تفسير سفر دانيال 3 - 4

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

تفسير سفر دانيال 3 - 4

مُساهمة  طارق فتحي في الثلاثاء ديسمبر 09, 2014 3:20 am

تفسير سفر دانيال 3
شرح الكتاب المقدس - العهد القديم - القس أنطونيوس فكري
دانيال 3 - تفسير سفر دانيال
سنة 587 ق.م.
تركنا الثلاث فتية في نهاية الإصحاح السابق وهم في مراكز سامية ومع أن الله يعطي مجدًا لقديسيه في السماء إلا أنه في بعض الأحيان يعطي أيضًا مكافآت أرضية لهم. وهذا لا يمنع أن يسمح أيضًا لهم ببعض الضيقات والتجارب. وهؤلاء الفتية الثلاث تركوا الكرامة وقبلوا الآلام فأنقذهم الله (عب34:11). هنا الرسول في العبرانيين يشير لهذه القصة في هذا الإصحاح.
الآيات (1-7): " نبوخذناصّر الملك صنع تمثالًا من ذهب طوله ستون ذراعًا وعرضه ست أذرع ونصبه في بقعة دورا في ولاية بابل. ثم أرسل نبوخذناصّر الملك ليجمع المرازبة والشحن والولاة والقضاة والخزنة والفقهاء والمفتين وكل حكام الولايات ليأتوا لتدشين التمثال الذي نصبه نبوخذناصّر الملك. حينئذ أجتمع المرازبة والشحن والولاة والقضاة والخزنة والفقهاء والمفتون وكل حكام الولايات لتدشين التمثال الذي نصبه نبوخذناصّر الملك ووقفوا أمام التمثال الذي نصبه نبوخذناصّر. ونادى مناد بشدة قد أمرتم أيها الشعوب والأمم والألسنة. عندما تسمعون صوت القرن والناي والعود والرباب والسنطير والمزمار وكل أنواع العزف أن تخروا وتسجدوا لتمثال الذهب الذي نصبه نبوخذناصّر الملك. ومن لا يخرّ ويسجد ففي تلك الساعة يلقى في وسط أتون نار متقدة. لأجل ذلك وقتما سمع كل الشعوب صوت القرن والناي والعود والرباب والسنطير وكل أنواع العزف خرّ كل الشعوب والأمم والألسنة وسجدوا لتمثال الذهب الذي نصبه نبوخذناصّر الملك."

St-Takla.org Image: People forced to worship idol by king Nebuchadnezzar: "Whoso falleth not down and worshippeth shall the same hour be cast into the midst of a burning fiery furnace" (Daniel 3:6) صورة في موقع الأنبا تكلا: إجبار الملك نبوخذنصر, الشعب على السجود للأصنام: "ومن لا يخر ويسجد ففي تلك الساعة يلقى في وسط أتون نار متقدة" (دانيال 3: 6)
St-Takla.org Image: People forced to worship idol by king Nebuchadnezzar: "Whoso falleth not down and worshippeth shall the same hour be cast into the midst of a burning fiery furnace" (Daniel 3:6)

قد يكون هذا التمثال للإله مرودخ أو لنبوخذ نصر نفسه. لكن لنلاحظ كمية الذهب المستخدمة (التمثال 60 ذراعًا 6 × أذرع أي حوالي 30 مترًا في ارتفاعه، 3 أمتار في عرضه. وقد يشمل هذا ارتفاع القاعدة وهناك احتمال قطعًا أن لا يكون التمثال كله من الذهب الخالص، بل يكون مغطى بقشرة من الذهب) ولكن عمومًا فكمية الذهب المستخدمة ضخمة فهؤلاء الوثنيون يبذلون الكثير لإرضاء آلهتهم، فماذا نبذل نحن لإلهنا؟! ورقم (6) يتكرر فهو رقم النقص، وضد المسيح رقم اسمه (666) فوراء عبادة التماثيل إبليس بالتأكيد. ونلاحظ أنه بعد اعتراف نبوخذ نصر لله بأنه إله الآلهة ارتد سريعًا ربما ليثبت للشعب أنه لم يرتد عن عبادة الأصنام أو إذا كان التمثال له فهذا يشير لانتفاخه وكبريائه. وربما هو أراد أن يزيل من عقول الشعب إعجابهم بإله دانيال. وهو أمر بجمع كل كبار رجال الدولة لتدشين التمثال أي لإعلان الجميع خضوعهم له. كم تعبوا وكم أنفقوا في سبيل هذه الرحلة الغبية، ولكن عابدي الأوثان أغبياء كأوثانهم. وكان الإغراء بالموسيقى والتهديد بنيران الأتون (= فرن كبير) والمرازبة = حكام الولايات. والشحن = رؤساء الشرطة. والخزنة = وزراء المالية والتموين وقد اكتشفوا في الأثار قاعدة تمثال في مقاطعة اسمها (دوار) في خرائب بابل. وآلة السنطير هي الهارب HARP (وهي آلة وترية) وسجود الناس لهذا الصنم يعادل سجود الناس للوحش في أيام نهاية العالم. وغالبًا كان دانيال خارج بابل وإلا لكان قد رفض السجود للصنم مع الفتية أو هم لم يشتكوا دانيال لأنهم يعرفون تقدير الملك له.
الآيات (8-18): "لأجل ذلك تقدم حينئذ رجال كلدانيون وأشتكوا على اليهود. أجابوا وقالوا للملك نبوخذناصّر أيها الملك عش إلى الأبد. أنت أيها الملك قد أصدرت أمرًا بأن كل إنسان يسمع صوت القرن والناي والعود والرباب والسنطير والمزمار وكل أنواع العزف يخرّ ويسجد لتمثال الذهب. ومن لا يخرّ ويسجد فأنه يلقى في وسط أتون نار متقدة. يوجد رجال يهود الذين وكلتهم على أعمال ولاية بابل شدرخ ومشيخ وعبد نغو. هؤلاء الرجال لم يجعلوا لك أيها الملك اعتبارًا. آلهتك لا يعبدون ولتمثال الذهب الذي نصبت لا يسجدون. حينئذ أمر نبوخذناصّر بغضب وغيظ بإحضار شدرخ وميشخ وعبد نغو. فأتوا بهؤلاء الرجال قدام الملك. فأجاب نبوخذناصّر وقال لهم. تعمّدًا يا شدرخ وميشخ وعبد نغو لا تعبدون آلهتي ولا تسجدون لتمثال الذهب الذي نصبت. فأن كنتم الآن مستعدين عندما تسمعون صوت القرن والناي والعود والرباب والسنطير والمزمار وكل أنواع العزف إلى أن تخرّوا وتسجدوا للتمثال الذي عملته. وأن لم تسجدوا ففي تلك الساعة تلقون في وسط أتون النار المتقدة. ومن هو الإله الذي ينقذكم من يديّ. فأجاب شدرخ وميشخ وعبد نغو وقالوا للملك. يا نبوخذناصّر لا يلزمنا أمرًا نجيبك عن هذا الأمر. هوذا يوجد إلهنا الذي نعبده يستطيع أن ينجينا من أتون النار المتقدة وأن ينقذنا من يدك أيام الملك. وإلا فليكن معلومًا لك أيها الملك أننا لا نعبد آلهتك ولا نسجد لتمثال الذهب الذي نصبته."
كانت شكوى الكلدانيين من الثلاثة فتية لغيرتهم من المراكز التي نالوها. وفي كلامهم مع الملك يقولون رجال يهود = ليثيروه ويذكروه بأنه سحق يهوذا وأن هؤلاء من يهوذا الدولة الوضيعة ومع هذا فلقد أعطاهم الملك مراكز سامية وهم الآن يعارضون السجود لآلهة الملك.
ونلاحظ ثورة الملك الفظيعة ضدهم بينما أن من يعبد الله تتهذب طباعه أما عبادة الأوثان هذه فتحول الناس إلى وحوش. وعمومًا فالخطية تقسي القلب. ولاحظ قول الملك لهم من هو الإله الذي ينقذكم = هذا قول كل متكبر وقال هذا أيضًا فرعون وسنحاريب، هذا بحق رد شيطاني (ونلاحظ أن الله يجتذب نبوخذ نصر لكن أيضًا الشيطان يقاوم عمل الله). أما الفتية الثلاثة فكانت ردودهم رائعة مملوءة إيمانًا وشاعرين بحماية الله لهم مفضلين الموت عن خيانة إلههم. ومهما كانت قوة الملك فهو له سلطان على أجسادهم فقط. ولنعرف حجم الضغوط الواقعة عليهم لنلاحظ:-
1. كان المطلوب منهم تصرف واحد فقط وهو السجود ثم يعودوا لعبادة إلههم أن أرادوا.
2. من يأمرهم بهذا هو الملك الذي له عليهم سلطان مطلق.
3. هذا الملك أحسن إليهم وأعطاهم مراكز سامية مما يشعرهم بالحرج لمخالفة أوامره.
4. هم الآن في بلد قوى وكان لهم عذرهم لو انجرفوا مع التيار القوى.
5. آباؤهم وملوكهم وكهنتهم فعلوا هذا باختيارهم في أورشليم.
6. حرصهم على مراكزهم التي عن طريقها يقدمون خدمات لشعبهم.
كل هذا يبرر عقليًا سجودهم ولكن محبتهم لإلههم منعتهم، ليعبدوه وحده.
St-Takla.org Image: Angel appears in furnace - The Three young men saved: Lo, I see four men loose, walking in the midst of the fire, and they have no hurt; and the form of the fourth is like the Son of God (Daniel 3:25). صورة في موقع الأنبا تكلا: الملاك يظهر في آتون النار - إنقاذ الفتية الثلاثة من الأتون: ها أنا ناظر أربعة رجال محلولين يتمشون في وسط النار وما بهم ضرر ومنظر الرابع شبيه بأبن الآلهة (دانيال 3: 25)
St-Takla.org Image: Angel appears in furnace - The Three young men saved: Lo, I see four men loose, walking in the midst of the fire, and they have no hurt; and the form of the fourth is like the Son of God (Daniel 3:25).
صورة في موقع الأنبا تكلا: الملاك يظهر في آتون النار - إنقاذ الفتية الثلاثة من الأتون: ها أنا ناظر أربعة رجال محلولين يتمشون في وسط النار وما بهم ضرر ومنظر الرابع شبيه بأبن الآلهة (دانيال 3: 25)
الآيات (19-27): "حنيئذ امتلأ نبوخذناصّر غيظًا وتغير منظر وجهه على شدرخ وميشخ وعبد نغو. فأجاب وأمر بأن يحموا الأتون سبعة أضعاف أكثر مما كان معتادًا أن يحمى. وأمر جبابرة القوة في جيشه بأن يوثقوا شدرخ وميشخ وعبد نغو ويلقوهم في أتون النار المتقدة. ثم أوثق هؤلاء الرجال في سراويلهم وأقمصتهم وأرديتهم ولباسهم وألقوا في وسط أتون النار المتقدة. ومن حيث أن كلمة الملك شديدة والأتون قد حمّي جدًا قتل لهيب النار الرجال الذين رفعوا شدرخ وميشخ وعبد نغو. وهؤلاء الثلاثة الرجال شدرخ وميشخ وعبد نغو سقطوا موثقين في وسط أتون النار المتقدة. حينئذ تحيّر نبوخذناصّر الملك وقام مسرعًا فأجاب وقال لمشيريه ألم نلقي ثلاثة رجال موثقين في وسط النار.فأجابوا وقالوا للملك صحيح أيام الملك. أجاب وقال ها أن ناظر أربعة رجال محلولين يتمشون في وسط النار وما بهم ضرر ومنظر الرابع شبيه بابن الآلهة. ثم أقترب نبوخذناصّر إلى باب أتون النار المتقدة وأجاب فقال يا شدرخ وميشخ وعبد نغو يا عبيد الله العلي أخرجوا وتعالوا. فخرج شدرخ وميشخ وعبد نغو من وسط النار. فاجتمعت المرازبة والشحن والولاة ومشيرو الملك ورأوا هؤلاء الرجال الذين لم تكن للنار قوّة على أجسامهم وشعرة من رؤوسهم لم تحترق وسراويلهم لم تتغير ورائحة النار لم تأتي عليهم."

كان المفروض أن كلام الفتية الثلاثة يحرك مشاعر نبوخذ نصر القديمة، وإيمانه السابق بأن الله إله الإلهة ومع أنه يعلم حكمة هؤلاء الفتية الثلاثة إلا أن صورته تغيرت، وهذا يحدث مع كل من أسلم نفسه للشيطان فهو يزداد هياجًا أمام كلمات الله. وهو زاد العقوبة عليهم لكن الله تمجد بالأكثر وسط هذه الوحشية لتكون يد الله واضحة في خلاصهم. ولاحظ أن النيران قد أحرقت قيودهم دون أن تحرق ملابسهم وهذا من بركات أي تجربة يسمح بها الله أنها تحررنا من قيود الخطية (راجع أش2:43). وظهور المسيح وسطهم يعني أن الضيقات التي تقع على أولاده تقع عليه هو. هم استهانوا بالنار التي تقتلهم في دقائق فماذا تكون هذه أمام نيران البحيرة المتقدة بالنار وعذابها أبدي. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات والتفاسير الأخرى). ونلاحظ أن طريقة الله أنه لا يخرجنا من التجربة بل يأتي ويسير معنا فيها ويعزينا فتتحول نيرانها لبرودة وآلامها لسلام وفرح بمن يسير معنا.
كان للأتون فتحة من أسفل يري منها من في الخارج الفتية الثلاث وهم في النار ومنها خرج الفتية الثلاث. ونلاحظ أنه بعد أن هاج نبوخذ نصر ضد الفتية الثلاث عاد وسماهم عبيد الله العلي.
وظهور المسيح معهم هنا هو ظهور وليس تجسد. فالتجسد كان من العذراء مريم. وعجيب أمر الفتية الثلاث فبعد ما احترقت قيودهم لم يخرجوا من الأتون إلا حينما أمرهم الملك فهم في الأتون مع المسيح أكثر فرحًا من وجودهم خارجه في وسط العالم، حيث الجنود والنفوس المملوءة كراهية.

الآيات (28-30): "فأجاب نبوخذناصّر وقال تبارك إله شدرخ وميشخ وعبد نغو الذي أرسل ملاكه وأنقذ عبيده الذين أتكلوا عليه وغيروا كلمة الملك وأسلموا أجسادهم لكيلا يعبدوا أو يسجدوا لإله غير إلههم. فمني قد صدر أمر بأن كل شعب وأمة ولسان يتكلمون بالسوء على إله شدرخ وميشخ وعبد نغو فإنهم يصيرون إربًا إربًا وتجعل بيوتهم مزبلة إذ ليس إله آخر يستطيع أن ينجي هكذا. حينئذ قدم الملك شدرخ وميشخ وعبد نغو في ولاية بابل."

بعد هذه القصة عرف الملك لماذا سقطت أورشليم في يده. فهذا كان ليس راجعاً لقوته بل لأن الله أسلمها ليده بسبب خطاياها. ولو كان يهود أورشليم أمناء مثل الثلاثة فتية لأنقذهم الله أيضاً. ولكن مع كل هذا لم يؤمن الملك بالله بل سَّماه إله شدرخ وميشخ (29) ولاحظ أنه أجاب على سؤاله في (15).

30حِينَئِذٍ قَدَّمَ الْمَلِكُ شَدْرَخَ وَمِيشَخَ وَعَبْدَنَغُوَ فِي وِلاَيَةِ بَابِلَ = نلاحظ هنا مبدأ روحي وهو أن وراء كل تجربة يسمح بها الله لأولاده فائدة ، فهنا نجد أن الملك رفع من قدر الفتية الثلاثة بعد التجربة التي حدثت لهم = قَدَّمَ. وروحيا فالله لا يسمح للشيطان بأن يجربنا إلاّ لو هناك فائدة روحية لنا من وراء التجربة (راجع تفسير إصحاح 2أي 20).

صلاة الثلاثة فتية في الأتون : وردت في الأسفار القانونية الثانية وهي صلاة رائعة تأتي بعد الآية (23) والكنيسة الأرثوذكسية تسبح بهذه التسبحة يومياً فيما يسمى بالهوس الثالث من تسبحة نصف الليل التي تسبق القداس. وتقرأها الكنيسة أيضاً في ليلة أبوغلمسيس وبالتحديد الجزء الأول من (24-45) والجزء الثاني من (51-90) فهي تسبحة الهوس الثالث وسيأتي تفصيلها فيما بعد.
دانيال 3، 13، 14 تتمة نبوءة دانيال
الأسفار القانونية الثانية
بقية الإصحاح الثالث

يشمل صلاة الفتية الثلاثة في آتون النار ونلاحظ عناصر صلاتهم:-

1. الاعتراف بالخطية: كان هذا بانسحاق ويقولون أن كل هذا أتى عليهم (السبي/ احتراق أورشليم/ إلقائهم في آتون النار) بسبب خطيتهم وهذا هو قول العشار اللهم ارحمني أنا الخاطئ وهذا ما قاله النبي إرمياء في المراثي فهم لم ينسبوا لله ظلمًا.
2. اللجاجة في الصلاة: لا تخذلنا للانقضاء... اطلبوا تجدوا...
3. الشفاعة: كانوا يصلون قائلين "من أجل إبراهيم وإسحق ويعقوب".
4. الذبائح المقبولة : اقبل ذبائحنا قدامك. يقول بولس الرسول "قدموا أجسادكم ذبائح حيَّة ولكن هؤلاء قدموا أجسادهم ذبائح حقيقية. علينا أن نحسب كل شيء رخيصًا أمام الله".
5. الشكر: لأنه أنقذهم من النار. والكنيسة تضع صلاة الشكر في مقدمة كل صلاة.
6. العهد مع الله: نتبعك الآن من كل قلوبنا. والتوبة هي نوع من العهد مع الله.
7. التمجيد: خليقة الله الجملية (شمس / نجوم..) تمجد الله وشاهدة على عمله وعظمته.

تسبحة الثلاثة فتية القديسين:
"24 فكانوا يتمشون في وسط اللهيب مسبحين الله ومباركين الرب. 25 ووقف عزريا وصلى هكذا وفتح فاه في وسط النار وقال. 26 مبارك أنت أيها الرب إله آبائنا وحميد واسمك ممجد إلى الدهور. 27 لأنك عادل في جميع ما صنعت وأعمالك كلها صدق وطرقك استقامة وجميع أحكامك حق. 28 وقد أجريت أحكام حق في جميع ما جلبت علينا وعلى مدينة آبائنا المقدسة أورشليم لأنك بالحق والحكم جلبت جميع ذلك لأجل خطايانا. 29 إذ قد خطئنا واثمنا مرتدين عنك وأجرمنا في كل شيء. 30 ولم نسمع لوصاياك ولم نحفظها ولم نعمل بما أوصيتنا لكي يكون لنا خير. 31 فجميع ما جلبت علينا وجميع ما صنعت بنا إنما صنعته بحكم حق. 32 فأسلمتنا إلى أيدي أعداء آثمة وكفرة ذوي بغضاء وملك ظالم شر من كل من على الأرض. 33 والآن ليس لنا أن نفتح أفواهنا فقد صرنا خزيا وعارا لعبيدك والقانتين لك. 34 فلا تخذلنا إلى الانقضاء لأجل اسمك ولا تنقض عهدك. 35 ولا تصرف رحمتك عنا لأجل إبراهيم خليلك واسحق عبدك وإسرائيل قديسك. 36 الذين قلت لهم أنك تكثر نسلهم كنجوم السماء وكالرمل الذي على شاطئ البحر. 37 لقد جعلنا أيها الرب أقل عددا من كل أمة ونحن اليوم أذلاء في كل الأرض لأجل خطايانا. 38 وليس لنا في هذا الزمان رئيس ولا نبي ولا قائد ولا محرقة ولا ذبيحة ولا تقدمة ولا بخور ولا موضع لتقريب البواكير أمامك. 39 ولنيل رحمتك ولكن لانسحاق نفوسنا وتواضع أرواحنا اقبلنا. 40 وكمحرقات الكباش والثيران وربوات الحملان السمان هكذا فلتكن ذبيحتنا أمامك اليوم حتى ترضيك فانه لا خزي للمتوكلين عليك. 41 أنا نتبعك الآن بكل قلوبنا ونتقيك ونبتغي وجهك. 42 فلا تخزنا بل عاملنا بحسب رأفتك وكثرة رحمتك. 43 وأنقذنا على حسب عجائبك وأعط المجد لاسمك أيها الرب. 44 وليخجل جميع الذين أروا عبيدك المساوئ وليخزوا ساقطين عن كل اقتدارهم ولتحطم قوتهم. 45 وليعلموا أنك أنت الرب الإله وحدك المجيد في كل المسكونة. 46 ولم يزل خدام الملك الذين القوهم يوقدون الآتون بالنفط والزفت والمشاقة والزرجون. 47 فارتفع اللهيب فوق الآتون تسعا وأربعين ذراعا. 48 وانتشر واحرق الذين صادفهم حول الآتون من الكلدانيين. 49 أما أصحاب عزريا فنزل ملاك الرب إلى داخل الآتون وطرد لهيب النار عن الآتون. 50 وجعل وسط الآتون ريحا ذات ندى تهب فلم تمسهم النار البتة ولم تسؤهم ولم تزعجهم. 51 حينئذ سبح الثلاثة بفم واحد ومجدوا وباركوا الله في الآتون قائلين. 52 مبارك أنت أيها الرب إله آبائنا وحميد ورفيع إلى الدهور ومبارك اسم مجدك القدوس ورفيع إلى الدهور. 53 مبارك أنت في هيكل مجدك القدوس ومسبح وممجد إلى الدهور. 54 مبارك أنت في عرش ملكك ومسبح ورفيع إلى الدهور. 55 مبارك أنت أيها الناظر الأعماق الجالس على الكروبين ومسبح ورفيع إلى الدهور. 56 مبارك أنت في جلد السماء ومسبح وممجد إلى الدهور. 57 باركي الرب يا جميع أعمال الرب سبحي وارفعيه إلى الدهور. 58 باركوا الرب يا ملائكة الرب سبحوا وارفعوه إلى الدهور. 59 باركي الرب أيتها السماوات سبحي وارفعيه إلى الدهور. 60 باركي الرب يا جميع المياه التي فوق السماء سبحي وارفعيه إلى الدهور. 61 باركي الرب يا جميع جنود الرب سبحي وارفعيه إلى الدهور. 62 باركا الرب أيها الشمس والقمر سبحا وارفعاه إلى الدهور. 63 باركي الرب يا نجوم السماء سبحي وارفعيه إلى الدهور. 64 باركي الرب يا جميع الأمطار والأنداء سبحي وارفعيه إلى الدهور. 65 باركي الرب يا جميع الرياح سبحي وارفعيه إلى الدهور. 66 باركا الرب أيها النار والحر سبحا وارفعاه إلى الدهور. 67 باركا الرب أيها البرد والحر سبحا وارفعاه إلى الدهور. 68 باركا الرب أيها الندى والجليد سبحا وارفعاه إلى الدهور. 69 باركا الرب أيها الجمد والبرد سبحا وارفعاه إلى الدهور. 70 باركا الرب ايها الصقيع والثلج سبحا وارفعاه إلى الدهور. 71 باركا الرب أيها الليل والنهار سبحا وارفعاه إلى الدهور. 72 باركا الرب أيها النور والظلمة سبحا وارفعاه إلى الدهور. 73 باركي الرب أيتها البروق والسحب سبحي وارفعيه إلى الدهور. 74 لتبارك الأرض الرب لتسبح وترفعه إلى الدهور. 75 باركي الرب أيتها الجبال والتلال سبحي وارفعيه إلى الدهور. 76 باركي الرب يا جميع أنبتة الأرض سبحي وارفعيه إلى الدهور. 77 باركي الرب أيتها الينابيع سبحي وارفعيه إلى الدهور. 78 باركي الرب أيتها البحار والأنهار سبحي وارفعيه إلى الدهور. 79 باركي الرب أيتها الحيتان وجميع ما يتحرك في المياه سبحي وارفعيه إلى الدهور. 80 باركي الرب يا جميع طيور السماء سبحي وارفعيه إلى الدهور. 81 باركي الرب يا جميع الوحوش والبهائم سبحي وارفعيه إلى الدهور. 82 باركوا الرب يا بني البشر سبحوا وارفعوه إلى الدهور. 83 باركوا الرب يا إسرائيل سبحوا وارفعوه إلى الدهور. 84 باركوا الرب يا كهنة الرب سبحوا وارفعوه إلى الدهور. 85 باركوا الرب يا عبيد الرب سبحوا وارفعوه إلى الدهور. 86 باركوا الرب يا أرواح ونفوس الصديقين سبحوا وارفعوه إلى الدهور. 87 باركوا الرب أيها القديسون والمتواضعو القلوب سبحوا وارفعوه إلى الدهور. 88 باركوا الرب يا حننيا وعزريا وميشائيل سبحوا وارفعوه إلى الدهور لأنه أنقذنا من الجحيم وخلصنا من يد الموت ونجانا من وسط آتون اللهيب المضطرم ومن وسط النار. 89 اعترفوا للرب لأنه صالح لأن إلى الأبد رحمته. 90 باركوا يا جميع القانتين الرب إله الآلهة سبحوا واعترفوا لأن إلى الأبد رحمته."

الله يسمح بالتجارب ولا يرفعها عن عبيده وأبنائه، بل يأتي ويعزيهم ويرافقهم وسط الضيقة كما حدث هنا. وفائدة التجارب هي قطع رباطات الخطية وهذا ما حدث للثلاثة فتية هنا، إذ لم تحترق ملابسهم لكن احترقت الأربطة التي كانت تربطهم (دا 25:3) (بحسب نسخة بيروت). وحينما تتقطع الرباطات يسبح الإنسان الله. فعلى أنهار بابل لم يستطيعوا التسبيح إذ مازالوا في العبودية، مربوطين برباطات العبودية (مز1:137-4). ولكن هؤلاء المحررين من الرباطات يرون الله فيسبحونه. والذي يسبح لا يطلب شيء من الله، بل هو فرح بالله وهذا يكفي. لذلك فالتسبيح أرقى درجات الصلاة. ونرى أن عزريا هو الذي بدأ التسبيح (25) ثم سبح الثلاثة بفمٍ واحد (51). وهذا يعني أن تسبيح عزريا أشعل محبتهم لله فامتلأوا بالروح، فنطق الروح على ألسنتهم جميعًا (مز1:45) صارت ألسنتهم قلم واحد لكاتب ماهر واحد هو الروح القدس.

ونرى من امتلأ بالروح لا ينسب لله ظلمًا ولا عتابًا على ما هو فيه من ألم، بل ينسب الألم لخطاياه هو (28-33). لقد انفتحت عينا مثل هذا الإنسان فرأي الله في محبته، ويراه أنه لا يمكن أن يؤذي أولاده ، ويفهم أن الضربات هي للتأديب، يرى الله في وداعته وعينيه المملوئتين شفقة ومحبة ويتأمل في صفاته فيسبحه. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات والتفاسير الأخرى). احتراق الرباطات ينقي القلب، فيرى الإنسان الله (مت8:5) ومن يرى الله يحبه فيسبحه. ويرى أيضًا بشاعة قلبه فيعترف بخطيته (إر9:17). وبهذا يعترف بعدل الله في كل أحكامه. وإن سمح الله بنار تجربة، فسيخرج منها أبناءه بعد أن تحترق رباطاتهم، إذًا هي لتنقية القلب. والله له أدوات يصنع بها هذا، مثل هذا الأتون ومثل الملك الظالم نبوخذ نصر وجيشه. وبعد أن يتم التأديب يؤدب الله الملوك الظالمين (إر50، 51). صرنا عارًا= الوثنيون رأوهم سبايا محتقرين (33).
والمؤمن وسط التجربة عليه أن لا يكف عن التضرع لله ليخلصه= لا تخذلنا إلى الانقضاء (34) ولا تنقض عهدك= فعدم أمانتنا لن يجعل الله ينقض عهده ويكون غير أمينًا (رو3:3، 4) لأجل إبراهيم خليلك وإسحق عبدك وإسرائيل قديسك (34، 35) هذا النص موجود في قطع صلاة الساعة التاسعة.
(37) لقد جعلنا أيها الرب أقل عددًا= فلقد ذهب كثيرين إلى السبي (تث62:28)، وبهذا تنبأ لهم موسى.
(38) ليس لنا نبي ولا..= صاروا بلا عبادة ولا ذبائح ولا هيكل في السبي. والله قطع علاقته معهم. وهم كانوا أصدقاء لدانيال ولكن في هذا الوقت لم يعرفوا دانيال كنبي، فهذا قد ظهر في أواخر أيامه. وأما حزقيال فلقد أخذوه من ضمن سبايا السبي الثاني. وكان دانيال والفتية الثلاث قبله بسنوات في بابل.. ولا محرقة ولا ذبيحة= ولكن تسبحتهم هذه عند الله لهي أفضل من المحرقات والذبائح [(هو2:14) وقد ترجمت عجول شفاهنا في السبعينية "ثمر شفاه معترفة باسمه" وهكذا اقتبسها بولس الرسول في (عب15:132)] والمعنى أن الشفاه المعترفة بإحسانات الله والتي تسبحه لهي أفضل من عجول المحرقات. وما أحلى تسبحة هؤلاء الفتية عند الله وهم وسط تجربة الأتون. والأعداد (41-43) أخذتها الكنيسة لترتل بها في التسبحة اليومية. إنقذنا على حسب عجائبك = وليس على حسب استحقاقنا. ولماذا؟ لتتمجد أنت يا رب = إعط المجد لاسمك أيها الرب.. وليعلموا أنك أنت الرب الإله وحدك (43-45). فلا تخزنا بل عاملنا بحسب رأفتك وكثرة رحمتك (42) هي ما نصلي بها في صلوات القداس (كرحمتك يا رب ولا كخطايانا).
(46) النفط= منتجات البترول. المشاقة= مثل الشعر الذي يمشط من نسيج الصوف. زرجون = هو مادة كحولية تستخدم كخمر وتساعد على الاشتعال.
نزل ملاك الرب إلى داخل الأتون وطرد لهيب النار عن الأتون= هذه هي طريقة الرب مع أولاده، هو لا يرفع التجربة حتى تؤتي ثمارها، لكنه يأتي ويكون مع أولاده يعزيهم، فهو يعطي مع التجربة المنفذ (1كو13:10) = جعل وسط الأتون ريحًا ذات ندى.
وفي تسبحة الثلاثة فتية معًا بعد ذلك نراهم يطلبون من الخليقة كلها أن تسبح الله والمعنى أن الخليقة حتى الجامدة منها تعلن مجد الله وقدرته وعظمته. وهذا رد من الفتية على نبوخذ نصر الذي اعتبر تمثاله الذهبي إلهًا.


دانيال 4 - سنة 571 ق.م.
في الإصحاح السابق رأينا مقاومة العالم لملكوت الله وهنا نرى الله هو ملك الملوك ورب الأرباب وضابط الكل. والكل خاضع له. نجد هنا قصة نبوخذ نصر عن نفسه ضمنها دانيال في كتابه. وهنا نرى كيف تعامل الله مع الملك بطرق متعددة حتى يؤمن، فأراه حلم التمثال وأظهر له حكمة دانيال وجهل أوثانه، ثم أظهر له قوته في حادثة الثلاثة فتية. ولكن مازال قلبه مرتفعًا ومازال مؤلِّهًا نفسه وهنا الله يحاول تحذيره من عواقب هذه السقطة الشيطانية أي الكبرياء وهي التي سقط فيها الشيطان. ومازال يُسْقِطْ بها كل البشر. والله استخدم حلمًا آخر ليدعوه للتواضع ولما لم يستجب ضربه وأدبه فآمن وتواضع.

الآيات (1-3): "من نبوخذناصّر الملك إلى كل الشعوب والأمم والألسنة الساكنين في الأرض كلها ليكثر سلامكم. الآيات والعجائب التي صنعها معي الله العلي حسن عندي أن أخبر بها. آياته ما أعظمها وعجائبه ما أقواها.ملكوته ملكوت أبدي وسلطانه إلهه دور فدور."

لم يستفد الملك من الحلم واستمر في ارتفاع قلبه وهنا لجأ الله للأسلوب الأعنف، فتحقق وعيد الله ونفذ الإنذار الذي كان قد سبق وأنذر به الملك وقد جُنَّ الملك فعلًا وبعد أن شفى كتب هذه الكلمات التي تُعبِّر عن توبته وشفائه الروحي. وهذا هو أسلوب الله دائمًا فهو الذي أرسل أرمياء منذرًا بخراب أورشليم إن لم تتب ثم نفذ تهديده. وبعد أن عاد الشعب من السبي كان قد شفى تمامًا من العبادة الوثنية التي بسببها ذهب إلى السبي. وهنا شعر الملك بسلطان الله وسيادته على كل الناس. هو استفاد من الدرس وأراد أن يفيد شعبه به فكتب الحادثة وسجلها واعترف بخطيته علنًا. ويعترف هنا بملكوت الله الأبدي بينما عرف أن مملكته ستزول. إلى دور فدور أي من جيل إلى جيل ولغة هذه التسبحة تميل للفكر الكتابي وهذا يظهر تأثير دانيال على الملك الوثني.

St-Takla.org Image: A huge tree with birds nesting in it, from St-Takla.org's journey to Ethiopia, 2008 - Photograph by Michael Ghaly for St-Takla.org, April-June 2008

الآيات (4-18): "أن نبوخذناصّر قد كنت مطمئنًا في بيتي وناضرًا في قصري. رأيت حلمًا فروّعني والأفكار على فراشي ورؤى رأسي أفزعتني. فصدر مني أمر بإحضار جميع حكماء بابل قدامي ليعرفوني بتعبير الحلم. حينئذ حضر المجوس والسحرة والكلدانيون والمنجمون وقصصت الحلم عليهم فلم يعرفوني بتعبيره. أخيرًا دخل قدامي دانيال الذي اسمه بلطشاصر كاسم إلهي والذي فيه روح الآلهة القدوسين فقصصت الحلم قدامه. يا بلطشاصر كبير المجوس من حيث أنى أعلم أن فيك روح الآلهة القدوسين ولا يعسر عليك سرّ فأخبرني برؤى حلمي الذي رأيته وبتعبيره. فرؤى رأسي على فراشي هي أني كنت أرى فإذا بشجرة في وسط الأرض وطولها عظيم. فكبرت الشجرة وقويت فبلغ علوها إلهه السماء ومنظرها إلى أقصى كل الأرض. أوراقها جميلة وثمرها كثير وفيها طعام للجميع وتحتها استظل حيوان البر وفي أغصانها سكنت طيور السماء وطعم منها كل البشر. كنت أرى في رؤى رأسي على فراشي وإذا بساهر وقدوس نزل من السماء. فصرخ بشدة وقال هكذا.اقطعوا الشجرة وأقضبوا أغصانها وانثروا أوراقها وابذروا ثمرها ليهرب الحيوان من تحتها والطيور من أغصانها. ولكن اتركوا ساق أصلها في الأرض وبقيد من حديد ونحاس في عشب الحقل وليبتلّ بندى السماء وليكن نصيبه مع الحيوان في عشب الحقل. ليتغيّر قلبه عن الإنسانية وليعط قلب حيوان ولتمضي عليه سبعة أزمنة.  هذا الأمر بقضاء الساهرين والحكم بكلمة القدوسين لكي تعلم الأحياء أن العلي متسلط في مملكة الناس فيعطيها من يشاء وينصب عليها أدنى الناس. هذا الحلم رأيته أنا نبوخذناصّر الملك.أما أنت يا بلطشاصر فبيّن تعبيره لأن كل حكماء مملكتي لا يستطيعون أن يعرفوني بالتعبير.أما أنت فتستطيع لأن فيك روح الآلهة القدوسين."

في (4) كان الملك ناضراً = أي مزدهراً فالله أعطاه الإنذار وهو بعد في كامل عقله وسلطانه بعد أن إنتهي من كل حروبه وبالذات مع مصر وكان في السنة 34 أو 35 لحكمه. وهذا الحكم الإلهي تحقق بعد سنة من تاريخ الإنذار بالحلم، فالله يطيل أناته. وتم تنفيذ الإنذار وجُنَّ الملك لمدة 7 سنوات ثم شفى لمدة سنتين كتب فيهما هذه القصة ثم مات في السنة 45 له. وفي (5) روعنى = هذا الذي لم يخشى إنساناً ولا حرباً رَوَّعَه حلم لأنه من قبل الله. وفي (7) السحرة = وظيفتهم عمل الرقيات والتعاويذ وكتابات السحر وذلك عن طريق علاقاتهم بالأرواح الشريرة. والمنجمون أو العرافون = هؤلاء يدعون المعرفة عن طريق الأرواح الشريرة أيضاً ويدعون معرفة الغيب (كمن يقرأ الفنجان الآن) والمجوس = هؤلاء يَدَّعون معرفة المستقبل بقراءة النجوم ورصد حركاتها. وهم يعبدون النجوم ويؤمنون بأنها تسيطر على الإنسان. والكلدانيون هم كهنة الأوثان. وكل هؤلاء فشلوا في تفسير الحلم مع أنهم في أعين الناس حكماء (6) . ونجد شبهاً لهذا الحلم في حزقيال (3:31) . وكانت الشجرة هناك هي ملك أشور ولكن حكماء بابل لم يعرفوا هذا.

أخيرًا دخل قدامي دانيال = هذه عادة كثيرين حتى الآن أن يجعلوا اللجوء لله آخر محاولاتهم بعد يأسهم من البشر. وحتى هذه اللحظة كان الملك يسمى بيل إلهه ولكن هذا تغيرَّ بعد الدرس (1:4-3)

الحلم:
كان البابليون يعبدون شجرة ووجد في معابدهم رسومات لشجرة يقدسونها ويرتلون لها في عبادتهم. وغالبًا فهي شجرة معرفة الخير والشر، أو شيء يرمز لها. وقد وصلت القصة لهم عبر الأجيال فعبدوا الشجرة وتركوا الله. ولاحظ أن الملك كان متأثرًا بالتسابيح التي تقدم في المعابد. كان يسمعها دائمًا كلما ذهب ليصلي.

نبوخذ نصر البناء الملكي مشبه بشجرة:
أحد أعمال هذا الملك العظيم، الحدائق  المعلقة (أحد عجائب الدنيا السبع) وكانت على شكل جبل من أجل أن يرضي زوجته التي من مادي ويعوضها عن مناظر الجبال في بلادها وكانت هذه الحدائق تروي بواسطة آلات هيدروليكية لرفع المياه اخترعها نبوخذ نصر(اكتشاف أثري). وقام هذا الملك ببناء العديد من القصور والقلاع والهياكل وشق القنوات. والتعمير الذي قام به يجعله من عظماء أن لم يكن أعظم بناء في العالم. ويبدو أن منظر بابل من فوق قصره كان رائعًا، وقد دفعه هذا للغرور ثم للجنون. وقد وجد في النقوشات الأثرية تقريبًا نفس كلمات هذا الإصحاح. وكانت بابل التي بناها نبوخذ نصر عظيمة تحوى داخل أسوارها المنيعة العجيبة شعب بابل تحت حماية الملك كأنه شجرة يستظلون بها (10:4). وكان لهذا الملك علاقة خاصة بالأشجار، فأينما ذهب لحروبه كان يجمع الأشجار لبناء هياكل آلهته وبعد أن استقرت المملكة وانتهت الحروب استغل الملك السبايا في بناء بابل العظيمة. وجمع في مخازنها كميات هائلة من الحبوب. وُوجِد في النقوشات الأثرية "أنني جمعت كل الرجال في سلام وزمن حكمي هو زمن رخاء أنا صنعته" فوصف الشجرة يتفق مع أفكار نبوخذ نصر عن نفسه بأنه هو الذي وفر الرخاء لشعبه ولغيره من البشر الذين جمعهم تحته أو تحت ظله. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات والتفاسير الأخرى). وهو كما كان مولع بجمع الذهب لآلهته كان مولعًا بأشجار الأرز العالية يأتي بها من لبنان لمعابد آلهته حتى أنه سمَّى لبنان جبل الأرز "غابة مرودخ الفخمة "   وكان يتغنى بجمال وروعة الأرز. ووجد في النقوشات الأثرية قوله "أنا قطعت الأرز بيدي الطاهرتين أو النقيتين" وهذا تعبير ديني المقصود به أن الملك قطع بنفسه شجرة الأرز بعد أن تطهر ليبني به هيكل مرودخ. ولا توجد شجرة تعطى ظلًا وحماية كشجرة الأرز لذلك فهي تؤخذ كتشبيه للحكومة القوية التي تحمي مواطنيها. ولاحظ التشبيه فشجرة الأرز تمتد فروعها أفقيًا وهذه الممالك امتدت بطول الأرض (أشور وبابل..) ووجد في النقوشات قول نبوخذ نصر عن بابل حبيبته "تحت ظلها الأبدي جمعت كل البشر في سلام وقد جمعت وخزنت فيها كميات هائلة من الحبوب"    وواضح أن ما قيل في هذا الإصحاح هو نفس ما وُجِد منقوشًا في الآثار وقد تكون الشجرة التي حلم بها الملك أرزة كبيرة لكنها ذات ثمار وورق كبير لهذه الأسباب أنزعج الملك من الحلم فالشجرة مقدسة بالنسبة له. وهو شعر بأن هناك خطر قادم عليه.

وفي (10) شجرة وسط الأرض = كانت بابل قد أصبحت مركزًا لهذه الإمبراطورية الكبيرة وطولها عظيم = تشير لمركز الملك العالي. ومنظرها إلى أقصى الأرض. (11) إشارة لأن قوة نبوخذ نصر كانت حديث كل الأمم، الكل عينهم عليها إما عن إعجاب أو عن حسد. وفي (12) أوراقها جميلة = تشير لبهاء وعظمة بلاطه وحكومته وجيشه. وثمرها كثير = الخير فيها كثير، وهي ليست منظرًا فقط بل تحمي من حولها وتعولهم. (هكذا خلق الله الإنسان جميلًا ناضرًا مثمرًا لكن سقوطه في الكبرياء أذله وغيَّر صورته الجميلة) وأنظر فالله أعطى لهذه الدولة الخير والسلام ففيها الحيوان والطير في سلام والإنسان يشبع من كثرة الخيرات. ولكن خطية الكبرياء تخرب كل شيء. وفي آية (13) ساهر قدوس فالملائكة لا تنعس ولا تنام بل هي ساهرة على تنفيذ أوامر الله (الله يكلم الملك البابلي باللغة التي يفهمها فهم كانوا يعتقدون في بابل أن هناك كائنات سماوية تدين أعمال البشر وتقرر مصيرهم). والملك كان يذكر كلمة كلمة من هذا الحلم المفزع والذي فيه رأي الحيوان والطير تهرب من تحت هذه الشجرة. ولنلاحظ فإن الازدهار العالمي هو شيء مؤقت وليس ثابتًا. أتركوا ساق أصلها = هذا يعني أن هناك أمل في عودته، إذًا هي ضربة تأديب لكسر كبريائه كما قال بولس الرسول "أن يسلم مثل هذا للشيطان لهلاك الجسد لكي تخلص الروح في يوم الرب يسوع" (1كو5:5).

وسيربط بقيود حديد ونحاس = حتى لا يهلك نفسه أو غيره في أثناء جنونه. وقد وجد في الآثار من هذا العصر سبائك نحاسية تحيط بالحديد. والملاك فسر للملك معني الحلم (16، 17) فمن وضع في قلبه أن يرتفع مثل الله (حز 28: 2) يخفضه الله وينزع عنه قلب الإنسان ويُعطَي قلب حيوان. بقضاء الساهرين = كما قلنا فهذا ما يؤمن به نبوخذ نصر، أن هناك كائنات سماوية تقرر مصير البشر. لكن عمومًا فالله هو الذي يقضى والملائكة يقروا ويؤيدوا ويستحسنوا قضاء الله. الله لا يحتاج لموافقة أحد. ولكن القديسين من الملائكة ومن البشر يجدون راحتهم في قرارات الله، بل نحن نصلي "لتكن مشيئتك" وكلما ازدادت قداسة إنسان نجده لا يختلف مع الله في شيء = والحكم بكلمة القدوسين = القدوسين أي الملائكة الذين ينفذون حكم الله، وقد تعنى أيضاً أي شعب الله الذين أضيروا من كبرياء وتعنت الملك، هم بالتأكيد سيوافقون الله علي حكمه. وفي (17) ينصب عليها أدني الناس = فالله أقام داود على مملكته وهو راع للغنم والصغير في إخوته وواضح من (16) أن الشجرة تشير لشخص إذ يقول = ليتغير قلبه عن الإنسانية.

الآيات (19-27): "حينئذ تحيّر دانيال الذي اسمه بلطشاصر ساعة واحدة وأفزعته أفكاره.أجاب الملك وقال يا بلطشاصر لا يفزعك الحلم ولا تعبيره. فأجاب بلطشاصر وقال يا سيدي الحلم لمبغضيك وتعبيره لأعاديك. الشجرة التي رأيتها التي كبرت وقويت وبلغ علوها إلهه السماء ومنظرها إلهه كل الأرض.وأوراقها جميلة وثمرها كثير وفيها طعام للجميع وتحتها سكن حيوان البر وفي أغصانها سكنت طيور السماء. إنما هي أنت يا أيها الملك الذي كبرت وتقويت وعظمتك قد زادت وبلغت إلى السماء وسلطانك إلهه أقصى الأرض. وحيث رأى الملك ساهرًا وقدوسًا نزل من السماء وقال اقطعوا الشجرة وأهلكوها ولكن اتركوا ساق أصلها في الأرض وبقيد من حديد ونحاس في عشب الحقل وليبتلّ بندى السماء وليكن نصيبه مع حيوان البر حتى تمضي عليه سبعة أزمنة. فهذا هو التعبير أيها الملك وهذا هو قضاء العلي الذي يأتي على سيدي الملك. يطردونك من بين الناس وتكون سكناك مع حيوان البر ويطعمونك العشب كالثيران ويبلونك بندى السماء فتمضي عليك سبعة أزمنة حتى تعلم أن العلي متسلط في مملكة الناس ويعطيها من يشاء. وحيث أمروا بترك ساق أصول الشجرة فان مملكتك تثبت لك عندما تعلم أن السماء سلطان. لذلك أيها الملك فلتكن مشورتي مقبولة لديك وفارق خطاياك بالبر وآثامك بالرحمة للمساكين لعله يطال اطمئنانك."
تحير دانيال = من القرار الصعب الصادر ضد الملك العظيم. وكيف يخبره بهذه الأخبار السيئة وهو الذي أحبه وأحسن إليه، وشجعه الملك وأجاب دانيال بكلام لطيف = الحلم لمبغضيك = فهو يتمنى له الخير، لكن أمنياته شيء وقرار الله شيء آخر. وقول الملك لا يفزعك الحلم = تعني إما أنه يريد أن يعرف بأمانة أو غير مهتم بما سيقال. ولأنه لم ينفذ رأي دانيال ولم يستمع لمشورته (27) فالأرجح هو الرأي الثاني. ودانيال أعطي نصيحة للملك بالتوبة، فالتوبة وحدها تنقذنا من الشرور. سبعة أزمنة = 7 سنين. ساعة واحدة (19) = أي مدة قصيرة من الزمن. ولنلاحظ أن دانيال لم يكره الملك بالرغم من شره واضطهاده لشعبه، فأولاد الله لا يكرهون الخطاة بل يكرهون الخطية. ونصيحة دانيال للملك تشمل التوبة السلبية = فارق خطاياك وفيها التوبة الإيجابية = بالبر والرحمة للمساكين. ولو كان نبوخذ نصر قد فعل لارتد حمو غضب الله عنه كما حدث مع نينوى.
الآيات (28-33): "كل هذا جاء على نبوخذناصّر الملك. عند نهاية اثني عشر شهرًا كان يتمشى على قصر مملكة بابل. وأجاب الملك فقال أليست هذه بابل العظيمة التي بنيتها لبيت الملك بقوة اقتداري ولجلال مجدي. والكلمة بعد بفم الملك وقع صوت من السماء قائلًا لك يقولون يا نبوخذناصّر الملك أن الملك قد زال عنك. ويطردونك من بين الناس وتكون سكناك مع حيوان البر ويطعمونك العشب كالثيران فتمضي عليك سبعة أزمنة حتى تعلم أن العلي متسلط في مملكة الناس وانه يعطيها من يشاء. في تلك الساعة تم الأمر على نبوخذناصّر فطرد من بين الناس وأكل العشب كالثيران وابتلّ جسمه بندى السماء حتى طال شعره مثل النسور وأظفاره مثل الطيور."
الله أعطاه الإنذار ودانيال أعطاه النصيحة. ثم أمهله الله سنة لعله يتوب ولكنه مثل كثيرين يميلون أن ينسبوا العظمة لهم وليس لله. وصدر الحكم من السماء فحين تصوَّر أنه ليست قوة قادرة أن تأخذ منه شيء حُرِمَ حتى من كرامته كإنسان، وفقد عقله وأصيب بمرض يسمى ليكانثروبى وهو يجعل الإنسان يتصور نفسه حيوانًا ويقال مرض الإستذئاب (يتصور المريض نفسه ذئبًا) ويفضل المريض أن يسكن مع الحيوانات. حقا فالله يقاوم المستكبرين أما المتواضعين فيعطيهم نعمة. وغالبًا فلقد ملك ابن نبوخذ نصر وهو أويل مردوخ مكانه في فترة جنونه هذه.
الآيات (34-37): "وعند انتهاء الأيام أن نبوخذناصّر رفعت عينيّ إلى السماء فرجع إليّ عقلي وباركت العلي وسبحت وحمدت الحي إلى الأبد الذي سلطانه سلطان أبدي وملكوته إلى دور فدور. وحسبت جميع سكان الأرض كلا شيء وهو يفعل كما يشاء في جند السماء وسكان الأرض ولا يوجد من يمنع يده أو يقول له ماذا تفعل. في ذلك الوقت رجع إليّ عقلي وعاد إليّ جلال مملكتي ومجدي وبهائي وطلبني مشيريّ وعظمائي وتثبّت على مملكتي وازدادت لي عظمة كثيرة. فالآن أن نبوخذناصّر أسبح وأعظم وأحمد ملك السماء الذي كل أعماله حق وطرقه عدل ومن يسلك بالكبرياء فهو قادر على أن يذلّه."
هو شفى لأنه نظر للسماء = رفعت عيني إلى السماء. فالنظر للسماء وليس إلى الأرض هو الذي يشفى، أو تحول النظرة من الإعجاب بالذات إلى الله وهذه هي التوبة والشفاء من الجنون. وهو نظر للسماء كتائب متواضع وبتقوى طالبًا الرحمة.
وهو شفى حينما عرف أن الله هو وحده الذي يحكم فنظر إليه فشفاه تحقيقًا للآية (26) وحينما عاد له عقله سبح الله به، فلنسبح الله علي كل ما أعطانا. ما أعظم مراحمك يا رب فعقوبة هذا الإنسان كانت سببًا في خلاصه، وهذا الوثني أنهي حياته مؤمنًا بالله.
avatar
طارق فتحي
المدير العام

عدد المساهمات : 2802
تاريخ التسجيل : 19/12/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alba7th.3oloum.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى