* حجج الدروينية المضادة - السوط اوالحقن - " كل شئ .... أو لا شئ "

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

* حجج الدروينية المضادة - السوط اوالحقن - " كل شئ .... أو لا شئ "

مُساهمة  طارق فتحي في الأحد أكتوبر 26, 2014 7:52 pm

حجج الدروينية المضادة
في عام 2005 أقامت منظمة الدفاع عن حريات المواطنين الأمريكية"American Civil Liberties Union" بالاتفاق مع إحدى عشر أسرة ممن يتعلم أبناؤهم في مدارس منطقة دوفر التابعة لولاية بنسلفانيا دعوى قضائية ضد المجلس التعليمي للمنطقة . (19)
وكان السبب وراء ذلك هو أن مجلس التعليم في مدينة دوفر قد قرر دعوة الطلاب من خلال بيان مقتضب يتلى عليهم لدقيقة يعرفهم على "مبدأ التصميم الذكي" لتفسير الحياة بجوار نظرية التطور بالإشارة الى بعض الكتب فى مكتبة المدرسة ، وإنطلقت حيثيات تلك الدعوى بأن التصميم الذكي ينطلق من أسس دينية و تدريسه في المدارس العامة يخالف حقوق الدستور (التعديل الأول ) الذي نص على فصل الدين عن الدولة.
كيت ميلر Kenneth Miller هو أحد الشهود الخبراء ممن إستعان بهم الإدعاء فى القضية وظهر مايكل بيهي Michael Behe الشاهد الخبير للدفاع .وأثناء إستجواب ودي طرحه عليه الإدعاء ، أكد ميلر أن نظرية التصميم الذكي "ليست قابلة للإختبار" وبذلك فهي ليست من العلم فى شئ ،ولكن في وقت لاحق أثناء شهادته يناقض ميلر إدعائه هذا ويثبت أنها نظرية قابلة للإختبار حين جادل أن العلم قد إختبر حجة النظام الغير مختزل وأثبت زيفها .
بالتغاضي عن تناقض ميلر الذي لم ينتبه إليه القاضي أو المحلفين فى حينه ، لنرى كيف أثبت زيف حجة بيهي حول التعقيد الذي لا يمكن إختزاله:
يمكن للمطلع بسهولة أن يدرك أن ميلر إرتكز خلال شهادته وفى كتاباته العديدة على تشويه الحجج وطرح تعريف مضلل للنظام الغير قابل للاختزال ومن ثم يقوم بدحض هذه الفكرة المضللة والمشوهة التي صنعها بنفسه مرتكبا بذلك حيلة منطقية يجيدها تعرف بمغالطة رجل القش (20).دلس ميلر فى تعريف النظام الغير قابل للإختزال بإدعائه بأن حجيته تكمن فى كون الأجزاء المكونة له لا تحمل أي معنى وظيفي خارجه ، وبذلك يمكن تفنيده إذا ما تم العثور على وظيفة ثانوية لهذه الاجزاء فى نظم أخرى، ويستخدم مثال بيهي "مصيدة الفئران " للبرهنة على ذلك بنزع أحد أجزائها وإستخدامها كدبوس لرابطة العنق ، ومن ذلك يدعي أن مفهوم التعقيد غير القابل للإختزال فى السوط البكتيري قد تم دحضه لأن ما يقارب ¼ البروتينات المستخدمة فى وظيفة سوط البكتيريا تقوم بوظائف فى نظام أخر في أنواع بكتيرية مختلفة هو "آلة حقن السم وتسمى (نظام إفرازي النمط-III،أو T3SS) ، مما يدل على أن السوط البكتيري من الممكن أن يتطور تدريجيا من نظام آلة الحقن الأقل تعقيدا . (21)
للتعريف بخدعة ميلر وتدليسه فى إختبار النظام الغير مختزل نضرب لكم هذا المثال :
بما إننا قد وجدنا أن كلا من جهاز الكمبيوتر والموقد الكهربائي لديهما سلك الطاقة المسئول عن توصيل التيار الكهربائي ، إذن نستنتج من ذلك أن جهاز الكمبيوتر لم يعد تعقيدا غير قابل للإختزال. وذلك لأن الكمبيوتر يتطلب عددا من قطع الغيار اللازمة من أجل وظائف ثانوية فى أجهزة أخرى.
نعلم جيدا أن توافر بعض قطع جهاز الكمبيوتر الذي نستعمله الان أو كل أجزائه فى أي مكان أخر لا يغنى عن تلك الخطوات الذكية التى يجب أن تكون مسؤولة عن تجميع كافة الاجزاء فى الوقت والمكان المناسبين وفق مخطط إنشائي مسبق وتعليمات موجهة والطريقة الصحيحة لتفسير تعقيده هي تتبع كافة خطوات تركيبه .
في مقالة نقدية نشرتها خدمة التصميم الذكي لكيسى لوسكن Casey Luskin حول مجريات وأحداث محاكمة دوفر يضع مقاربة تصويرية رائعة لمنطق ميلر السابق ممثلا فى تفسير التعقيد الغير إختزالى من خلال شكل القوس . (22)
الشكل a: بإعتبار القوس وظيفة معقدة لا يمكن إختزالها مقسم إلى العديد من القطع، بما في ذلك القطع t و s:
الرقم A. قوس مجمع لا يمكن اختزاله
الشكل b: برفع القطعه t من القوس، ينهار القوس. ولكن تبقى القطعة s شاخصة ليس لها أي قيمة :
الرقم أ القوس عندما دمرت كيستون إزالتها
من خلال الرسم السابق نطرح سؤالا :
هل فسر أو دحض وجود الجزء القاعدي (s ) من القوس التعقيد الغير قابل للإختزال للقوس ؟
بالطبع لا.واذا قمنا بتمثيل القطعة (s) بقاعدة إبرة الحقن T3SS ،فكونها مشتركه مع السوط لم يدحض التعقيد الغير قابل للإختزال فى تركيب السوط ويفشل تماما فى تفسيره ،
والإختبار الحقيقي الوحيد الذي يمكنه دحض هذا النظام هو إظهار قدرة الطفرات العشوائية والانتقاء الطبيعي على بناء هذا النظام تدريجيا خطوة بخطوة كما إشترط داروين ، فبروتينات نظام حقن السم T3SS المشتركة مع السوط البكتيري لا تمثل أكثر من وظيفة المساهمة فى تثبيت كلا منهما في غشاء الخلية ولا تساهم فى الوظيفة الغير اختزاله للسوط :
إذا ضربنا مثال أكثر ملائمة وقمنا بتشبيه السوط البكتيري بمحرك دفع خارجي لقارب ونظام الحقن T3SS كرشاش مياه ، وحتى نستطيع تثبيت كليهما على ظهر القارب (الذي يمثل بدوره جسم البكتيريا ) يتوجب علينا إستخدام قاعدة تثبيت(البروتينات القاعدية المشتركة)،ومنه يمكننا القول إنه من السذاجة الاستنتاج بأن وجود جزء التثبيت القاعدي فى رشاش الماء دليلا على نفى التعقيد الغير مختزل فى تركيب المحرك الخارجى، و يمكن إعتبارهذه الحجة في أحسن الأحوال مثل القول أنه بإمكاننا السفر سيرا على الأقدام من لوس أنجلوس إلى طوكيو لأننا اكتشفنا جزر هاواى "بتشبيه ويليام ديمبيسكي ". (23)

ماهى متطلبات دحض نظام معقد غير إختزالى ؟
لتتمكن الداروينية من وضع إختبار حقيقى حول تفسير أصل آلة جزيئية متكاملة غير قابلة للإختزال وظيفيا يتوجب عليها تتبع الخطوات والشروط الاتية التي تم تلخيصها وفقا لمنيوج Angus Menuge :
أولا : توافر وإتاحة كل الأجزاء اللازمة لتشكيل النظام المطلوب .
ثانيا : تموقع الأجزاء فى موقع البناء فى الوقت الذي يتطلب وجودها فيه .
ثالثا : التنسيق والتوافق لتلك الاجزاء فى الوضع الصحيح لملائمة التركيب فى النظام وفقا للتوقيت والمكان المناسبين لتتفاعل بشكل صحيح داخل النظام . (24)
الاخلال بإحدى هذه الشروط يفشل الاختبار ويؤكد عدم صلاحيته ، والحقيقة التي لاحظناها بوضوح أن ميلر فى إختباره لم يفعل سوى توفير جزء صغير من الشرط الأول متمثلا فى إتاحة الجزء القاعدي لإبرة الحقن والسوط التي لا يمثل سوى 20% من مكونات السوط ولم يفسر وجود أجزاء المحرك الدوار الاكثر تعقيدا فى السوط أو يجد لها مثيلا بأي وظيفه ثانوية أخرى فى أي نظام أخر ، وبالتبعية لم يقترب قط من الشرط الثاني أو الشرط الثالث للإختبار ليشرح كيف تزامنت أجزاء النظام أو تواجدت فى نفس مكان البناء ، وكيف توافقت فى تنسيق بعينه لإنتاج الوظيفة المخولة . وبدلا من ذلك بادرنا بإستعراضه المسرحي والهزلي بإستخدامه لأحد أجزاء مصيدة الفئران كمشبك لرابطة العنق .

إدعى ميلر زورا أن بيهي قد إفترض عدم وجود وظيفة ثانوية لأجزاء النظام فى تراكيب أخرى والتي يمكنها بحسب إدعائه أن تتكيف فيما بعد لانتاج النظام الجديد وأطلق عليها فرضية الخيار المشترك Co-option أو التكيف المسبق exaptation الذي تم اصطلاحه للتعبير عن الخصائص التي تظهر في سياق وظيفي ما ، قبل أن يتم إستغلالها فى سياق آخر؛ حيث يمكن لسمة معينة كانت تخدم وظيفة بعينها، أن تتحول في وقت لاحق لوظيفة أخرى.
ومن الامثلة الشهيرة للتكيف المسبق هو ريش الطيور. الذي تفترض الداروينية وجوده لتدفئة الحيوانات قديما قبل ان يتكيف كعامل رئيسي فى الطيران ، ومثل هذه القصص من السذاجة بمكان بحيث يمكنها أن تصلح فقط كقصص ما قبل النوم التي كانت تحكيها لنا الجدات. فالريش بشكله الحالي وجد خصيصا بتركيب وتوزيع ليساعد على الطيران وكونه يحمل وظيفة أخرى تفيد في العزل والتدفئة لا يعني بالمرة انه تكيف من هذه الوظيفة تماما كما لا يعني وجود جيوب بمعطف التدفئة نضع بها متعلقاتنا بأن المعطف الشتوي قد صنع فى البداية للإحتفاظ بالمتعلقات ومن السذاجة بمكان ربط تطور الطيران بوجود الريش فالخفاش يمكنه الطيران بدون ريش كما تفعل الفراشة ويفعل اليعسوب وإن إحتاج الحيوان ليصبح طائرا فلن ينفعه زغب التدفئه فى تطوير تلك الخاصية ومثل تلك الطرق الاستدلالية تقع تحت إطار مغالطة الهجوم على رجل القش .
ومن ذلك المنطلق فقد وضع القاضي جونز فى حيثيات حكمه أن بيهي كان جاهلا بالية التكيف المسبق لتفسير تحول الوظيفة ، والحقيقة أن القاضي جونز هو من يجهل تماما مثل هذه القضايا المتخصصة فبيهي تناول هذه الحجة تفصيليا من خلال كتابه (صندوق داروين الاسود )حين تكلم عن كيفية إستخدام مجموعة من القطع التي تمتلك وظائف ثانوية فى نظم أخرى كما فى تطور أهداب الحركة فى البكتريا، وشرح ذلك من خلال مثاله الشهير مصيدة الفأر حين أشار الى فرص تكوين تلك الالة من مهملات المرئاب التي كانت تستعمل لاغراض أخرى سابقة ، فقطعه خشبية يمكن استخدامها كثقالة أو لأي غرض آخر ونابض مستخدم فى ساعة قديمة مهملة وغيرها من أجزاء تشكيل المصيدة ، ويشرح بيهي ان الاشكالية الحقيقية تكمن فى إدخال مثل هذه الاجزاء فى نظام وظيفي جديد وحاجاتها الى سلوك مجموعة من التعديلات الملتوية بالغة التعقيد وفيها ينعدم الدور المخول للإنتقاء الطبيعي تماما وهذا هو سر فعالية الحجة . فحتى مع توافر جميع الأجزاء الضرورية المطلوبة كالقاعدة،النابض،عصا توقيف ، فإنه يتوجب عليها أن تتوائم مع بعضها بدقة والا فالمصيدة ستكون فاشلة ولن تعمل .

أنصار التطور يدركون جيدا حجم الإشكالية ومن ثم يجادلون فى إستنادهم على حجة التكيف المسبق بأن النظم الحيوية المعقدة التي تبدو غيرقابلة للاختزال يتم بنائها بطرق غير مباشرة بعملية تشبه عملية التسقيل (دعم بسقالات) والتي يمكنها المساعدة فى رفع البناء وإيصال المكونات إلى مكانها فى النظام حتى يكتمل ومن ثم يتم إزالة هذه الأجزاء (السقالات) .
والاشكالية هنا تكمن فى الاجابة عن هذا التساؤل المحوري :
أي قانون طبيعي بلا هدف يمكنه أن يوجه تلك الأجزاء (بعملية التسقيل المزعومة) إلى موقعها المطلوب في الزمن المطلوب بالتناسق المطلوب وما هي فرص حدوث مثل هذا الحدث ، ومن ناحية أخرى فالاستناد الى مثل هذا التشبيه مرتد علي صاحبه فعملية البناء بالتسقيل للأبنية المعقدة بالقياس هي عملية غائية ذكية نتاج توجيه هندسي محكم وليست عشوائية حيث تتطلب دقة متناهية فى توجيه السقالة فى مكان محدد ونزعها فى توقيت دقيق .
دعونا لا نستبق فى الحكم ونتوجه مباشرة لإختبار هذه الفرضية ونضع نموذجا افتراضيا لالة جزيئية تتألف من مكونات البروتين A، B، C، D والتي تتفاعل مع بعضها لتنتج الوظيفة البيولوجية المخولة بتلك الآلة البيولوجية.
الشكل 1. مكونات A، B، C، D وتتفاعل لإنتاج الوظيفة البيولوجية.
إذا كان لا يمكن لهذه الوظيفة البيولوجية أن تقوم الا بواسطة التفاعل بين المكونات السابقة ، يتوجب ساعتها على انصار التطور إستدعاء فرضية التكيف المسبق لتفسير حدوثها . وفيها يفترض أن كل جزء بروتيني من الاجزاء a,b,c,d كان يحمل في الأصل وظائف ثانوية سابقة
ومن ثم يتفاعل مع بروتينات أخرى على مر الزمن التطوري، ويخضع النظام ككل لعمليات متكرره من التحول الوظيفي . وهذا هو جوهر التكيف المسبق ، كما هو موضح في الشكل 2.
الشكل 2. المكونات تحمل وظائف ثانوية لا علاقة لها بالوظيفة الرئيسية للنظام الكلي ويجب أن تنتج وظيفة جديدة مع كل خطوة تدريجية فى سبيل تحولها الى خطوة أخرى.
ندرك جيدا أن الآلات الجزيئية يتم بنائها من أجزاء فردية من البروتينات . فالسوط البكتيري من السالمونيلا يتكون من 42 أجزاء البروتين، منها MotA وMotB (البروتينات الحركية)، FlgE (المحور)، ..الخ .
هذه الأجزاء البروتينية تتفاعل مع بعضها بتكامل دقيق للغاية يحدده أشكالها ثلاثية الأبعاد التي يتم تعشيقها لتتآلف وتتعاون لإنتاج الوظيفة المخولة بالنظام النهائي حيث يتوجب على بروتين يمتلك شكل به نتوءات معينة أن يقابله بروتين أخر يمتلك شقوقا متكاملة معها تماما ،
الشكل (3)
في الشكل (3 ) نرى ألة معقدة تتكون من خمسة عناصر(بروتينات) هي: A، B، C، D، E. وهذه البروتينات هي مكملة لبعضها البعض. العنصر A هو مكمل لB، C، D والعنصر D يعتبر مكملا لA، C، E.
سيناريو التكيف المسبق يحملنا على الاعتقاد بأن أجزاء الآلة من A إلى E كانت تعمل أصلا في سياقات مختلفة، وتشكلت كل واحدة منها بصورة مستقلة عن طريق الانتقاء الطبيعي .
ومن ثم إجتمعت هذا الاجزاء لتتكامل فى الوظيفة الجديدة، ولكن في خطوة التكامل هذه ينعدم تماما دور الانتقاء الطبيعي ويبقى العامل الوحيد المتحكم فى تكامل هذه الاجزاء داخل النظام الجديد هي الصدفة وحدها فليس هناك شيء في الانتقاء الطبيعي من شأنه الدفع نحو موائمة اشكال البروتينات لبعضها البعض ومن المهم أن نتذكر ما شرحناه مسبقا بأن التطورغير غائي ولا يوجد لديه بعد نظر، على عكس المهندس الذي يتحرك وفق خطة إنشائية مسبقة ويضع السقالات فى المكان الملائم ليرفع أجزاء البناء لتتكامل في نهاية المطاف ، ومن غير المعقول تماما أن نتوقع أن تلك العمليات الغير غائية يمكنها خلق هذه البروتينات فقط في الطريق الصحيح لتتوائم بدقة متناهية فى الشكل والتموضع لإداء الوظيفة الكلية للنظام .فكما يشير كل من Scott .Minnich و Stephen .Meyer أنه حتى مع توافر البروتينات اللازمة لتكوين السوط البكتيرى الدوار فإنها يجب أن تترتب وفقا لتسلسل زمنى صحيح تماما كما يتم تركيب السيارة أثناء خطوات تصنيعها، ومن أجل حدوث ذلك فإنها بحاجه الى نظام إنشائي مسبق من الشفرات والتعليمات الجينية وأدوات التجميع والتركيب المتمثلة فى الات جزيئية من البروتينات المتخصصة لمهة ترجمة تلك التعليمات وتنفيذها.(25)
مما سبق يتضح أن حجة أنصار التطور المركزية حول التكيف المسبق عاجزة تماما فى تفسير التعقيد الحيوي وتفسير نشوءه ويتضح أيضا أن ميلر لم يقترب بأي حال من الاحوال من تفنيد التعقيد الغير قابل للإختزال بل حول وجهة النقد الى مهاجمة رجل القش الذي صنعه بتحريف حجة بيهي وإختزالها ، ومن ثم وضع الاختبار فى المسار الخاطئ ، والحقيقة أن فرضية الخيار المشترك بتحول الوظائف وتكيفها الى أخرى مجرد حيلة أخرى من حيل تمرير الداروينية الشهيرة التي أجاد ستيفن جاي جولد إختلاق الكثير منها للهروب من الاشكاليات ولكنه لم يقدم للتطور سوى نوع من تكيييف المشكلة وتحويل مسارها الي طرق جانبية ملتوية لا تقدم أي حلول .* (هامش)

أيهما وجد أولا السوط البكتيرى أم نظام الحقن T3SS؟
كل التصورات السابقة قائمة على نقد سيناريو تطور السوط البكتيري تدريجيا من نظام أبسط هو إبرة الحقن T3SS كما تخبر الداروينية .
فماذا لو علمنا أن وجهات الفحص تصب فى صالح تصور معاكس تماما حيث تفترض الدراسات بأن السوط البكتيري كان سابقا لإبر الحقن وأن البكتيريا لابد أنها إحتاجت للدفع والحركة قبل أن تحتاج أدوات الافتراس التي تستخدم لمهاجمة خلايا حقيقيات النواة التي تطورت في وقت لاحق من البكتيريا. ومن الاسباب الداعمة ايضا لتلك الفكرة هي أنه قد تم العثور على T3SS في نطاق ضيق من البكتيريا ، في حين وجدت الاسواط البكتيرية على نطاق واسع في المجموعات البكتيرية المختلفة وهو ما يعني أنها قد نشأت في وقت مبكرعن سابقتها . كما يشير Howard Ochman باحث الكيمياء الحيوية في جامعة أريزونا الي تطور TTSS من السوط و ليس العكس، فكيف يمكن للداروينية تخطي ذلك الامر .

التعقيد الغير مختزل دليل ايجابي على التصميم وليس فجوة معرفية.
مما لا شك فيه أن فكرة عداء العلم للدين فى الغرب تعود بقسم كبير منها الى ذلك الإرث الكنسي اللاهوتي القديم المغرق فى السطحية الذي وضع برهانا خاطئا على وجود الله ينحصر في نوع من المعجزات مرتبط بما لا نستطع تفسيره ،وكان تبني تلك الفكرة المهينة بأن الله لا يتواجد الا فى الجزء غير المفسر من العالم بمثابة الحبل الذي لفه اللاهوتيون حول أعناقهم ،ومن ثم كانت الفرصة الذهبية لتنهي العلمانية المهمة بسهولة وتركل الكرسي من تحت أقدام اللاهوتيين .
وعليه لا يمكننا تشديد اللوم على المادية في إصطلاحها المشهور "إله الفجوات المعرفية " .
ولكن في المقابل من ذلك نجد أنه من الاهمية تصحيح المفاهيم وإعادة توجيه التوصيف الي مساره ،فتغييرالاعتقاد البائد عن مرض الصرع ومعرفة أسبابه وتصحيح الفكرة التي سادت حوله بإعتباره تلبس بروح شريرة وأن علاجه يكمن فى استجلاب معجزات الهية بالصلوات في الحقيقة لا يعتبر هدما للإله وإنزواء لدوره في مقابل الحل المادي بقدر ما يمكن اعتباره هدما للفكرة الخاطئة التي تبناها اللاهوتيون حول دور الله وتوظيفه بالخطأ ، والذي إعتمد على الإلتجاء الى نوع من التواكل وعدم السعي لمعرفة الاسباب وتتبعها ، ومن ذلك ظلت العلمانية تكسب جولات زائفة بتراجع دور الاله بذلك المفهوم ، لكنها في الحقيقة لم تجابه الا رجل القش الذي ساهم في خلقه هذه المرة اللاهوتيون أنفسهم . فنجاح المادية في تفسير كيفية عمل الآلة المعقدة التي كانت تبدو من قبل ذلك للبعض كالسحر والمعجزة، لايمكنه أن ينفي وجود صانع لتلك الآلة ويرجع الامر برمته الى القوانين الطبيعية مدعيا قدرة تلك القوانين على صنعها ،بل على النقيض من ذلك من ذلك يجب أن يزيد يقننا في قدرة الصانع وبراعته ويؤكد قناعتنا بحتمية التصميم الحكيم .
ومن جهة أخرى فإن الفجوات المعرفية المحيطة بقضية ما ،(على فرض صحتها) يتوجب عليها أن تعطي لدى الباحث المحقق إنطباعا من الحيادية أو اللاأدرية بخصوص تلك القضية وعدم إستباق الأحكام حولها ، لكن فى الوقت الذي يدعي فيه أنصار المادية إستعانة المعارضين بإله الفجوات لسد تلك الثغرات المعرفية ، فإنهم في المقابل يسدونها بإله آخر هو الصدفة العشوائية وينصبون التفسير المادي الطبيعي ليقعوا تحت نفس اطارالاتهام (سد الثغرات بإله الفجوات ) .
وحتى لا نتشعب كثيرا في تفاصيل فرعية يمكن للإشارة السابقة بان تكون كافية لالقاء الضوء علي ذلك الادعاء الشائع الذي يروج له أنصار المادية والنهج العلماني بأن التعقيد الحيوي الغير إختزالي لا يمكن إعتباره برهانا إيجابيا داعما للتصميم بقدر ما هو برهان سلبي مبني علي استغلال فجوات معرفية متعلقة بجهل اليات نشوء هذه الاعضاء الحيوية والتي يمكن سدها في المستقبل ،
ولكن الحقيقة علي غير ذلك، فهذه النظم تبدي علامات التصميم الحكيم التي يستحيل تفسيرها من خلال عمليات طبيعية عشوائية،فمن خلال قياسا بسيطا يمكننا إدراك تلك الحقيقة : لو وجد شخص ما كوخا حجريا مثقولا وسط الجبال، سيستنتج أنه تم صنعه بفعل مصمم . لكنه أيضا لن يبرر بنفس الادعاء إذا وجد قطعا صخرية عشوائية الشكل ومن نفس الحجم .
تتميز الحياة بتعقيد تفشل في مضاهاته أي معقدات غير حية لأنها لا تتعدى بوصفها معقدات عشوائية ترتبط خلالها الوحدات الصغيرة من خلال روابط كيميائية كأحجار الكرستال كما نرى في نماذج التتابع الجزيئي في الجزيئات البيولوجية الوظيفية مثل النظام المعلوماتي للحياة المعروف بالحمض النووي DNA ، والتي اسماها ويليلم ديمبسكي التعقيد المتخصص specified complexity ويعرفه كعلامة واضحة من علامات التصميم الحكيم بقوله :عندما يبدي شيء ما تعقيداً متخصصاً ،أي عندما يكون معقداً و متخصصاً بنفس الوقت ، فإننا نستطيع أن نقول أنه قد أُنتج من قبل مسبب ذكي عوضاً عن القول بأنه كان نتيجة للعمليات الطبيعية. (27)
فالتعقيد المتخصص نظام لا يكتفي بالتعقيد العشوائي بل بتخصص التعقيد لأداء أدوار ومهام محددة ويستخدم ديمبسكي المثال التالي:
الحرف الأبجدي هو متخصص دون كونه تعقيدا.
جملة طويلة من الأحرف العشوائية هي تعقيد دون كونه متخصصا.
قصيدة لشكسبير هي تعقيد متخصص"
يضع ديمبسكي نموذجا رياضيا لتقنين التعقيد المتخصص في إطار ما قام بتعريفه ب"حد الاحتمال الكوني "، فلو كان عدد الجسيمات الاولية داخل الكون هو 1080 ، وعدد العمليات الفيزيائية التي يمكن حدوثها فى الثانية الواحدة هي 1045 وعمر الكون منذ الانفجار الكبير بالثواني هو 1025 ، فحاصل ضرب العوامل السابقة يمكن أن يعطينا الحد الاقصى للأحداث التي يمكن أن تكون قد حدثت للجسيمات الاولية منذ الانفجار الكبير حتي وقتنا هذا ، ومن ذلك فإن أقل احتمالية لحدوث حدث ما بشكل عشوائي خلال تاريخ الكون هو واحد من 10150 أما الأحداث التي تكون قيمة احتمالها أقل من هذه القيمة فمن غير الممكن حدوثها بكوننا بشكل عشوائي ومنه يعرف ديمبسكي المعلومات المعقدة المتخصصة بأنها أي شيء احتمال حدوثه في الطبيعة أقل من 1 من 10150.
بالعودة الي السؤال الذي طرحناه فى التمهيد حول سر وجود النظام الحيوي ، يمكننا الان أن نكون تصور للإجابة عنه في ظل التقدم العلمى فى مجال "البيولوجيا الجزيئية " الذي منحنا نظرة أكثر عمقا عن سيرورته ، وتكشف لنا مع ذلك التقدم أن الكثير من التفاعلات المهمة بين مكونات أي كائن متعض لا تتم على المستوى الفيزيوكيميائي بل على مستوى تكاملى أرقى منه ومتسيد عليه هو "البرنامج المعلوماتى" المتمثل فى " الحمض النووى DNA " الذي يتواجد داخل نواة كل خلية حية، وهو بمثابة أبجدية مكونة من أربعة أحرف تحمل المعلومات ذات التعقيد المتخصص "تماما مثل الجمل العربية " أو برامج الكمبيوتر والتي لا يمكن تفسيرها بكيمياء الحبر أو فيزياء المغناطيسية، ولكنها ترجع بالضرورة الى التصميم الحكيم.هذا البرنامج يمكن إعتباره القاسم المشترك بين جميع الكائنات الحية من البكتيريا إلى الإنسان،وهو ما يقوم بوظيفة توجيه الأجزاء إلى الترابط فى تلك النظم الحيوية على نحو دقيق وقيادتها ويحمل مخططات بناء الكائن الحي ووظائفه بكل تفاصيله المدهشة .
يشير بول ديفيز" Paul Davies عالم الفيزياء النظرية والبيولوجيا الفلكية الى تلك الحقيقة بقوله :
"بإرجاء الحياة إلى قوانين الفيزياء أو الكيمياء نراها تبدو مثل السحر ، إنها تتصرف بطرق غير عادية لا مثيل لها في أي نظام فيزيائي أو كيميائي أخر ،ولكنها تحمل خصائص نابضة بالحياة تتميز بالإستقلالية والقدرة على التكيف والسلوك الموجة نحو الأهداف وتسخير التفاعلات الكيميائية لتمرير أجندة مبرمجة مسبقا، بدلا من أن تكون عبدا لتلك التفاعلات ".(29)
وفى نفس السياق يقول :
" نعرف الآن أن سر الحياة لا يكمن في المكونات الكيميائية على هذا النحو، ولكن فى البنية المنطقية والترتيب التنظيمي للجزيئات ، فالحياه هي نظام معالجة المعلومات. و برنامج الخلية الحية هي السر الحقيقي ، وليست الأجهزة '. ولكن من أين أتت البرنامج ؟ ، كيف لذرات غبيه بشكل عفوي كتابة البرامج الخاصة بها ؟ .لا أحد يعرف ... '.(30)
هذه الفجوة المعرفية التى يدعيها النهج العلمي العلماني حول مصدر البرامج والمعلومات الحيوية هي فى حقيقتها ليست الا فجوة مصطنعة يتم الترويج لها بغرض الهروب مما تؤول إليه التحليلات المنهجية من نتائج فى هذا الصدد ،
وعلى النقيض من ذلك نجد أن الكثير من الأبحاث المعنية تؤكد حتمية تصدر التصميم لخلق مثل هذه البرامج المعلوماتية الحيوية ،
ففى بحث بعنوان "In the Beginning Was Information " لفيرنر جيت " . Werner Gitt" ( أستاذ الفيزياء ومدير قسم معالجة المعلومات في معهد الفيزياء والتكنولوجيا ، براونشفايغ ) يخلص الى هذه النتيجة بقوله :
" نظام الترميز يستلزم دائما عملية عقلية . النهج الفيزيائي لا يمكنه أن ينتج رموز المعلومات. تظهر جميع التجارب أن كل قطعة من المعلومات الإبداعية تمثل بعض الجهد العقلي ".
وفى نفس السياق يعترف كل من L. Lester و R. Bohlin بتلك الحقيقه :
"الحمض النووي هو رمز المعلومات. . . . الاستنتاج القطعي هو أن هذه المعلومات لا يمكن أن تنشأ تلقائيا من خلال عمليات ألية ’ . الذكاء ضرورة في الأصل لأى رمز معلوماتي ، بما في ذلك الشفرة الوراثية، ."
من خلال التحليل التتابعي السابق بالطرح نخلص إلى النقاط الاتية :
الكائن الحي ليس تراكمات مجردة لمجموعة من المفردات وإنما نظام دقيق متكامل لا يقبل الإختزال والتطور التدريجي .
يتحكم فى سيرورة هذا النظام (برنامج معلوماتي) إنشائي وتشغيلي مسبق يمثل نوع من التعقيد المتخصص.
البرنامج المعلوماتي يستحيل تفسير وجودة بالنهج الفيزيوكيميائي والقوانين الطبيعية وإنما هو نتاج حتمى للتصميم الحكيم كما أتثبت التجارب والدراسات في هذا الشأن .

دورالإيدولوجيا فى مسارالعلوم
حينما أراد الغرب إستعباد الشعوب الفقيرة وإذلالها واستغلال ثرواتها لم يجد حرجا فى إستخدام علوم البيولوجيا لإضفاء شرعية مقدسة بإسم العلم على تلك الافعال المشينة .
وبنى المستعمرون معتقداتهم على أفكار ملهمين لهم مثل فردريك هيجل friedrich hegel وأرثر شوبنهاور arthur schopenhauer والقائلة بتفوق العرق الابيض على باقى الاعراق ونالت هذه النظرة العنصرية للشعوب دعما سياسيا كبيرا خلال إنتشار الإمبريالية الحديثة فى أواسط القرن التاسع عشر حيث كان من الضرورى إستثمار وتجنيد معتقدات فكرية معينة لتوجية المستعمرين للنظر الى الشعوب الاخرى بطريقة مختلفة ، نظره فوقية متغطرسة خالية من الرحمة.
فى مقال لأرثر جنسن فى مجلة هارفارد التربوية يقول
" إن الفارق بين أداء السود والبيض فى اختبارت معامل الذكاء هو فى معظمه وراثى "
وما يينتج عن ذلك أنه ما من برنامج تربوى يستطيع أن يساوى بين الوضع الاجتماعى للسود والبيض وأن السود مهيئين أكثر للاعمال الميكانيكية التى جعلتهم جيناتهم مهيئين لها .
ومن ثم يقوم ريتشارد هرنشتن أستاذ علم النفس فى هارفارد بتوسيع الزعم بالانحطاط الوراثى للزنوج ، ويكتب لويس أجاسى استاذ علم الحيوان فى هارفارد وأحد ابرز علماء الحيوان بأمريكا فى القرن التاسع عشر أن:
" مخ الزنجى هو مخ ناقص كمخ طفل ابيض لم مكث فى الرحم الا سبعة اشهر وأن خطوط الاتصال بين عظام الجمجمة تنغلق فى جماجم الاطفال السود فى زمن أبكر مما عند البيض وهكذا فمن المستحيل أن يتعلم الاطقال السود الكثير لإن أمخاخهم لا يمكنها النمو بأكثر من الحجم المحدود لجماجمها ".
ربما يظن البعض أن مثل هذه الأراء لا تعدو إطارالموضوعية البعيدة عن الأيدولوجية كما قد يوهم أصحابها ، لكن من خلال مذكرات أجاسى التى ظلت حبيسه لوقت قريب نعرف خلفيته العنصرية التى دعته لممارسة مثل هذا الدجل حيث ذكر فيها نفوره وبغضه الكليين للسود وهما شعوران بدأ معه منذ أن وطئت قدماه أمريكا فهو قد عرف منذ الوهله الاولى منذ أن وقعت عيناه عليهم انهم ليسوا بأفضل من القردة.
وفى بريطانيا تستخدم البيولوجيا فى إطار ايدولوجى أخر حين قام عالم نفس أكاديمى هو هانز ايزنك بالتدرج لدعوى وجود فروق بيولوجية بين الاجناس فى معامل الذكاء وأصبحت هذه الدعوى جزءا متكاملا من الحمله ضد هجرة الاسيويين والسود .
هنا تتبادر الى أذهاننا نتيجة مفادها أنه حينما يتحدد الوعى العلمى والشعبى فى حقية معينة بأراء مثل هذه فالامر يسير التساؤل .
وفى حين يحاول هؤلاء العلماء إمتلاك الامر من ناصيته ، ويتظاهرون بالموضوعية وينكرون أى صله لعلومهم بالاحداث السياسية ليعطوا إنطباعا بأن هذه النظريات هى نتاج تطورات داخلية من صميم علم منعزل عن أى علاقات إجتماعية ، نراهم لا يلبثون أن يقوموا بدور الممثلين السياسين ، فيكتبون للصحف والمجلات الشائعة ويشهدون أمام المشرعين .
كلمة عالم Scientist الانجليزية نفسها لم تظهر فى اللغه الا عام 1840 وتم استدعاء العلماء على أنهم المراجع الثقة النهائية وإعتبارهم متصفون بالموضوعية والنزاهة والبعد عن العواطف (بإستثناء حبهم للحقيفة ) ومنه فقد اصبحوا مصدرا لاضفاء شرعية الايدولوجيا والمدخل لوعى الجمهور .
فحين يقول كونراد لورينز أحد الحائزين على نوبل فى ورقة علمية عن سلوك الحيوان كتبها فى المانيا 1940 اثناء حملة الابادة النازية ":إن إنتخاب الصلابه والبطوله والنفعية الاجتماعية ... هو مما يجب أن ينجزه بعض المؤسسات البشرية اذا كنا لا نريد للجنس البشرى فى غياب العوامل الانتخابية أن يناله الخراب من إنحلاله إنحلالا مبعثه الاستئناس وفكرة العنصرية أساسا للدولة قد انجزت يالفعل فى هذا الصدد "، فإنه ينبغى على الجموع ألا تعارض تحت أى مسمى قيمى.
لورنز هنا يطبق فحسب نظرية مؤسس حركة تحسين النسل السير فرانسس جالتون اللذى تعجب لأن " ثمة من يعارض معارضة يعوزها المنطق القضاء التدريجى على أى جنس منحط " ، على ان هذه العملية التدريجية عند جالتون أصبحت بدلا من ذلك عملية اسرع على يد اصدقاء لورنز الاكفاء .
ربما يتهمنا أحدهم بالمبالغة فى الاهتمام بأراء مثل هذه ، وهذا غير صحيح فسبب ذلك هو أن العلم المادى بوصفه مؤسسة فى المجتمع الغربى المعاصر قد وصل الى أن أضفيت عليه السلطه التى كانت تعطى للكنيسة وحينما يتحدث العلم (وهم بالعادة رجال مأدلجون لهم أراء مسبقه سياسية وعقائدية كما بينا سابقا ) فيجب على الكل ان يصمت.

لكن هذه مثل هذه النظريات العنصرية ما لبثت أن إنهارت وتنحت عن السيطرة على الساحة العلمية بعدما فقدت الدعم الأيدولوجى السياسى بشكل كامل بعد الحرب العالمية الثانية التى شهدت الكثير من الجرائم العنصرية البشعه وأعلن رسميا عن تجريم التوجه العنصرى وكافة الافكار والمعتقدات حوله وفى عام 1950 اعلنت اليونسكو ان سبب منع هذه النظرية هو" سياسى أمنى أكثر من كونه علميا ".
ومن هنا نستخلص السبب الرئيسى الذى يجعل نظرية علمية تسود أو تسقط هو ليس مدى مصداقيتها أو شعبيتها أو قوة حجتها بل هو سبب سياسى ايدولوجى فى المقال الاول .
وفى نفس الإطار لعبت الايدولوجيا الالحادية المادية دورا قديما من خلال محاولة تبسيط الحقائق بصورة مشينه وهذا ما ميز علماء الفسولوجيا والكيمياء البيولوجية فى القرن التاسع عشر، ففى عام 1845 أقسم أربعه من الفسيولوجين هم هلمهولتز ولودفيج وديبوا ريمون وبركه بأن يفسروا كل العلميات الجسدية بلغة فيزيوكيمائية وتبعهم الكثيرون فى ذلك فمثلا كا موليشوت وفوكت من الماديين المكانيكيين اللذين زعموا أن البشر هم ما يأكلون وأن العبقرية هى مسألة فسفور وأن المخ يفرز الفكر كما تفرز الكلية البول . وكان معروفا أن الكثير منهم من عتاة الملاحدة .
على أنه كان من المطلوب حتى تكتمل صورة العالم فى المذهب الميكانيكى المادى إتخاذ خطوة أخرى هامة بشأن مسالة الطبيعه وأصل الحياة نفسها ، فسر علاقة الحى باللاحى كان فيه مفارقة بالنسبة لأتباع الميكانيكية الاول ، فلو أن الكائنات الحية هى مجرد كيماويات لكان ينبغى أن يصبح فى الامكان إعادة خلق الحياة من خلطة فيزيوكيماوية مناسبة غير أن مبرهنة باستير كانت صادمة فى إثباتها أن الحياة لا تنبثق إلا عن حياة ومن هنا يصل نوع أخر من الحلول التبسيطية هو "الداروينية ".
فالانواع ليست ثابته ازليا كما تبنت الايدولوجية المادية من قبل سيرورتها بل إنحدرت عبر الأزمان من أشكال أسبق اكثر بساطه، وإذا تتبع المرء الحياة الى اصولها التطورية أمكنه أن يتخيل سائلا من مزيج كيميائى أولى دافئ يستطيع أن يخلق الحياة تلقائيا
وهكذا وجدت المادية الغربية أعظم الفرص فى تلك النظرية لأدلجة الإلحاد حتى يومنا هذا .
" كل شئ .... أو لا شئ "
التعقيد الغير قابل للإختزال
Irreducible complexity
يستعرض مايكل بيهي Michael Behe أستاذ الكيمياء الحيوية في جامعة ليهاي - بنسلفانيا وأحد منظري التصميم الذكي من خلال كتابه الشهير صندوق داروين الأسود " Darwin's Black Box:The Biochemical Challenge to Evolution " طبقة أخرى من النظم الغير قابلة للإختزال على المستوى البيوكيمائي الجزيئي فى الحياة المجهرية الدقيقة .
ويعرف بيهي النظام الغير قابل للإختزال Irreducible complexity بأنه نظام مركب من العديد من الأجزاء التي تتفاعل بتناسق شديد لإنتاج الوظيفة المخولة بالنظام ويتبع ذلك أن إزالة جزء واحد من أجزائه يعطل هذا النظام ويوقفه عن العمل ، مما يعني أنه قد تم تصميمه من البداية مع جميع أجزائه ، وبذلك لا يمكن أن يتكون نتاجا لطفرات طفيفة متدرجة يتم إنتخابها، فالتطور لا يمكنه بناء عمليات بيو كيميائية معقدة خطوة بخطوة لأن تلك الخطوات لا يمكنها توفير أي ميزة لحاملها, وهذا يعني أن الانتقاء الطبيعي لن ينتقي هذا النمو التطوري ولن يسمح لنظام غير كامل وغير فعال بالانتشار من جيل لآخر فهو لا يثبت سوى التغيرات الوظيفية وهو ما تفتقده تلك النظم التي لا تعرف وظيفتها الا بوجودها مكتملة.
يستخدم بيهي مصيدة الفئران كمثال تقريبي لشرح فكرته حول التعقيد غير القابل للاختزال، فهي لا يمكن أن تعمل إذا فقدت أيا من أجزائها المكونه من القاعدة ، الزنبرك ، الماسك ، المطرقة ولا يكفي وجود كل الأجزاء فى الوقت والمكان المناسبين بل يجب أن تكون متناسقة مع بعضها بدقة حتى يمكنها القيام بوظيفتها مما يجعل من فرضية الفرص العشوائية محض جنون .
ينتقل بيهي لشرح العديد من تلك النظم البيوكيميائية منها ألية استشعار الضوء فى نظام الرؤية ، ونظام تخثر الدم البشري، والسوط البكتيري الذي تستخدمه الكثير من البكتيريا للحركة .
فالعين تحمل طبقة أخرى من التعقيد على المستوى البيوكيميائى الدقيق فعندما يضرب الضوء الخلايا الحساسة في العين ، تحدث سلسلة من التفاعلات الجزيئية المتعاقبة المذهلة تماما والتي يمكن تشبيهها بإنهيار قطع الدومينو المتراصة حين نسقط أول قطعة لتؤدي فى النهاية إلى نقل النبض العصبي إلى الدماغ .
وإذا ما فقد أي جزيء في هذه السلسلة من قطع الدومينو أو كان معيبا لا يمكن بث النبض العصبي مما يعنى ببساطة إنعدام الرؤية والعمى التام . ومن ذلك فهذا النظام لا يمكنه العمل على الإطلاق ما لم تكن كل أجزائه حاضرة فى ذات الوقت .
وفيه مثالة الثاني : شلال تخثر الدم فى الإنسان والمسئول عنه أكثر من عشرة جزيئات بروتين شديدة التناسق يجب أن تتفاعل مع بعضها البعض بشكل متسلسل لإنتاج الجلطة في الوقت والمكان المناسبين لإيقاف نزيف محتمل ، وفقد أحد هذه الجزيئات يعنى فشل نظام التخثر تماما (كما في حالة مرض الهيموفيليا ).

والمثال الثالث: هو سوط البكتيريا flagellum الذي يبدو مثل خيوط خارجية طويلة تساعد على دفع
البكتيريا وتمكنها من السباحة والحركة خلال السائل المحيط بها، يتحرك السوط بألية ميكانيكية تماما فعند قاعدة كل سوط محرك دوار يحركها آلاف المرات في الدقيقة الواحدة.
يتكون السوط البكتيري من الخيط Filament الذي يرتبط مع الجسم القاعدي Basal body بواسطة قطعة وسطية تسمى الخطاف Hook .
يحاكى السوط البكتيري أنظمة الحركة الميكانيكية بوسائل النقل المائية بألية الدفع اللولبي بواسطة محركات دوارة التي لا يمكنها العمل مع فقد أحد أجزائها ومثل هذا النظام لا يقبل التدرج فى التكوين ، فالتطور بطريق الانتقاء الطبيعي والطفرة يجب فيه المضي الحثيث نحو تحسين وظيفية واحدة في كل خطوة،، فكيف يمكنه بناء جهاز لا يمكن إختزال خطواته مثل المحرك الدوار الذي لا يمكن أن يعمل على الإطلاق الا إذا كانت جميع أجزائه في مكانها الصحيح؟
avatar
طارق فتحي
المدير العام

عدد المساهمات : 2799
تاريخ التسجيل : 19/12/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alba7th.3oloum.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى