* المعارف الفلكية في الجزيرة العربية - الفلك ببن عصري الجاهلية والإسلام

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

* المعارف الفلكية في الجزيرة العربية - الفلك ببن عصري الجاهلية والإسلام

مُساهمة  طارق فتحي في الإثنين ديسمبر 08, 2014 7:24 am

المعارف الفلكية في الجزيرة العربية،
المعارف الفلكية في الجزيرة العربية، الفطرة تسهم في الفلك الإسلامي والحديث
الفلك علم قديم، عرفه العالم القديم على مستوى كل الحضارات القديمة ولاسيما تلك الحضارات العالمية الكبرى كالحضارة البابلية (حضارة وادي الرافدين) والحضارة المصرية القديمة والصينية والهندية وحضارة أمريكا اللاتينية القديمة.
وقد كانت معرفة ابناء تلك الحضارات القديمة معرفة بسيطة مزيجة بالخرافات والاوهام والخزعبلات والتنجيم. وقد وصلنا الكثير من تلك الخرافات والاوهام القديمة والخزعبلات الانحرافية.
واذا ما انتقلنا إلى الجزيرة العربية في العصر الذي سبق ظهور الدين الإسلامي، والمعروف (بالعصر الجاهلي) وجدنا فيها (في الجزيرة العربية قديماً) معارف ومعلومات فلكية متفرقة اكتسبها الإنسان الجاهلي من خلال خبرته الطويلة في الصحراء ومن ليله الصحراوي المظلم الذي وفـّر له سماءً صافيةً نقيّة واضحة المعالم(1).
وعلى هذا كانت معرفة الاجرام السماوية المختلفة من نجوم وكواكب سيارة وشمس وقمر وعدد من الظواهر الكونية كانت منتشرة على نطاق الجزيرة العربية، ولكنها ـ على اجمالها ـ معرفة بسيطة سطحية املتها الحاجة، ولم يملها العلم المنهجي المنظم.
معرفة فلكية فطرية
لقد عرف ابناء ذلك العصر (العصر الجاهلي) اسماء عدد من النجوم السماوية ومواقعها وحركاتها وسكناتها معرفة فطرية طبيعية لا معرفة الدارس الباحث في تفاصيل السماء وما تحتوي من اجرام.
نقل عمر بن بحر الجاحظ تحت عنوان (وَصْفُ اعرابي للسماء ومحتوياتها) فقال: «وصف اعرابيّ لبعض اهل الحضارة (أي هل المدن) نجوم الأنواء ونجوم الاهتداء ونجوم ساعات الليل والسعود والنحوس، فقال قائل لشيخ عبادي كان حاضراً«اما ترى هذا الاعرابي يعرف من النجوم ما لا نعرف! قال ويل امك من لا يعرف اجذاع بيته»(2).
وحديث الجاحظ هذا إن دل على شيء فانما يدل على أنّ معرفة أهل البادية اشبه بالمعرفة الفطرية التلقائية يعرفون السماء وما فيها كما يعرفون أركان وخبايا بيوتهم التي يسكنونها. لكن
ـ وكما ذكرنا ـ هي معرفة بعيدة عن المنهج العلمي الصحيح وبعيدة عن الدرس والتعمق في حقائق العلم.
يقول صاعد الاندلسي حول طبيعة تلك المعرفة الفطرية: «وكان للعرب مع هذا معرفة باوقات مطالع النجوم ومغاربها وعلم بانواء الكواكب وأقطارها على حسب ما ادركوه بفرط العناية وطول التجربة لاحتياجهم إلى معرفة ذلك في اسباب المعيشة، لا على طريق تعلم الحقائق ولا على سبيل التدريب في العلوم»(3).
وإذا اردنا أن نعرف سبب هذا النوع من المعرفة التي عرفها عرب الجزيرة في العصر الجاهلي عن النجوم والكواكب والظواهر السماوية فلا شك ان ذلك جاء من خلال احتياجهم إلى علامات وإشارات ومعالم يسترشدون بها في طرقهم الطويلة الخالية من العلامات والمعالم باعتبارها صحارى، فاراضي البادية متشابهة قليلة التضاريس تهب عليها الرياح بين فترة وأخرى، فحين تهب رياح عاتية يمكن أن تضيع معها بعض المعالم، وبالتالي يصبح ضياع الاعرابي او الأقوام المتنقلة أمراً وارداً، لذلك اتخذ العرب الساكنين في البادية تلك، اتخذوا النجوم وحركاتها ومواقعها أدلة قوية يسترشدون بها على مناطق البداية الشاسعة.
فالسماء مليئة بالنجوم، تختلف في اماكنها وصورها وألوانها وسطوعها واشكالها واحجامها، وبالتالي، فأيّ علامات افضل وأدق من هذه العلامات الثابتة أو المتحركة الواضحة؟ وقد أشار القرآن المجيد هذه الحاجة بقوله سبحانه وتعالى: «وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر»(4) وذكر القرآن المجيد أيضاً وفي نفس المعنى قوله سبحانه وتعالى: «وعلامات وبالنجم هم يهتدون»(5).
وقد ذكر عمر الجاحظ هذا المعنى بقوله: «عرفوا الآثار في الأرض والرمل، وعرفوا الأنواء ونجوم الاهتداء، لان كل من كان بالصحاصح ـ حيث لا امارة ولا هادي، مع حاجته إلى بعد الشقة ـ مضطر إلى التماس ما ينجيه ويؤديه. ولحاجته إلى الغيث وفراره من الجدب، وضنّه بالحياة اضطرته الحاجة إلى تعرف شأن الغيث. لأنه في كل حال يرى السماء وما يجري فيها من كواكب، ويرى التعاقب بينها والنجوم الثوابت فيها، وما يسير منها مجتمعاً وما يسير منها فارداً، وما يكون منها راجعاً ومستقيماً»(6).
معلومات نجمية مهمة ومتواضعة
للعرب في الجزيرة العربية في العصر الجاهلي خبرة وتجربة طويلة في معرفة النجوم، وقد وصلت إلى الحضارة الإسلامية أسماء ومصطلحات نجمية كثيرة. ووصلت ايضاً إلى العصر الحديث اسماء ومصطلحات نجمية كثيرة جداً أخذ بها علماء الفلك الحديث حيث تمتلئ اطالسهم وخرائطهم باسماء النجوم العربية القديمة.
فعلى مستوى الشعرالجاهلي وردت بعض اسماء النجوم التي كانوا يتابعونها ويستخدمونها في تنقلاتهم الليلية، مثل الفرقدين والدبران والعيّوق والثريا والسماكين والشعريين، ومن يتصفح كتاب «صور الكواكب الثمانية والاربعين»(7) لعبد الرحمن الصوفي يعرف مدى توسع العرب في العصر الجاهلي في معرفة النجوم ومواقعها ومجموعاتها، فالصوفي في كتابه هذا وصف كل صورة على طريقة الفلكيين فجمع اسماء الكواكب المستخدمة عند عرب البادية العربية، وقد بلغت نحو مائتين وخمسين أو أكثر(Cool.
وقد ذكرنا في كتاب قاموس دار العلم الفلكي ما يقارب المئتين نجماً باسماء عربية مع التفصيلات اللازمة(9).
واضافة إلى هذه النجوم الظاهرة في السماء عرف العرب في الجزيرة العربية نجوماً خافتة صعبة الرؤية، ففي امثالهم ذكروا: «اُريها السُها وتـُريني القمر» والسها (كوكب) صغير جداً يلتصق بالعناق وهو الكوكب (أي النجم) الاوسط في بنات نعش والناس يمتحنون به ابصارهم فمن ضعف بصره لم يره(10).
ويورد الزمخشري نصاً لأبي حنيفة الدينوري يذكر فيه اهتمام العرب في الجزيرة العربية بالنجوم وقدرتهم على معرفة تفاصيلها وتمييز البعض عن الآخر فيقول: «قد سجعت العرب في النجوم اسجاعاً، بما ادركه طول تجربتهم، وأحكم علمها الماضي، وورثها الباقي، فسارت متواترة محفوظة، وهي اشدّ الامم تفقداً لذلك، وعناية به، لان جلـّهم قطـّان بواد، وسكان عدوات قفار، أهل عمد سيــّارة، تــُبــّاع غيث قليل ... فأبصارهم إلى السماء طامحة وبنواحيها موكلة، يطيبهم البرق إذا لمع، والغيث إذا وقع، والماء إذا نقع، ويظعنهم الحر إذا وهج، ويجهدهم البرد إذا ركد، فهم بين نجعة وحضور. لهم في كل ريح تهب وكوكب يطلع ونجم ينوء امر مسهر أو منيم، يحميهم الغفلة ويمنعهم التضييع، وما بلغنا عن امة في ذلك ما بلغنا عنهم»(11).
معلومات فلكية متواضعة
إضافة إلى اهتمامهم بالنجوم واسمائها ومواقعها وصلت إلى الحضارة الإسلامية معلومات فلكية متواضعة دخلت في البناء التحتي للفلك الإسلامي. فإضافة إلى معرفتهم بالنجوم عرفوا الكواكب السيّارة الخمسة المعروفة في ذلك الزمن وهي: (عطارد، والزهرة، والمريخ، والمشتري، وزحل) عرفوها معرفة بسيطة وميّزوها عن النجوم الثابتة، ادركوا انها متحيرة(12) لم تثبت في مسيرتها على صورة واحدة كما في حالة النجوم، وبها فسروا قوله تعالى: «فلا اقسم بالخنّس الجوار الكنّس»(13).
فالخنس على ما يقول الفخر الرازي وغيره: السيارات الخمس، والاية تشير إلى رجوع الكواكب السيّارة الخمسة واستقامتها ورجوعها هو الخنوس، وكنوسها اختفاءها تحت الضوء(14). واعتماد هذا التأويل الذي ينسب الى القرآن المجيد ذكر السيارات هذه يعني أنها كانت معروفة في العصر الجاهلي قبل الإسلام.
واهتم ابناء الجزيرة العربية قبل الإسلام بالقمر اهتماماً خاصاً وعرفوا بعض تفاصيله، منازله، اطواره، خسوفه، وغير ذلك.
ولاحظوا منازل القمر وأدركوا أنه يجري في السماء ضمن نطاق خاص وقسموا هذا النطاق إلى 28 قسماً فينزل القمر كل ليلة في منزل أو قسم واحد من هذه المنازل الثمانية والعشرين واسموه (منزلاً) لانه ينزل فيه.
وعرفوا انه يبدأ هلالاً ويكبر شيئاً فشيئاً ليصبح بدراً (كامل الاستدارة) ثم يأخذ بالتناقص والقلة ليرجع هلالاً كما بدأ. وقد ذكر القرآن المجيد هذه الاطوار الهلالية بقوله سبحانه وتعالى: «والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم»(15).
وكذلك اهتم ابناء الجزيرة العربية بالشمس، وإن كان اهتمامهم بها أقل من اهتمامهم بالقمر. عرفوا الشمس وادركوا اهميتها وبعض خصائصها، فهي عندهم اوضح الاجرام السماوية، وانها كتلة نارية حارة، ويذكر ابن قتيبة ان «الشمس يقال لها ذكاء، سميت بذلك لانها تذكو كما تذكو النار. ويقال للصبح: ابن ذكاء، لانه من ضوئها»(16).
وبالشمس استدلوا على الوقت والأيام والمواسم، وقد ورد ذكر الشمس في القرآن المجيد 33 مرّة. وأدركوا من ظواهرها المختلفة الكسوف، وقد ربطوا بين الكسوف الشمسي ومثله الخسوف القمري ببعض الحوادث الأرضية والبشرية التي تحدث بين فترة وأخرى. وكانوا يثبتون الوقت بموقع ظلّ الشمس، فيستعين اهل البادية بالظل، ظل انسان أو عصى أو ظل خيمة وما شابه ذلك ويدركون من هذا الظل مقدار الوقت بصورة تقريبية.
إضافة إلى ذلك عرف ابناء العصر الجاهلي البروج الاثني عشر، يقول ابن قتيبة: البروج الحصون، وهي اثنا عشر برجاً عند العرب وعند جميع الامم، واسماؤها: الحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت(17) وقد ذكر القرآن المجيد البروج بقوله تعالى: «ولقد جعلنا في السماء بروجاً وزيناها للناظرين»(18).
وعرف ابناء ذلك العصر معلومات فلكية اخرى يمكن ان نذكر منها: ادراكهم تقسيمات السنة، وهي تتألف عندهم من 12 شهراً، وايام السنة 354 يوماً. وعرفوا ايضاً المجرّة وهي مجرة (درب التبّانة) Milky way وميّزوها بين ظواهر السماء المختلفة وتابعوها في الشتاء أول الليل في جهة السماء وفي الصيف اول الليل في وسط السماء، ولذلك قيل: «سِطي مجر ترطب هجر» لان توسطها في السماء وقت لارطاب النخل بهجر.
وهناك معلومات أخرى لا مجال لذكرها. ولا شك أنّ هذه المعلومات الفلكية الفطرية دخلت في البنيان التحتي للفلك الإسلامي حيث يجد الباحث في علم الفلك الكثير من تلك المعلومات والمصطلحات والاسماء واضحة جليّة في الفلك الإسلامي وكذلك في الفلك الحديث من خلال اسماء عددٍ كبير من النجوم. كما ذكرنا آنفاً.

الفلك ببن عصري الجاهلية والإسلام
موضوع هذه الدراسة، هو محاولة تتبّع المعارف الفلكية لدى عرب الجاهلية، وموقف الإسلام منها، ثم موقع علم الفلك في الحضارة الإسلامية، وتطوره عند المسلمين، مع محاولة تتبّع دور المجتمع في تطوير كافة العلوم من خلال المسجد إلى نهاية العصر البويهي، ثم دور المدارس الرسمية، وهي المدارس التي أنشأتها السلطة أيام السلاجقة، في تطوير وتنمية العلوم، مع عقد مقارنة في تطور العلوم في عصر المدارس والعصر الذي قبله، والذي يوصف بالعصر الذهبي، إذ إن الثابت تاريخيًا أن المدارس الرسمية لم تنتشر في الدولة الإسلامية إلا في العصر السلجوقي، وذلك عندما أنشأ نظام الملك السلجوقي المدارس المعروفة باسمه (المدارس النظامية)، والتي قامت بتخريج أجيال من الدعاة الدينيين لخدمة الدولة، إذ ضمنت هذه المدارس لأساتذتها وطلبتها الأرزاق بشكل منتظم، ولخرّيجها العمل في دوائر الدولة.

ومن المفيد الإشارة إلى أنه وبينما كان التصدّر في المساجد يعتمد على الكفاءة التامة، صار التصدّر في هذه المدارس يعتمد على أمور عدة، منها حسن العلاقة مع رجال الدولة، الأمر الذي لم يمنع من تعيين المفضول بوجود الفاضل.

وهكذا صار العلماء والمدرسون في عداد موظفي الدولة وحواشيها، وكانت لدى البعض هواجس من أن تفرض السلطة على هذه المدارس الأدعياء والدخلاء فيفسد العلم بذلك، ومن المحتمل أن تدخّل السلطة بالتعليم كان أحد الأسباب التي حدّت من تطور العلوم.

لقد أدّت هذه المدارس دورها المرسوم، فاستمرت المسيرة الفكرية في انطلاقها، وشهدت بروز علماء أكفاء في مجال الفقه، إذ أن السّمة العامة لها كان تدريس الفقه، وهو الاختصاص الرئيسي فيها.

وبهذا صارت معاهد التعليم نوعين:

حلقات حرة في المساجد يرعاها المجتمع، وأخرى في المدارس الرسمية تموّلها الدولة، وبذلك صارت مهمة المسجد التعليمية منحصرة في الدراسات الفقيهة الحرة وإعداد الفقهاء الذين يريدون الاقتداء بالسلف الصالح دون الالتزام بالسلطة، وكان التطوّر في المنهج العلمي في هذه المدارس أو الحوزات المسجدية مُسايراً لشقيقه في المدارس، ولكنه كان اختصاص واحد وهو الفقه.

وهنا يجدر الإشارة إلى أنه لم يكن هناك تخصص بالمعنى الذي نعرفه اليوم، فكان العلماء البارزون موسوعيين ولكنهم يتميزون بالنبوغ باختصاص واحد، لقد كان دور المسجد هو تخريج الفقهاء المستقلين، أما المدارس فمع أنها كانت مختصة بالتدريس في مجال الفقه بشكل أساسي وطبقًا لرغبة الواقف أو المؤسس، ومع أنها كانت تلتزم بالتدريس وفقًا لرأي فقهي محدد، إلا أنه توجد إشارات إلى وجود تدريس للطب النظري وغيره في هذه المدارس، إلا أن الدراسات الفلكية العميقة كانت تتم بالمراصد، وهي قليلة بل ونادرة، إذ كان يدرّس في بعض المراصد الفلك والرياضيات.

والسؤال ما هو دور المسجد في إعداد التخصصات غير الفقهية قبل ظهور المدارس؟

في الحقيقة يوجد لدينا من المصادر ما يشير إلى أن تدريس العلوم الدنيوية كان يعتمد على العلاقة بين الأستاذ والطالب، أي أنها كانت دروسًا خصوصية، كما وأن اهتمام السلاطين والحكّام بتقريب العلماء البارزين في كافّة المجالات كان له دوره في تطوّر العلوم.

ولكنه بضعف الحكومات وسقوط الدول، ضعفت المؤسسات التابعة لها، وبقي المسجد يؤدي دوره في الدراسات الحرة، وباختصاص واحد.

وللباحث المنصف أن يقارن التطور في علم الفقه والعلوم المساندة له التي التزم بها، وهي المجالات التي تبنّاها المجتمع، والعلوم الأخرى التي تُركت للمدارس الرسمية على الأقل، وصارت من مسؤولية الدولة خلال مسيرة التاريخ الطويلة، فالملاحظ أن الفقه بصورته المعاصرة يعتبر من العلوم المزدهرة للغاية، وكذلك العلوم المرتبطة به كاللغة العربية والتفسير والحديث... بينما العلوم الأخرى توقّفت مسيرتها بتوقّف الاهتمام بالمدرسة، وهي مؤسسة التعليم العالي في الإسلام، وهي التي أسهمت إلى حدّ ما في تأسيس جامعات العصر الوسيط في أوروبا... ومن هذه النقطة انطلقت أوربا إلى وضعها المعاصر، لقد كان في نظام المدارس مشكلة حقيقية أدّت إلى عدم تطوّر التدريس فيها، وهذه المشكلة جديرة بالبحث، إذ أنها في أوروبا صارت جامعات عظيمة بينما كانت عندنا شيئًا آخر.

إن الرياضيات من العلوم المساندة للفقه، إذ يحتاج إليها الفقيه في موضوعات شتى، مثل حساب المساحات والأحجام والمقادير والأوزان، والحسابات المتعلقة بالخمس والزكاة والإرث، وإن كان لا يحتاج إلى رياضيات معقدة، ولكن الفلسفة في أحد جوانبها تحتاج إلى رياضيات عالية، والفلسفة تخصّص تكميلي مفيد جداً لجميع التخصصات.

والفلك يحتاج إليه الفقيه، بل إن تطور الفلك في الحضارة الإسلامية يعود السبب الرئيسي فيه إلى الحاجة لحساب المواقيت وولادة الهلال والخسوف والكسوف غيره.

وليس واضحًا السبب الذي من أجله تُرك تدريس هذه العلوم في الحوزات في العصور الأخيرة، مع أهميتها البالغة، ولماذا لم يتم تبنيها في الأساس في المدارس أسوة باللغة العربية والمنطق مثلا؟

علمًا بأنه مرّ في التاريخ علماء فلك محلّ اعتزاز وافتخار، كالخواجة نصير الدين الطوسي، والشيخ البهائي - وهما من علماء الدين الأعلام -، فضلاً عن ابن الشاطر رئيس المؤذنين في الجامع الأموي. ومما يجدر الإشارة له: أن كل دارس فلك في الجامعات ، عليه أن يدرس نظريات وابتكارات الخواجة نصير الدين الطوسي، ولكن - وللأسف - دون أن يعرف أنه هو الذي ابتكرها.

ودراسة علم الفلك تستدعي معرفةً بالهندسة والرياضيات والفيزياء، وهي تطبيقات برع بها المسلمون، وهنا يجدر الإشارة إلى أن الإمام الصادق (عليه السلام) كان يحث على المنهج التجريبي، وتلميذه جابر ين حيان شاهد صدق على ذلك كما سيأتي لاحقًا، وبذلك يتبين أن المسلمين تبنّوا في تطوير العلوم الجانبين النظري والعملي معًا.

إننا لا ندّعي أن هذه الدراسة تستطيع الإجابة على السؤال الُمحيّر: لماذا توقف تطور العلوم عند المسلمين وانطلق في الغرب من نقطة وقوفه في الشرق؟

إن الإجابة على هذا السؤال هو من اختصاص الفلاسفة والمنظرّين، وما زال الباحثون مختلفين في السبب، علمًا بأن بعض العلوم لا تحتاج إلى مختبرات كالفلك مثلاً، الذي يتطلّب فكراً رياضياً وفلسفياً، مع أرصاد، وهي أمور مهيأة للجميع ولا تحتاج إلا إلى مراصد.

وهنا لنا وقفة، فالمراصد كانت ذات عمر قصير في عالمنا الإسلامي، وربما صدر الأمر بهدم البعض منها، وتحقق ذلك فعلاً في مرصدين!!

إن تطوّر علم الفلك يستدعي تطوّرًا في العلوم المساندة له، كالرياضيات والهندسة والفيزياء، حتى يتمكّن الفلك بالانطلاق في عمله، ومن المفيد الإشارة إلى أن اكتشاف المنظار - التلسكوب - كان له دور عظيم في سبر أغوار السماء وتغير نظريات الإنسان عن الكون.

ربما يعود السبب في نسيان هذا العلم إلى صعوبة فهمه نسبياً وقلة المتعمّقين بالمثلثات الكروية والربع المجيَّب([1]) والإسطرلاب، وربما يعود السبب إلى اكتفاء الفقهاء بالحدّ الأدنى من العلوم عن ظل الشاخص وغيره في تحديد المواقيت...

وربما نوفّق للتعرّض إلى هذه الموضوعات تباعًا وبمزيد بيان على شكل موضوعات مستقلة في هذه المجلة إنشاء الله تعالى.

والذي ينبغي أن يُعرف من هذه الدراسة أن المدرسة تطوّر حضاري اقتضته ظروف المرحلة، وكان مقدمةً لظهور الجامعات، ولكن الدراسات التي تبنّتها السلطة بفرض مناهج معيّنة هي التي يقع عليها النقد في عدم التطوّر، وربما يكون هذا التشخيص خطأً، والله هو العاصم.

والآن ندخل في موضوع العنوان:

المعارف الفلكية الأولية

توجّه الإنسان القديم نحو الزراعة وتربية الحيوان في الألف الخامس قبل الميلاد، فنشأت القرى الزراعية، وصاحب ذلك اهتمامٌ بالظواهر السنوية المتكررة، فربطها من خلال التجربة والملاحظة بالمواسم الزراعية وولادة الحيوانات،واستنتج العلاقة بين هذه المواسم وحركة النجوم في السماء، وطول الليل والنهار، وكانت هذه هي البداية للتقويم السنوي، والذي تشير الدراسات إلى أنه كان قمرياً، ويسمّي المؤرخّون هذه الفترة بالعصر الحجري الحديث ( 5000 - 3000 قبل الميلاد ).

وفي العصر البرونزي (3000 - 1200 قبل الميلاد): وهو عصر نشوء الدول والامبراطوريات، واكتشاف الكتابة والعربة وصناعة أسلحة الصيد والحرب، تمّ اكتشاف التقويم الشمسي، والذي اثبت صلاحيته في تحديد مواسم الزراعة والفيضان.

نشوء علم الفلك

إذاً يرتبط نشوء علم الفلك - بأحد أوجهه - ارتباطاً وثيقاً بالحاجة القصوى إلى تنظيم الزمن، ومعرفة الفصول، وعلاقة ذلك بموعد الفيضان والمواسم الزراعية، ومواسم ولادة الحيوانات المستأنسة، وحركة القوافل براً وبحراً.

كما ويوجد عامل آخر أدّى إلى تطوّر المعارف الفلكية، وهو المعتقدات الدينية، فقد كان التقويم ضروريًا لتحديد الأعياد الدينية، لذلك ارتبطت دراسة الفلك بالدين منذ البداية، وصارت من اختصاص الكهنة، وحيث إن مجال علم الفلك هو السماء، فتصوّرها البابليون خيمةً رباعية كبيرة، تتدلّى منها النجوم. وبعد اختراع العجلة الدائرية في بابل، ظهرت فكرة دوران السماء حول محورها القطبي.

نشوء التنجيم

ولقد أدّت فكرة الحركة المنتظمة للسماء إلى اهتمام كبير بحركة الأجسام السماوية، فإذا كانت حركة الأجرام تؤثّر في الطبيعة وتحدّد الفصول، فلا شك أنها تؤثّر في الإنسان وتحدّد مصيره، وعلى هذا الأساس حاول الإنسان أن يتنبّأ بالفيضانات والأمراض والحروب والمجاعات.

غير أن هذا الامتياز - أي حقّ الاتصال بالسماء - كان وقفاً على الملوك والكهنة ولم يتيسّر للأفراد العاديين. هذا هو الأساس في التنجيم([2]).

وازداد حرص الأجداد إلى معرفة الأمور الفلكية اعتقاداً منهم أن لحركة الأجرام السماوية ارتباطاً بالحوادث الدنيوية، وأنها من أركان التنبّوء بالمستقبل.

أوَليس ظهور نجم الشّعرى فجراً وقبل طلوع الفجر في مصر علامة على قرب فيضان النيل؟!

أَوَليس وجود القمر مقارنا لمجموعة نجوم الثريا له دلالة على حالة المناخ!

والتنجيم بهذه الصورة نشأ في عصر نشوء الدول، وكان هدفه التنبّوء أو التحذير من أحداث تتعلّق بمصالح البلاد، كالفيضانات وغيرها، ولا تتعلّق بمصير الأفراد العاديين، بل هو تطبيق عملي للملاحظات الناتجة عن الرصد المتكرّر.

التنجيم المذموم

أما التنجيم بشكله المعاصر، فالثابت تاريخياً أنه كان نتاجاً للعلم في الإسكندرية، ولم يكن معروفاً قبل أن يحكم اليونانيون المقدونيون البلاد([3])، وبالتالي فهذه الخرافات لم تكن معروفة عند شعوب المنطقة قبل مجيء اليونانيين، وهذا هو التنجيم المذموم، وقد لاقى قبولاً لدى الناس لأنه يتنبّأ بما تُخبِّئه الأيام.

فالنزوع إلى معرفة المستقبل أمرٌ فطري رافق المجتمعات منذ أقدم العصور.

سألت منجمها عن وليدها في مهده كم عائش من دهره

فأجابها مائة ليقبض درهما فأتاه الحمام في شهره([4]).

وقال آخر:

تُدَبِّر بالنجومِ ولستَ تدري * * * ورَبُّ النجمِ يفعلُ ما يريدُ([5])

ويقول مسكويه: الإنسان متطلّع إلى الوقوف على كائنات الأمور ومستقبلاتها ومُغيباتها، فهو بالطبع يتشوّقها ويروم معرفتها على قدر استطاعته وبحسب حاجته.

وقال ميرلي كودفيج، وهو يقدم لكتابه نبوءات نوسترداموس: إن ثمة رغبة وجموحًا كامنًا في أعماق كل واحد منا تحدوه إلى محاولة الكشف عن المستقبل والعمل على هتك ذلك الحجاب الصفيق الذي يغلّف بالأسرار حياتنا البشرية([6]).

إذن فالحاجة البشرية للاستفادة من الظواهر الطبيعية والتنبّوء بالأحداث المستقبلية والاهتداء بحركة النجوم المنتظمة في ظلمات الليل لركوب البحار وقطع القفار كانت هي مصادر علم الفلك.

المعارف الفلكية

كانت هذه المعارف منتشرة لدى الفراعنة والبابليين والفرس وغيرهم، ومنها أخذها عرب الجاهلية بحكم الجوار، والمقصود بعرب الجاهلية هم سكان نجد والحجاز والذين نبغ بينهم شعراء عظماء، وفي هذه المنطقة بزغ فجر الإسلام.

ومن هذه المعارف ما تمسّك به الفلكيون لفترة طويلة، فقد كان تصوّر قدماء البابليين أنّ السماء كأنها سبع طبقات منضّدة، وجعلوا في كل طبقة الكواكب الخمسة والنيرين: القمر، عطار، الزهرة، الشمس، المريخ، المشتري، زحل، وهو أعلاها وبه ضُرب المثل بالهمة العالية.

هذه المعارف وغيرها تلقّفها عرب الجاهلية، فكانت لديهم معرفة بأسماء الكواكب الثابتة (النجوم)، والكواكب السيارة، ومنازل القمر، وانفردوا عن سائر الشعوب في استعمالها للاستدلال على حالة المناخ، فكانت تقويمًا بامتياز، ولكن لعدم معرفتهم بالرياضيات، ولعدم الاعتناء بالعلوم الأخرى لم يتوصّلوا إلى تعيين السنين بحساب دقيق، فاقتصروا على ما يُدرك بالعيان.

والمعلومات المتوفرة لدينا عن عصر الجاهلية نُقلت عن طريق الشِّعر والنثر والقصص، وبعضها عنه طريق القرآن الكريم والسنّة النبوية الشريفة،

فمن الثابت تاريخيًا أن بعض العرب كانوا يعبدون الأجرام السماوية وقد نطق القرآن بهذا، كما وأن عرب الجاهلية، ونظراً لطبيعة حياتهم القاسية، فالصحراء شاسعة وتضاريسها متشابهة، مما اضطرهم لأن يهتدوا بالنجوم لمعرفة اتجاه حركتهم، وساعدهم على ذلك السماء الصافية:

قال تعالى: {وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ}([7]).

وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ}([8]).

والخلاصة

كان لدى عرب الجاهلية معارف فلكية، انتقلت إليهم بحكم الجوار أو بالإبداع نتيجة الملاحظة، إلا أنها لم تكن ضمن إطار علمي منهجي، وإنما كانت تعتمد على الفطرة والحاجة، وبالتالي لا يمكن تصنيف الفلك لدى عرب الجاهلية علمًا، بل معارف توارثها الأبناء ـ حتى عصر التدوين والترجمة أيام المنصور العباسي، وما سُجّل في حينه ثبت على أنه تراث.

هذا ولا يمكن القول أن جميع المعارف الفلكية في الجاهلية قد وصلت إلينا مباشرة، فبعض منها وصل ودخل ضمن الفلك العربي الإسلامي، وقسم منها اختفى بغياب أربابه.

ولكن هذا الكم من المعلومات في أساسه معلومات مفكّكة لا يربط بينها رابط علمي، فليس هناك قوانين ولا نظريات ولا أفكار علمية منتظمة، وتاريخ العلوم يفيدنا أن العلم لا يتطور بسبب الحاجة، بل يتطور ويرتقي بسرعة إذا تخصّص أناس بدراسته لذاته دون النظر إلى الاستفادة المباشرة، وهذا ما لم يتوفّر في العصر الجاهلي ولا في العصر الأموي وإنما تحقق في مطلع العصر العباسي الأول.

ومن المفيد الإشارة إلى أن الاعتقاد استمر لفترة طويلة لدى البعض أن الكواكب ذات حياة، وبهذا يكون لها تأثيرات مباشرة على الحياة على وجه الأرض.

وكان العرب قد نسبوا إلى الأنواء عدة تأثيرات كالمطر والبرد والرياح، فكانوا ينسبون المطر إلى تأثير المنزلة الساقطة فجراً (وهي مجموعة من النجوم التي تغرب فجراً)، فيقولون "مُطرنا بنوء كذا" اعتقاداً بأن المطر من فعل الكواكب، فجاء الإسلام وحارب هذه الأفكار بشدة، فجاء في الحديث الشريف: ( ثلاث من أمر الجاهلية: الطعن في الأنساب، والنياحة، والأنواء)([9]).

بل واعتبرها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كفراً فقال: (إن الذين يقولون نستقي بنجم كذا وكذا، فقد كفر بالله وآمن بذلك النجم، والذين يقولون سقانا الله فقد آمن بالله وكفر بذلك النجم)([10]).

وسيأتي في موضع آخر: بحث المعارف الفلكية في عصر النبوة والخلفاء الراشدين والعصر الأموي.

ختاماً

وقبل الانتهاء من هذه المقالة نجد أنه من المفيد الإشارة إلى أن علم الفلك أو الهيئة سمي بأسماء مختلفة، منها علم النجوم، وصناعة النجوم، وعلم التنجيم، وصناعة التنجيم، وهذه الألفاظ انحصر اصطلاحها بالاستخدام المذموم لعلم الهيئة الذي غرضه الاستدلال على الحوادث الدنيوية المستقبلية برصد حركات الأجرام السماوية وامتزاجاتها، وكان يطلق لفظ "المنجّم" على المُشتغل بعلم الهيئة أو على أحكام النجوم، وكلاهما بنفس المعنى في ذلك الوقت.

فإذا أراد القدماء تمييز المنجم عن الفلكي بمعناه الحديث قالوا: الأحكاميون، أو أصحاب أحكام النجوم، أو الأحكاميون من المنجمين.

واسم المنجم بمعناه المذموم ما زال للأسف ملازمًا لأفكار البعض حتى الآن، ولعل هذا هو أحد الأسباب التي صار علم الهيئة من الدراسات غير المحبوبة في الحوزات والمدارس الدينية. أما علم الهيئة المعاصر فهو علم يبحث عن ظواهر الأجرام السماوية ونواميس حركاتها الظاهرية والحقيقية وأبعادها الطبيعية.
avatar
طارق فتحي
المدير العام

عدد المساهمات : 2805
تاريخ التسجيل : 19/12/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alba7th.3oloum.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة

- مواضيع مماثلة

 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى