة تم تدمير أورشليم نهائيًا وتدمير الهيكل. إذًا فعند تدمير أورشليم والهيكل وسبى الشعب الأخير إلى بابل كان عمر داريوس 12 سنه وكان الله يعده ويعد كورش في ذلك الوقت ليحرروا الشعب ويبنوا الهيكل بعد أن تنتهي فترة التأديب ويشفى الشعب من وثنيته، فالله يعطى مع التجربة المنفذ.

وكانت هذه الحادثة سببًا في حصول دانيال على مركزًا ساميًا في مملكة فارس، فقطعًا سمع كورش وسمع داريوس الذي مَلَّكه كورش على بابل بنبوة دانيال في هذه الليلة وسمعوا بحكمته. وسمو مركز دانيال في مملكة فارس سنسمع عنه في الإصحاح التالي.

أسوار بابل كانت منيعة جدًا لذلك ظن بيلشاصر أنه لا يمكن غزوها. وهكذا كان الشيطان يظن أنه في أمان، وكان الفداء بالصليب الذي كان فيه نهاية الشيطان، بعيدًا تمامًا عن فكر إبليس، كما كان تحويل نهر الفرات بعيدًا تمامًا عن فكر بيلشاصر.

وفي هذا يرمز بيلشاصر إلى الشيطان الذي ظن أن الله لن يعاقبه، فيبدو أن عقاب الشيطان كان مرتبطًا بخلاص آدم وبنيه، وحيث أن الشيطان تصوَّر استحالة وجود طريقة يخلص بها الإنسان لذلك فهو تصوَّر استحالة عقابه. رجاء مراجعة تفسير الآيات (إر49: 15-22).

أما كورش فيرمز للمسيح الذي حَرَّر الشعب من بابل وأعاد آنية بيت الرب للهيكل الذي أصدر أمرًا ببنائه (عز1) فكان رمزًا للمسيح باني هيكل جسد الكنيسة

دانيال 6 - تفسير سفر دانيال
في الإصحاح السابق رأينا دانيال وقد تم تعظيمه وبيلشاصر رمز إبليس وقد هلك وهذا يشير لعمل المسيح الذي حرر الإنسان وجعلنا أولادًا لله أبيه. ولكننا مازلنا في العالم وسط أسود هائجة لكن الله قادر أن يحفظنا منهم. ونلاحظ أن دانيال لم يعط وصفًا لحكم مملكة بابل أو فارس بالتفصيل، إلا أنه كتب بعض الحوادث لتعليمنا وتثبيت إيماننا وتشجيعنا على طاعة الله. والقصة هنا أشير إليها في (عب33:11)  ونرى هنا دانيال في بلاط ملك الفرس وحسد رجال البلاط ضده ومؤامراتهم ضده ونجاته من هذه المؤامرة.

الآيات (1-5): "حسن عند داريوس أن يولي على المملكة مئة وعشرين مرزبانًا يكونون على المملكة كلها. وعلى هؤلاء ثلاثة وزراء أحدهم دانيال لتؤدي المرازبة إليهم الحساب فلا تصيب الملك خسارة. ففاق دانيال هذا على الوزراء والمرازبة لأن فيه روحًا فاضلة وفكر الملك في أن يوليه على المملكة كلها. ثم أن الوزراء والمرازبة كانوا يطلبون علّة يجدونها على دانيال من جهة المملكة فلم يقدروا أن يجدوا علّة ولا ذنبًا لأنه كان أمينًا ولم يوجد فيه خطأ ولا ذنب. فقال هؤلاء الرجال لا نجد على دانيال هذا علّة إلا أن نجدها من جهة شريعة إلهه."
إنتهي الإصحاح السابق بعمل إعجازي تنبأ فيه دانيال بأن مادي وفارس سيقتسمان مملكة بابل. وغالباً فقد وصل داريوس الذي ملك علي بابل بعد إنتهاء حكم ملوك بابل أخبار عظمة دانيال وحكمته فكان أن أعطى داريوس لدانيال منصباً سامياً في مملكته. وكانت مملكة فارس واسعة جداً، ولم يكن ممكناً للملك أن يديرها وحده فأقام 120 أميراً أو رئيساً على المقاطعات ليحفظوا سلامها ويجمعوا الجزية وعلي هؤلاء الـ 120 مرزبانا كان هناك 3 رؤساء ليحاسبوهم فلا تصيب الملك خسارة وقارن مع " لماذا يكثر الضرر لخسارة الملوك" (عز4: 22). وكان دانيال متفوقاً ومفضلاً فوق كل الأمراء والرؤساء وكان عمره الآن حوالي 90 عاماً، ولكن أمانته لله أعطته صحة جسدية وذهنية في هذا العمر المتقدم. وكان أميناً جداً في تصرفاته، فهل هذا الإنسان الذي باع العالم يقبل رشوة من أحد. وأدت محبة الملك له أنه فكر في أن يوليه على المملكة كلها . وأيضا كانت نزاهته سببا في أن كثر الحاقدون عليه، فأرسلوا له جواسيس يتصيدون عليه أي خطأ فلم يجدوا سوى أنه يعبد إلهه بأمانة. وغالباً لم تأت فرصة للملك ليوليه على المملكة كلها. ونحن لم نقرأ أن دانيال طلب مباشرة من ملوك الفرس رجوع الشعب اليهودي لأورشليم، ولكن من المؤكد أن شخصية دانيال وقداسته بالإضافة للنبوات التي أراها لكورش (إشعياء وإرمياء) للأحداث التي وقعت فعلاً، هذا كله أقنع كورش بأن إله دانيال إله عظيم (راجع عز 1: 1-4).

St-Takla.org         Image: Daniel in the lion's den by Gustave Dore صورة: دانيال النبي في جب الأسود للفنان جوستاف دوريه
St-Takla.org Image: Daniel in the lion's den by Gustave Dore, from Dore's Bible Illustrations
صورة في موقع الأنبا تكلا: دانيال النبي في جب الأسود للفنان جوستاف دوريه، من صور لوحات الكتاب المقدس
الآيات (6-10): "حينئذ اجتمع هؤلاء الوزراء والمرازبة عند الملك وقالوا له هكذا أيها الملك داريوس عش إلى الأبد. أن جميع وزراء المملكة والشحن والمرازبة والمشيرين والولاة قد تشاوروا على أن يضعوا أمرًا ملكيًا ويشددوا نهيًا بأن كل من يطلب طلبة حتى ثلاثين يومًا من إله أو إنسان إلا منك أيها الملك يطرح في جب الأسود. فثبّت الآن النهي أيها الملك وأمض الكتابة لكي لا تتغيّر كشريعة مادي وفارس التي لا تنسخ. لأجل ذلك أمضى الملك داريوس الكتابة والنهي. فلما علم دانيال بإمضاء الكتابة ذهب إلى بيته وكواه مفتوحة في عليته نحو أورشليم فجثا على ركبتيه ثلاث مرات في اليوم وصلّى وحمد قدام إلهه كما كان يفعل قبل ذلك."

وكان كورش قد أصدر أمرًا ملكيًا بحرية العبادة، فلم يقدر هؤلاء الحاقدين أن يشتكوا على دانيال بأنه يعبد إلهه فلجأوا للخديعة والمكر. ودبروا خطة كالآتي "إن مملكة فارس تضم ديانات كثيرة بآلهة كثيرة وطقوس كثيرة. وهذا يسبب مشاكل متعددة، فحتى تحل هذه المشاكل ويكون هناك نوع من الوحدة ولكي تهدأ الأمور لمدة على الأقل ثلاثين يومًا فلتكن أنت أيها الملك الإله الوحيد والكل يطلب منك وحدك ولا يطلب من إلهه الخاص".. وقد أصابوا بهذه الخطة كبرياء الملك الشخصي، فأي إنسان يعانى من نقطة الضعف هذه، أنه يسقط أمام مثل هذه التملقات (أو ما يسمى مسح الجوخ) فقبل الملك هذه الفكرة ووقع القرار. وكان هؤلاء المتآمرين على ثقة أن دانيال لن يمتنع عن الصلاة ويخون إلهه. ومع أن القرار في ظاهره يحمل معاني الكرم ومراحم الملك التي يريد أن يفيض بها على شعبه، إلا أنه ليظهر الظلم الذي في هذا القرار، فلو طلب ابن من أبيه خبزًا ليأكل لاستوجب بموجب هذا القرار أن يُلقَى في جب الأسود. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات والتفاسير الأخرى). ومن الواضح أن هذا القرار كان يمنع الصلاة لمدة 30 يومًا. ولم يقبل دانيال أن يعبد الله سرًا بل حسب هذه فرصة ليظهر محبته لله أكثر من خوفه من الملك. ولاحظ أنه لم يذهب ليشاور الملك أو يتظلم من هذا القرار العجيب بل هو ذهب لله مباشرة  وصلَّى. وهو تعود على فتح كواه (شرفاته) ناحية أورشليم، فلم يغلقها هذه المرة فهو لا يريد أن يخفى ما يفعله. فهو لم يفتح كواه ليتَحدَّى الملك بل كانت هذه هي عادته. ولاحظ عناصر صلاة دانيال:
1.     بيته بيت صلاة، فهو حين يريد أن يصلى يدخل إلى مخدعه، هي علاقة خاصة.
2.     حمد الله أي شكر.
3.     جثا على ركبتيه (ولم يمتنع نظرًا لسنه ولا مركزه) ولاحظ أهمية الميطانيات في الصلاة، وطلب مراحم الله.
4.     ثلاث مرات في اليوم = وكان يجد هذا الوقت بالرغم من مشاغله.
5.     كواه مفتوحة نحو أورشليم = بمعنى أن اشتياق قلبه متجه لأورشليم مدينة الله وليس لمركزه العالمي ومجد العالم المتوفر له في قصر الملك.
6.     لم ينسب لله ظلمًا ولم يشتكى لا من وجوده في السبي ولا من قرار الملك الظالم بل هو يحمد الله منشغلًا بأورشليمه واشتياقات قلبه واثقًا أن كل ما يفعله الله هو للخير. وهو لم يخجل من أورشليم وهي مدمرة.

كانت الحكمة الإنسانية تقول ماذا لو امتنع عن الصلاة 30 يومًا ماذا يضيره؟ فهو سيشترى حياته!! ولكن كيف يشهد لله؟ ربما لو فعل لصار قدوة سيئة لكل اليهود الضعفاء فهو بلا شك قدوة، وكل العيون عليه لمركزه وشهرته. عمومًا من عرف قيمة الصلاة لا يمكنه أن يتركها يومًا. ولماذا كان يوجه وجهه نحو أورشليم؟ (راجع 2 أي 6: 36-39).

الآيات (11-17): "فاجتمع جميع حينئذ هؤلاء الرجال فوجدوا دانيال يطلب ويتضرع قدام إلهه. فتقدموا وتكلموا قدام الملك في نهي الملك.ألم تمض أيها الملك نهيًا بأن كل إنسان يطلب من إله أو إنسان حتى ثلاثين يومًا إلا منك أيها الملك يطرح في جب الأسود.فأجاب الملك وقال الأمر صحيح كشريعة مادي وفارس التي لا تنسخ. حينئذ أجابوا وقالوا قدام الملك أن دانيال الذي من بني سبي يهوذا لم يجعل لك أيها الملك اعتبارًا ولا للنهي الذي أمضيته بل ثلاث مرات في اليوم يطلب طلبته. فلما سمع الملك هذا الكلام اغتاظ على نفسه جدًا وجعل قلبه على دانيال لينجيه واجتهد إلى غروب الشمس لينقذه. فاجتمع أولئك الرجال إلى الملك وقالوا للملك اعلم أيها الملك أن شريعة مادي وفارس هي أن كل نهي أو أمر يضعه الملك لا يتغيّر. حينئذ أمر الملك فأحضروا دانيال وطرحوه في جب الأسود.أجاب الملك وقال لدانيال أن إلهك الذي تعبده دائمًا هو ينجيك. وأتي بحجر ووضع على فم الجب وختمه الملك بخاتمه وخاتم عظمائه لئلا يتغيّر القصد في دانيال."

في (13) قولهم من بنى سبى يهوذا = يقصد به التحقير من شأنه هكذا هم يحتقرونه وغالبًا هو كان يذكر الجميع في صلواته هذه. وفي (14) الملك أغتاظ على نفسه = فهو قد اكتشف أنهم خدعوه، وقد عَلِمَ الآن لماذا طلبوا منه هذا الطلب. والملك حاول إنقاذ دانيال واستثنائه من هذا القرار ولكنهم واجهوه بأن شريعة مادي وفارس لا تنسخ آية (15) وراجع في هذا أيضًا إستير (1: 19 + 8: Cool.
تفسير مكمل لتمثال نبوخذ نصر من واقع ما سبق
رأس التمثال الذهب تشير لملك بابل الذي كبر وتقوَّى وعظمته زادت وبلغت إلى السماء (دا 4: 22) وعن مدى سلطانه فهو "أيًا شاء قتل وأيًا شاء استحيا" (دا 5: 19). وهذا السلطان المطلق قد حرم منه داريوس، فلم يستطع أن يترك دانيال صديقه حيًا ولذلك شُبِّهَ بالفضة. وأما اليونان فكان سلطان ملوكهم أقل. أما الرومان فقد اشتهروا بالديموقراطية وفي هذا راجع سفر المكابيين الأول (14:8-16)  فالسلطان المطلق يقل بتدرج التمثال من أعلي إلى أسفل بينما القوة تزداد. لذلك شبه اليونان بالنحاس والرومان بالحديد ولاحظ الموقف الحرج الذي وقفه داريوس. لذلك تعلم الكنيسة أن نصلي لحكامنا حتى يعطيهم الله حكمة في هذه المواقف المحرجة وذلك لأجل سلام الكنيسة. وكما خُتم على قبر المسيح وخرج حيًا هكذا ختم على جب دانيال والأسود وخرج دانيال حيًا. وكان داريوس يشجع دانيال وبهذا يتأكد أنه سمع بقصة الفتية الثلاث. وأيضًا برر دانيال من أي خطأ. وكان كلام داريوس عن الله كله ثقة في قوة الله.

الآيات (18-24): "حينئذ مضى الملك إلى قصره وبات صائمًا ولم يؤت قدامه بسراريه وطار عنه نومه.  ثم قام الملك باكرًا عند الفجر وذهب مسرعًا إلى جب الأسود. فلما اقترب إلى الجب نادى دانيال بصوت أسيف. أجاب الملك وقال لدانيال يا دانيال عبد الله الحي هل إلهك الذي تعبده دائمًا قدر على أن ينجيك من الأسود. فتكلم دانيال مع الملك يا أيها الملك عش إلى الأبد. إلهي أرسل ملاكه وسدّ أفواه الأسود فلم تضرّني لأني وجدت بريئًا قدامه وقدامك أيضًا أيها الملك لم افعل ذنبًا. حينئذ فرح الملك به وأمر بأن يصعد دانيال من الجب فأصعد دانيال من الجب ولم يوجد فيه ضرر لأنه آمن بإلهه. فأمر الملك فأحضروا أولئك الرجال الذين اشتكوا على دانيال وطرحوهم في جب الأسود هم وأولادهم ونساءهم. ولم يصلوا إلى أسفل الجب حتى بطشت بهم الأسود وسحقت كل عظامهم."

لم يسامح الملك نفسه على إلقاء دانيال في الجب وهو صديقه الوفي، وصام حزينًا ولم ينم، وكيف ينام وروحه مضطربة. وباكرًا ذهب للجب بنفسه ولم يكن عنده من الصبر ما يجعله يرسل خادمًا ليأتيه بالنبأ. ولاحظ كلام دانيال للملك بكل احترام فهو لم يوجه له اللوم على ما فعله، بل معنى كلماته أنه سامحه على ما فعل. ويبدو أن دانيال قضى في الجب مع الملاك ليلة مفرحة = الهى أرسل ملاكه. حقًا إن كل من أتكل على الله ينجيه الله ولا يخزيه. وتقوَّى داريوس فعاقب أعداء دانيال عقوبة بشعة كعادة الملوك الوثنيين وشراهة الأسود في افتراس هؤلاء تثبت أن امتناعها عن افتراس دانيال لم يكن لأنه لا شهية لها للأكل، بل لأن قوة إلهية قد منعتها. ولاحظ أن دانيال كان في الجب في سلام وفرح افتقدهم الملك على سريره في قصره، فهو لم ينم تلك الليلة.

في آية (4) يقول إن الوزراء والمرازبة كانوا يطلبون علة. ولكن لا يمكن فهم هذا على أن الـ120 مرزبانًا تورطوا في هذه المؤامرة، بل بعضهم فقط.

الآيات (25-28): "ثم كتب الملك داريوس إلى كل الشعوب والأمم والألسنة الساكنين في الأرض كلها. ليكثر سلامكم. من قبلي صدر أمر بأنه في كل سلطان مملكتي يرتعدون ويخافون قدام إله دانيال لأنك هو الإله الحي القيوم إلى الأبد وملكوته لن يزول وسلطانه إلى المنتهى. هو ينجي وينقذ ويعمل الآيات والعجائب في السموات وفي الأرض.هو الذي نجى دانيال من يد الأسود. فنجح دانيال هذا في ملك داريوس وفي ملك كورش الفارسي."

قرار داريوس هنا في توقير الله فاق ما قاله نبوخذ نصر. حقًا فالله قادر أن يتمجد في أعين الجميع حتى الوثنيين. ولاحظ الصفات التي قالها داريوس عن الله = الحي القيوم إلى الأبد

فنجح دانيال هذا في ملك داريوس وفي ملك كورش الفارسي = كان داريوس المادي يحكم بابل تحت ملك كورش. فقد عين كورش داريوس ملكًا على بابل.
avatar
طارق فتحي
المدير العام

عدد المساهمات : 2802
تاريخ التسجيل : 19/12/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alba7th.3oloum.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى