* الفلك :التاريخ القديم والمعاصر-الاسس البغدادية -البروج -المشعوذين والفلك

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

* الفلك :التاريخ القديم والمعاصر-الاسس البغدادية -البروج -المشعوذين والفلك

مُساهمة  طارق فتحي في الأحد يوليو 20, 2014 11:40 am

الاسس الرافدية - الاسسالفلك في التاريخ القديم
عرف الانسان السماء واجرامها وظواهرها منذ عرف الحياة على سطح الأرض، وفي اعماق التاريخ، كانت نظرة الانسان البدائي الى السماء والنجوم والشمس والقمر والظواهر الكونية الاخرى، نظرة بدائية عَفوية، فيها كثير من الأوهام والأساطير والخوارق والآلهة. وقد عثر الآثاريون والباحثون على نقوش ورسوم سماوية في جدران الكهوف وعلى الاحجار تشير الى ذلك. وفي العالم القديم، عالم الحضارات الكبرى، كحضارة وادي الرافدين، ووادي النيل، والحضارة الصينية والهندية، والفارسية، وجد الآثاريون والباحثون ارصاداً وانجازات فلكية جمة، بعضها كان ابداعياً مثيراً، على الرغم من الدوافع غير العلمية وغير المنهجية التي دفعت اليها.
فقد عرف السومريون النظام الستيني، وجعلوا الوحدة الكبيرة في العدّ (الستين)، فقسّموا الدائرة الى 360 درجة، وقاسوا الزوايا بالدرجات، والدقائق والثواني، وقسّموا الليل والنهار الى ساعات ووحدات.
وميّز سكان بلاد الرافدين الكواكب السيّارة الخمسة المعروفة (عُطَارِد والزُهَرَة، والمِرِّيخ والمُشْتَري وزُحَل) عن النجوم الثابتة، ووفرت لنا آثارهم ارصاداً منظّمة للزهرة تتعلق بشروقها وغروبها منذ ما يقرب من تسعة عشر قرناً، وعرفوا أنّ الشمس والقمر والكواكب تتبع مساراً محدداً في المنطقة السماوية، قسّموه الى اثني عشر قسماً سماوياً. كل قسم 30 درجة، وهو ما نعرف (بمنطقة البُرُوج) zodiac.
واستخدموا الزقّورات والأبراج (على ما يحتمل) لرصد الاجرام السماوية، وصنعوا الساعات الشمسية (المزاول) والساعات المائية وادوات اخرى.
ومثلهم كان المصريون القدماء، فقد تتبعوا السماء واجرامها، ورصدوا مواقع النجوم والكواكب قروناً طويلة، وكانوا يميزون الكواكب السيّارة عن النجوم (الثابتة) وذكروا في سجلاتهم نجوماً من القَدر الخامس التي لا تكاد العين مشاهدتها.
hipparchus-b
وللمصريين تقويم دقيق منذ اكثر من 3000 سنة قبل الميلاد، ومن النجوم التي اهتموا بها نجم الشِعْرى اليمانية Sirius، حيث ارتبط ظهوره بظاهرة فيضان النيل، ومن خلال مراقبتهم له وضعوا تقويماً دقيقاً مكوناً من يوم، يعتمد حركة هذا النجم.
ومن اهتمامهم بالسماء كانت ابنيتهم ومعابدهم موجهةً فلكياً، فمثلاً كان احد ممرات هرم خوفو الأكبر موجهاً نحو نجم القطب الشَمالِي للسماء، كما كان آنذاك. وصنع المصريون ادوات فلكية دقيقة كالساعة الشمسية والمائية وادوات اخرى.
واهتمت الحضارة الصينية بالسماء وكانت مقدسة لديهم، فتابعوا الكواكب السيّارة والشمس والقمر وعرفوا مواقعها وحركاتها بشكل دقيق. واهتم الصينيون بشكل خاص بالظواهر الكونية الغريبة كالكسوف والخسوف والنيازك والشهب والنجوم المتفجرة، وقد وُجدت تسجيلات لكسوفات شمسية وخسوفات قمرية منذ نحو 13 قرناً قبل الميلاد.
ومثل تلك الحضارات كانت الحضارة الهندية والفارسية، فقد ميّزت هاتان الحضاراتان، الكواكب السيّارة الخمسة عن النجوم الثابتة، وعرفت عدداً من الظواهر الكونية، وصنعت آلات فلكية بسيطة وقدمتا عدداً من الانجازات الفلكية، ولم تخرج افكارهما عن الافكار الفلكية القديمة.
والحضارات القديمة على عمومها، لم تكن تملك فلكاً علمياً منهجياً يصحّ ان نصطلح عليه (علم الفَلَك). لقد كانت انجازاتها على كثرتها وتنوعها، مادة فلكية خاماً في غالبها، فهناك ارصاد وملاحظات ومعلومات وقواعد بسيطة، يمتزج معها كثير من الأوهام والخرافات والتنجيم، حالت دون وصولها الى مرتبة العلم المنظّم.
اما اهداف تلك الارصاد الفلكية فهي أمّا دينية تنبؤية تنجيمية، أو حياتية عملية لغرض تحديد الوقت والمناسبات.

الفلك (الأسس الرافدية)
وحضارة وادي الرافدين (السومرية والبابلية والآشورية) كانت حضارة فلكية تنجيمية فاقت الحضارات القديمة الأخرى في هذا الحقل. تقول مارغريت روثن: ((تظهر اللوائح واليوميات المدونة بموجب الرصد روحاً علمية حقة. غير أن المعارف التي وصلتنا لا تبيّن لنا بأنَّ البابليين-الكلدانيين توصلوا إلى شرح هذه الظواهر وفق نظم الفيزياء ـ إنما ظلت منوطة إلى آخر الأمر بمفاهيمهم الدينية التي كان علم الفلك خاصاً لها، فبقيت النظريات الفلكية عرضاً وصفياً)).
zaghore-b
ويقول سارطون: إنَّ البابليين أقاموا الأسس الرياضية التي لا يمكن أن يقوم فلك علمي بدونها، وبدأوا بسلسلة طويلة من الأرصاد التي لولاها لاستحال تحقيق القواعد العامة الحديثة.
ولعلَّ أهم ما امتاز به أبناء الرافدين (السومريون) هو اكتشافهم الطريقة الستينية في العد، وهي اختيار العدد (ستين) وحدة كبيرة للعد، وكانت السنة عندهم 360 يوماً، واليوم ست ساعات، ثلاث ساعات للنهار وثلاث أخرى لليل مع اختلاف طول كل ساعة عن الأخرى.
وكان فلك بلاد الرافدين مزيجاً بين الفلك العلمي والتنجيم والآلهة والخرافة، كسائر الفلك القديم، وقد رصدوا الشمس والقمر والنجوم والسيّارات الخمسة، وألَّهوا بعضها وقدسوها وعبدوها، وكانوا يعتقدون أنَّ كل كوكب من الكواكب إلهاً تهمه شؤون الناس ولا غنى عنه في تدبيرها.
عرف أبناء الرافدين مفردات فلكية جمّة حفظتها الألواح الطينية الفلكية المتبقية، فتابعوا مسارات الشمس والقمر والكواكب، وشاهدوا اقتراناتها ولاحظوا الخسوف والكسوف، يقول سبتينوموسكاتي: كان البابليون يسجلون تسجيلاً صحيحاً حركات الشمس والقمر، فصارت لهم في القرن السابع قبل الميلاد القدرة على التنبؤ بما ينتابهما من خسوف وكسوف.
وعرفوا أن الشمس والقمر والسيّارات الخمسة تتبع مساراً في المنطقة السماوية، فحددوا هذه المنطقة وسموها (منطقة البروج) وقسموها إلى اثنتي عشرة وحدة والوحدة إلى 30 درجة، وفي سبيل تحديد خط الشمس عيَّنوا نقاطاً ثابتة في النجوم الأكثر إشعاعاً والتي تشكل إشارات دالّة على منطقة البروج الاثني عشر.
ومن أهم أرصاد البابليين تلك التي تتعلق بكوكب الزُهَرة، التي أجريت زمن الملك البابلي (امي ـ صادوقا)، وتتحدث هذه الأرصاد عن أول ظهور للزهرة وآخر ظهور لها (أي عند شروقها وغروبها) كما عرفوا طول مدة اختفائها.
jadavel-b
جداول الزُهَرَة زمن امي -صادوقا هي الواح طينية تحتوي على ارصاد خاصة بكوكب الزُهَرَة، أُجريت زمن الملك امي- صادوقا (1921-1901 ق. م) (الملك العاشر من السلالة البابلية الاولى).
تعدّ جداول الزُهَرَة من عهد (امي صادوقا) من اهم الارصاد الفلكية المدونة الواصلة الينا من العهد البابلي، وهي تتحدث اساساً عن شروق الزُهَرَة وغروبها، وقد اخذت -على الاكثر- لقراءة الطالع. ومن خلال هذه الارصاد عرف البابليون اول ظهور الزُهَرَة وآخر ظهور لها (اي عند غروب الشمس وشروقها) وعرفوا أيضاً مدة اختفائها.
ففي احد الالواح نقرأ - مثلاً: اذا اختفت الزُهَرَة في الشرق في اليوم الواحد والعشرين من آب، أو ظلت مختفية في السماء شهرين و11 يوماً، ثم شوهدت في الغرب في اليوم الثاني من شهر ((ارخسمنا)) فمعنى ذلك ان امطاراً سوف تهطل في البلاد، وان خراباً سوف يحل بها في السنة الرابعة. واذا اختفت الزُهَرَة في الغرب في اليوم الخامس والعشرين من تموز وظلت مختلفة في السماء سبعة أيام، ثم شوهدت في اليوم الثاني من آب في الشرق فستكون امطار في البلاد وسيقع الخراب بها في السنة الثامنة)).
وفي هذه الجداول حُسب كل من الشهور التي تكون فيها الزُهَرَة غير مرئية ثلاثين يوماً، وعرف البابليون مدة اقتران الزُهَرَة (584 يوماً)، وادركوا مدة الثماني سنوات التي تعود فيها الى الظهور، فتظهر خمس مرات في المواضع نفسها (كما تشاهد من الارض).

الفلك، الأسس الإسلامية (البغداية)
البداية الفلكية التنجيمية (المنصور)
وفي العصر العباسي، دخل الفلك مرحلة رعاية الدولة الرسمية، وهي مرحلة جديدة اتسع فيها العمل العلمي والفلكي خاصة، وانتقل من نطاق الأعمال الفردية والجزئية إلى عمل رسمي عام تبنته الدولة الرسمية وجندت له طاقاتها.
وفي هذا العصر(عصر المنصور) فتحت الدولة الرسمية أبواب الترجمة على مصاريعها لتدخل العلوم والثقافات الأجنبية إلى العالم الإسلامي، ولتتفاعل مع العقول والنفوس التي هيأها الوضع الديني والحضاري الجديد، بعد أن استكملت تقريباً علومها الخاصة بها كعلوم القرآن والحديث وما تعلق بهما.
وهي في الحقيقة مرحلة نضوج منهجي إلى حد ما، بعد تجربة وضع منظومة العلوم القرآنية والشرعية.
وفي هذا العصر لم تكن البداية علمية بحتة، ولم تكن فلكية علمية، وإنما هي على مستوى العلوم الفلكية كانت مرحلة تنجيمية خضعت للرغبة الرسمية في الدرجة الأول. (وهي رغبة قوية لا يمكن مقاومتها) رغبة اهتمت في الدرجة الأولى بالتنجيم، بل وظلت هذه الرغبة الرسمية التنجيمية ملازمة لمراحل الفلك طول تاريخه، وقد أفادت الفلك العلمي بامداده بالأرصاد والجداول الفلكية في امتداد تاريخ الفلك الإسلامي دون أن تؤثر على العمل الفلكي العلمي المستقل الذي حَظي بمباركة القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة.
في هذا العصر تبنَّت الدولة الرسمية عملية الترجمة، فنقل الكثير من التراث القديم الذي لا يتعارض مع تعاليم الدين وثوابته، إلى اللغة العربية وبهذا التبني انطلق الفلك من الأفق المحلي الشخصي إلى الأفق الرسمي والعالمي، ليأخذ طريقه إلى النمو والنضوج والتطور.
الروح و الفلكية (المأمون)
وجاء الخليفة العباسي الآخر عبد الله المأمون، ليواصل ما بدأ به أجداده المنصور والرشيد في توسيع حركة الترجمة من العلوم والثقافات الأجنبية، وتنشيط الحركة العلمية عامة والفلكية والتنجيمية خاصة.
وعلى الرغم من أن عصر المأمون هو عصر علمي على إجماله، نشطت فيه الحركة العلمية والفكرية في جوانبها المختلفة، ونما فيه الفلك الحقيقي وكثرت فيه الأرصاد والعلماء الرّصاد والأزياج (الجداول الفلكية) إلا أنَّ التنجيم والعناصر التنجيمية ما زالت لصيقةً بالفلك، فالمأمون نفسه يحبّ الفلك والتنجيم معاً ومثله علماؤه الذين حوله، واستمر الحال في امتداد تاريخ الفلك في حضارتنا الإسلامية على الرغم من الصيحات التي وقفت ضد التنجيم.
لكنَّ هذا التوجه العام لم يمنع تمييز عصر المأمون العلمي الواسع الذي طغى فيه العمل الفلكي الرصدي الميداني على عصر المنصور الفلكي التنجيمي الضيّق الذي طغت فيه الروح التنجيمية على الروح العلمية.
ولا شك ان الروح العلمية التي حملتها شخصية هذا الخليفة لعبت دوراً مهماً في نمو وتطور المعرفة العلمية والفلكية، فمن خلال حبه للعلوم العقلية تطورت هذه العلوم وبسبب حبه للفلك والنجوم تطور الفلك وعلم النجوم، وكثرت معه المراصد والآلات الفلكية والإنجازات والأرصاد الفلكية.
لقد وصف لنا التاريخُ المأمونَ شخصية علمية مثقفة تختلف عن كل الخلفاء السابقين لـه واللاحقين، أحبَّ العلومَ والمعارف بشكل عام وشغف بالعلوم العقلية بشكل خاص، وقد أكدَّ هذا الحب للعلوم مصادر مختلفة، فوصفته عالماً واسع الإطلاع، فوصفه السيوطي بقوله: إنَّ المأمون قرأ العلم منذ نعومة أظافره وبرع في الفقه والعربية وأيام الناس، ولما كبر عنى بالفلسفة وعلوم الأوائل ومهر فيها.
ويؤكد هذه الرغبة الشديدة في العلوم وعلم الفلك والتنجيم قول المؤرخ المسعودي في مروجه: ((ثم أفضى الأمر إلى المأمون فكان في بدء أمره لما غلب عليه الفضل بن سهل وغيره يستعمل النظر في أحكام النجوم وقضاياها، وينقاد إلى موجباتها، ويذهب مذاهب من سلف من ملوك ساسان كأردشير بن بابك وغيره، واجتهد في قراءة الكتب القديمة. وأمعن في درسها وواظب على قراءتها، فافتن في فهمها وبلغ درايتها، فلما كان من الفضل بن سهل ذي الرياستين ما اشتهر وقدم المأمون العراق، انصرف عن ذلك كله وأظهر القول بالتوحيد والوعد والوعيد وجالس المتكلمين وقرب إليه كثيراً من الجدليين المبرّزين والمناظرين كأبي الهذيل وأبي اسحاق إبراهيم بن سيّار النظام وغيرهما ممن وافقهما وخالفهما وألزم مجلسه الفقهاء وأهل المعرفة من الأدباء، واستقدمهم من الأمصار وأجرى عليهم الأرزاق؛ فرغب الناس في صنعة النظر وتعلموا البحث والجدل ووضع كل فريق منهم كتباً ينصر فيها مذهبه ويؤيد بها قوله وكان أكرم الناس عفواً وأكثرهم احتمالاً وأحسنهم مقدرة واجودهم بالمال الرغيب وابذلهم للعطايا وأبعدهم عن المنافسة. واتبعه وزراؤه وأصحابه في فعله وسلكوا سبيله وذهبوا مذهبه)).
وبالغ بعض المؤرخين في سعة علم المأمون فأورد ما ذكر الانماطي: ((تغدَّينا مع المأمون في يوم عيد، قال: وأظنه وضع على مائدته أكثر من ثلاثمائة لون، قال فكلما وضع لون نظر المأمون إليه فقال: هذا نافع لكذا ضار لكذا، فمن كان منكم صاحب بلغم فليجتنب هذا، ومن كان منكم صاحب صفراء فليأكل من هذا ومن غلبت عليه السوداء فلا يعرض لهذا ومن قصد قلة الغذاء فيقتصر على هذا، قال: فوالله ان زالت تلك حالة في كل لون يُقدم إليه حتى رُفعت الموائد، فقال يحيى بن أكثم: يا أمير المؤمنين ان خضنا في الطب كنت جالينوس في معرفته أو في النجوم كنت هرمس في حسابه أو في الفقه كنت علي بن أبي طالب عليه السلام في علمه...)).
ولا يخفى ما في هذا النص من المبالغة الشديدة والتملق الزائد، وهذه حالة معروفة في حواشي الجلسات الرئاسية والملكية فاسترضاء الملك أو الرئيس أو الحاكم حالة معروفة، وهذا لا يمنع كونه عالماً ومثقفاً ومحباً للعلم ومؤلفاً، وفي مجال علم المأمون وتأليفاته نذكر ما أورد ابن النديم الوراق المطلع على الكتب يقول في ترجمة المأمون: ((أعلمُ الخلفاء بالفقه والكلام وكان دون أخيه محمد بن زبيدة في الفصاحة ونحن نستغني بشهرة أخباره عن استقصاء ذكره وله من الكتب كتاب جواب ملك البرغر فيما سال عنه من أمور الإسلام والتوحيد رسالته في حجج مناقب الخلفاء بعد النبي صلى الله عليه وسلم رسالته في أعلام النبوة)). ونسب إليه أيضاً كتابة رسالة لا تزال موجودة عن الطب والزراعة.
ونحن لا نعرف ما إذا كانت له مؤلفات ورسائل اخرى. وفيما إذا كانت هذه المذكورة أعلاه حقيقة لـه أو منسوبة إليه. لكننا نعرف أن المأمون كان شخصية غير عادية كان ذا ثقافية دينية وعلمية دفعت العملية العلمية والثقافية إلى أمام، مواصلاً حركة الترجمة والعملية العلمية التي ابتدأ بها أو وسعها الخليفة المنصور من قبل.
لقد كان شخصية مثقفة أحبَّ العلم والفكر واهتم بالفقه والعلوم الدينية والدنيوية، وكانت لـه نشاطات دينية وفكرية ونقاشات مع أهل الثقافة والدين ساهم فيها الجو العلمي والثقافي الذي وصل إليه هذا العصر، وهذا ما دفعه لان يلاحق ويطوّر عملية الترجمة والتأليف شخصياً، فكان يبعث الوفود إلى الروم والى صقلية وروما في سبيل جلب المزيد من الكتب، وكان بينه وبين ملك الروم مراسلات وقد استظهر عليه المأمون فكتب إلى ملك الروم يسأله الأذن في انفاذ ما يختار من العلوم القديمة المخزونة ببلد الروم، فأجاب إلى ذلك بعد امتناع. فأخرج المأمون لذلك جماعة منهم الحجاج بن مطر وابن البطريق وسلماً صاحب بيت الحكمة وغيرهم فأخذوا مما وجدوا ما اختاروا. فلما حملوه إليه أمرهم بنقله فنقل)).
monitor-bويذكر صاعد الأندلسي هذا الاهتمام وملاحقة المأمون لعملية الترجمة وتتبع الكتب والعلوم الموجودة عند الآخرين بقوله: ((فأقبل على طلب العلم في مواضعه واستخراجه من معادنه، بفضل همته الشريفة وقوة نفسه الفاضلة، فداخل ملوك الروم، وأتحفهم بالهدايا الخطيرة وسألهم صلته بما لديهم من كتب الفلاسفة، فبعثوا إليه بما حضرهم من (كتب افلاطون) وارسطا طاليس وابقراط وجالينوس واقليدس وبطليموس وغيرهم من الفلاسفة فاستخار لها مهرة التراجمة وكلفهم احكام ترجمتها فترجمت له على غاية ما أمكن ثم حَضَّ الناس على قراءتها ورغَّبهم في تعليمها فنفقت سوق العلم في زمانه وقامت دولة الحكمة في عصره وتنافس أولو النباهة في العلوم لما كانوا يرون من احظائه لمنتحليها واختصاصه لمقلديها)).
ويبدو أنه كان سخياً في عطائه للمشتغلين بالعلم، فقد بذل ما تحتاجه هذه العملية الثقافية من مال وهدايا وعطايا، فكان يشجع العاملين والعلماء والنقلة باغراءات مالية كبيرة، فيُذكر أن الخليفة المأمون كان يعطي حنين بن اسحاق وزن ما ينقل من الكتب إلى العربي ذهباً مثلاً بمثل.
إننا لا نعرف مدى دقة هذه المعلومات (عن شخصية المأمون) ولكننا نعرف أن عصره خلَّف تراثاً فكرياً وعلمياً مهماً وشواهد كثيرة من المؤلفات والمترجمات وصلنا الكثير منها على أشكال مخطوطات موجودة في أنحاء مختلفة من العالم، وقد طبع ونشر بعضها، ومثل هذا التراث الضخم الواصل من ذلك العصر لا يمكن ان يتوافر لو لم يكن وراءه قوة دافعة كبيرة.
وبالطبع لم تكن تحدث هذه التظاهرة العلمية والثقافية والفكرية لو لم تتوافر ظروف وأجواء مناسبة تتفاعل مع تلك القوة الدافعة، فوجود شخصية المأمون في أجواء غير مناسبة لا يمكن ان تفجّر مثل هذه الثورة العلمية والثقافية الكبيرة.
لقد وفَّرَ توسع الرقعة الإسلامية وامتدادها في الزمان والمكان في وقت مبكر من الدعوة الإسلامية أرضيةً مناسبة لنمو العملية العلمية والثقافية، فقد وفَّر الموادَ العلمية الوافدة والرفاه الاقتصادي والمال وانفتاح الطرق التجارية بين البلدان المفتوحة وإدخال صناعة الورق (الكاغد) وأموراً كثيرة أخرى.
وهذه عوامل دفعت بالعملية العلمية والثقافية إلى الأمام.

الفلك الحديث و المعاصر
والفَلَك في العصر الحديث، هو الفَلَك الذي ظهر بعد ثورة العالم الفلكي كوپرنيكوس (المتوفى سنة 1543م) التي احلّت الشمس في مركز الكون بدلاً من الارض.
وهو فلك علمي متين تحرر من قيود الفَلَك التقليدي القديم تماماً، وانفصل عن التنجيم الخرافي astrology تماماً أيضاً، مستفيداً من عدد من العلوم الحديثة القريبة منه، والتي تصبّ في خدمته وتطويره.
andromeda-b
والفَلَك الحديث ألغى كل ما يتعلق بالنظام الارضي القديم، وألغى المدارات الدائرية الكاملة الاستدارة، معتبراً المدارات الاهليلجية (البيضوية) اساساً لحركات الاجرام السماوية.
وألغى ايضاً الطبيعة السماوية التقليدية (الاثيرية)، معتبراً الارض والسماء وكل الاجرام الكونية من طبيعة واحدة، ترجع الى العناصر الاثنين والتسعين عنصراً طبيعياً الموجودة في ارجاء الكون.
والفَلَك الحديث اعتمد الشمس (الكبيرة قديماً) نجماً متوسطاً كسائر النجوم السماوية، تقع ضمن مليارات النجوم المكوّنة لمجرّة درب التبانة Milky Way وهذه المجرّة (وهي متوسطة بين المجرّات) واحدة من اكثر من مليار مجرّة، وهناك عدد هائل من السدم، هي كل هذا الكون المعروف لدى العلماء فى العصر الحديث.
وعلى هذا، فالفَلَك في العصر الحديث، يختلف عن الفَلَك في العصور القديمة... وان كان الميدان واحداً هو هذه السماء واجرامها وظواهرها.
والفَلَك الحديث قام على اكتاف عدد من علماء فلك أفذاذ، يقف في طليعتهم العالم الفلكي كوپرنيكوس (المذكور آنفاً)، فهو الذي قدّم النظام الكوني الجديد، وفيه أحلّ الشمس محلّ الارض في مركز الكون، وكل الكواكب ومعها الارض تدور حول الشمس، والقمر حول الارض. وبذلك قلب النظام الكوني القديم رأساً على عقب.
وجاء بعد كوپرنيكوس الفلكي الدانماركي تيكو براهه المتوفى سنة 1601م ليقدم أرصاداً وملاحظات فلكية مهمة كانت اساساً لتلميذه العالم الفلكي يوهانس كپلر المتوفى سنة 1630م، ليضع قوانينه الثلاثة في حركة الكواكب حول الشمس والتي تؤكد اهليلجية المدارات (اي ان الكواكب تدور في مدارات بيضوية حول الشمس)، ملغياً بذلك المدارات الكاملة الاستدارة الي عقّدت النظام الكوني القديم والتي اوصلته الى طريق مسدود امام التطور.
ثم ظهر العالم الفلكي الايطالي غاليليو غاليلي المتوفى سنة 1642م ليثبت نظرية مركزية الشمس فعلياً من خلال النظر بتلسكوبه الصغير، فشاهد الطبيعة الارضية الترابية لسطح القمر، وكشف اربعة أقمار لكوكب المُشْتَري، وقدّم معلومات صحيحة عن طبيعة النجوم البعيدة.
وأخيراً ظهر العالم الفيزيائي الانجليزي الفذ اسحاق نيوتن المتوفى سنة 1727م وفسّر حركة الكواكب باكتشافه قانون الجاذبية العام gravitation.
والى هنا قدّم العصر الحديث النظرية الصحيحة حول النظام الشمسي، وهو نظام فلكي يحتل نقطة صغيرة جداً من مساحة الكون الهائلة، فالشمس الواقعة في مركز النظام الشمسي (وليست في مركز الكون) تقع في نقطة سماوية معزولة عما يجاورها من نجوم، فهي تبعد عن اقرب نجم اليها (الفاقنطورس) نحو 4.3 سنة ضوئية، فكيف بها عن النجوم الأبعد.
habel-b
على هذا الفهم العلمي للنظام الشمسي والنجوم والمجرّات خارج النظام الشمسي، بنى علماء الفَلَك دراساتهم للكون، مستخدمين الاجهزة الفلكية والفضائية المناسبة لكل جزء من اجزاء الكون.
وتوالت الجهود والانجازات وتسارعت، فبعد اكتشافات غاليليو المذكورة، درس الفلكي هويغنز المتوفى سنة 1695م الكوكب زُحَل، وفسّر حَلَقاته تفسيراً علمياً، واكتشف قمره الاساسي تيتان Titan، ثم طوّر العالم نيوتن التلسكوب الكاسر الى تلسكوب عاكس (حلت المرآة بدلاً من العدسة الشيئية)، وحلل الضوء الى الوانه السبعة، مقدماً بذلك اداة علمية مهمة في تحليل ما يصدر عن السماء.
ثم درس الفلكي الانجليزي ادموند هالي المتوفى سنة 1742م المذنَّبات، واثبت أنها اجرام سماوية تدور حول الشمس كما تدور الكواكب السيّارة والكويكبات، متنبئاً اثناء ذلك بظهور (مذنَّب هالي) في وقته الذي حدده.
ثم اكتشف العالم الانجليزي وليم هرشل المتوفى سنة 1822م، الكوكب السابع أورانُوس سنة 1781م، وبذلك وصل عدد كواكب النظام الشمسي (مع الارض) الى سبعة، ثم حوّل تلسكوبه الى السماء خارج النظام الشمسي راصداً النجوم الثنائية binary stars، والسدم nebulae ومحدداً ملامح مجرتنا درب التبانة واجراماً اخرى.
وفي سنة 1846م اكتشف الفلكيان غال وداريه في برلين الكوكب الثامن نپتون، من خلال تنبؤ الفلكيين آدمز ولوفرييه.
وفي سنة 1905م وسنة 1916م وضع العالم الشهير اينشتاين المتوفى سنة 1955م نظرية النسبية الخاصة ثم العامة، فاتحاً بهما باب الكون للدخول الى دراسته علمياً.
ومن خلال نظريات وافكار اينشتاين وعلماء فيزياء ورياضيات آخرين، قدّم العالمان فريدمان ولوميتر في اواسط العشرينات من القرن العشرين الميلادي نظرية الانفجار العظيم Big Bang التي بدأ بها الزمان والمكان ونشوء الكون، ثم جاء قانون تمدد الكون expansion of the Universe للفلكي الامريكي ادوين هابل المتوفى سنة 1953م ليدعم هذه النظرية، ثم توالت الدراسات الكونية لتكون هي النظرية الاهم في تفسير بداية الكون.
وفي سنة 1930م اكتشف الفلكي كلايد تومبو المتوفى سنة 1997م الكوكب التاسع پلُوتو، وهو ابعد الكواكب عن الشمس، وآخر اعضاء النظام الشمسي المعروفة. وهناك انجازات اخرى يطول تعدادها.
هذا هو الفَلَك في العصر الحديث، وهو فلكٌ (حديث حقاً) جاء نتيجة عدد كبير من الحقائق والنظريات والاكتشافات والاجهزة المتطورة، وهي امكانات لم تتح للفلك القديم أبداً، وبذلك جاءت انجازاته على كثير من المتانة والدقّة والاثارة.
الفلك المعاصر
والفَلَك اليوم غير الفَلَك التقليدي القديم، بل وحتى غير الفَلَك الذي أُنجز في النصف الاول من القرن العشرين.
الفَلَك اليوم هو (فلك فضائي) تعاون الفَلَك والفضاء لانجاز مادة فلكية فضائية علمية دقيقة، مستخدماً اجهزة فلكية ارضية، اشهرها التلسكوبات، واجهزة فلكية فضائية: أقمار صناعية ومركبات فضائية واجهزة اخرى.
وجاءت النتائج أمتن وأدق واكثر إثارة من فلك ما قبل عصر الفضاء، فهو اليوم، اضافة الى رصده السماء من الارض، رصد السماء من السماء (من خارج الغلاف الجوي الارضي)، واجرى تجارب على سطوح بعض الاجرام كالقمر والمِرِّيخ مما لم تُتح في الماضي ولا حتى الماضي القريب.
وهو اليوم فلك لعموم الناس اكثر من أي وقت مضى، فاضافة الى توافر الكتب الفلكية التقليدية، توافرت امام الناس مجلات ونشرات، واشرطة وشاشات تلفزيونية وانترينت ووسائل اخرى، عرضت تفاصيل هائلة عن انجازات العصر الفلكية والفضائية، وبذلك اصبحت المعلومة الفلكية والفضائية متوافرة امام الكل.
والفَلَك اليوم هو نتائج جهود كل الفلكيين والراصدين، منذ عرف الانسان قراءة السماء. انه نتيجة تراكم المعرفة الفلكية المتنوعة. شاركت فيه العصور القديمة والعصر الاسلامي والعصر الحديث، وآخر افرازات القرن العشرين.
وهو فلك لم يلغِ المعرفة الفلكية التقليدية الصحيحة من قاموسه اياً كان مصدرها، إنها -في الحقيقة- موجودة في البناء التحتي للفلك الفضائي، أو هي مفردات ما زالت فاعلة متداولة مع الفَلَك اليوم، لكن قوة الفَلَك الفضائي وبريقه الساطع طغيا على كل ما عداهما من ذلك الفَلَك القديم.
ومع أن هذا الفَلَك هو نتائج كل تاريخ الفَلَك الى القرن العشرين (كما ذكرنا) إلا انه مدين بشكل خاص الى الانجازات الكبيرة التي تحققت في الخمسين سنة (تقريباً) الاخيرة، مدين الى انجازات عصر الفضاء space age.
فمن خلال ما قدمت الاقمار الصناعية والمركبات الفضائية والارصاد البصرية والراديوية المتنوعة، توافرت امام البشرية معلومات فلكية وفضائية هائلة، معلومات جديدة ظهرت لاول مرة، واخرى قديمة اثبتتها أو صححتها الاجهزة الفضائية الحديثة، وثالثة اثبتت الاجهزة خطأها، وألغتها من قاموس الفَلَك والفضاء.
وبذا جاء الفَلَك اليوم متقناً محكماً الى حد كبير، على الرغم من الاسرار والغوامض الهائلة الباقية دون حل.
universe-b
لقد فتح عصر الفضاء الباب الى السماء وأعماقه، فلأول مرة في تاريخ الفَلَك يُطلق قمر صناعي الى الفضاء الخارجي، ففي 4 أكتوبر من سنة 1957م اطلق الروس قمرهم الصناعي (سپوتنك واحد) Sputnik1 في مدار حول الكرة الارضية، ثم تلاه القمر الصناعي الامريكي (اكسبلورر واحد) Explorer1 في مدار حول الكرة الارضية ايضاً (وهذا القمر اكتشف الحزامين الاشعاعيين فان ألِن Van Allen belts)، وتلت هذين القمرين اقمارٌ صناعية اخرى انجزت انجازات مهمة، وساهمت في تطوير دراسة النظام الشمسي، والكون البعيد.
ثم أطلقت مركبات فضائية مأهولة وغير مأهولة لاستكشاف الكواكب السيّارة القريبة، ووصلت ذروتها حينما حطّ الرائدان آرمسترونغ والدرين على سطح القمر، واجريا تجارب وجلبا صخوراً واتربة منه.
ثم تلتها مركبات اخرى للكواكب البعيدة، واشهرها رحلة فوياجير، حيث مرت بالكواكب الاربعة العملاقة المُشْتَري وزُحَل واورانوس ونپتون وعدد من أقمارها، مقدمة معلومات وصوراً مهمة ساهمت بشكل كبير في فهم النظام الشمسي.
ومن خلال المراصد الكبرى البصرية والراديوية والاجهزة الفضائية المتنوعة، عرف عصر الفضاء اجراماً سماوية مثيرة، كالثقوب السوداء black hole، والنجوم النابضة pulsar، واشباه النجوم quasar. ومن خلال الاقمار الصناعية والسوابر المتطورة كشف عصر الفضاء انواعاً من المواد السماوية كالمادة المظلمة dark matter والاشعة الخلفية الدقيقة للكون بواسطة القمر الصناعي كوبي COBE، ومواد كونية اخرى.
وقد ساهم تلسكوب الفضاء هابل (الذي أطلق سنة 1990) مساهمة اساسية في علم الفَلَك الحاضر، من خلال اكتشافه عدداً من المثيرات الكونية منها: اكتشافه وتصويره لمواقع ولادات النجوم، ومنها تركيزه على بقعة سماوية لمدة عشرة ايام متتالية واكتشافه نحو 1500 مجرّة سميت حقل هابل العميق Hubble Deep Field وانجازات يطول تعدادها.
هذه نتف قليلة من انجازات (الفَلَك اليوم). وهي نماذج للانجازات الفلكية الاخرى، التي يحتاج ذكرها الى مساحة كبيرة جداً. وهي في الحقيقة (من جانب آخر) انجازات متواضعة بل ومتخلّفة جداً اذا اخذنا بنظر الاعتبار كل المكونات الهائلة التي يحتويها الكون.
لقد سعى الانسان منذ خلقه اللَّه تعالى الى المزيد من الانجازات، ومنها الانجازات الفلكية، ولكن يده قصيرة وعقله محدود... هكذا قدّر اللَّه له أن يكون، وصدق تعالى في كتابه المجيد: ((وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً)).

بروج السماء
قال تعالى : ( ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين ) وقال سبحانه : ( تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا ) في هاتين الآيتين يطلعنا المصور البارئ على خاصية من خواص السماء الدنيا التي زينها الخلاق العظيم بالكواكب والنجوم والمجرات ووصفها المصور في آية أخرى بالمصابيح ( ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح ) وكلمة مصابيح تشمل كل الأجرام السماوية من نجوم ومجرات عديدة وتشير إلى الفائدة التي تعود علينا من هذه الأجرام وهي إنارة ظلمة الليل وإضافة جمال هادئ إلى سكون الليل وإلى جانب ذلك فهذه المصابيح رتبت في مجموعات لنهتدي بها في ظلمة الليل الحالكة ولنتأملها بعمق ونجول فيها بنظراتنا مرة ومرات لنرى في كل مرة شكلا جديدا أو برجا لم نره من قبل. والبروج التي نعرفها اليوم هي مجموعات من نجوم ليس من الضروري أن يربطها أي علاقة فيزيائية. أي أن أغلب هذه النجوم لا تكون في العادة متقاربة بل ولا تقع في مجموعة نجمية واحدة . فبعض نجوم البرج الواحد قد تكون قريبة نسبيا من الأرض بينما يقع البعض الآخر على مسافة بعيدة نسبيا كل ما نعرفه عن نجوم البرج الواحد أنها تبدو من الأرض في نفس الاتجاه. كما قسم القدماء السماء إلى بروج لسهولة الرجوع إليها ومعرفة النجوم ما زال الفلكيون يستخدمون هذه البروج حاليا لتقسيم النجوم ولتحديد موقعها بحيث يدخل كل نجم في برج واحد فقط وما زالت أهميتها عند الفلكيين وذلك بالرغم من أن العابثين من المنجمين سولت لهم أنفسهم استخدام هذه البروج الجميلة في أطماع رخيصة لابتزاز أموال البسطاء والجهلاء الذين يعتقدون أن مستقبلهم مكتوب في برج معين، ومن العجيب حقا أن نرى في القرن العشرين من لا يزال يعتقد أن حركة النجوم التي يستطيع العلم أن يحسبها بدقة متناهية قد تحمل إليه نبأ ثروة طائلة هذه هي البروج الي لفت الخالق نظرنا إلى جمالها في الآية الكريمة : ( ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين ) ثم أخبرنا بفائدتها في التعرف على الجهات ودراسة النجوم : ( وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر ) ( وعلامات وبالنجم يهتدون ) واخيرا أقسم بها ليعكس لنا أهميتها للإنسان منذ الأزل : ( والسماء ذات البروج ). تعود تسمية الأبراج بأسمائها المعروفة إلى مجموعة من الكوكبات السيارة في الفضاء الكوني والكوكبات اسم يتشابه لفظاً مع اسم الكواكب، مع أن هناك فارق كبير بين طبيعة هذه المسميات، فالكواكب فهي المعرفة لدينا وهي عبارة عن أجرام سماوية مستديرة أو بيضاوية الشكل معتمة يدور حول الشمس في مسارات بيضاوية ويبلغ عددها تسعة كواكب منها كوكبنا الأرض. أما الكوكبات فيُعرفها العلماء على أنها مجموعة من النجوم تتحرك مع بعضها البعض وتكون أشكالاً معينة إذا ما وُصلت ببعضها عبر خطوط وهمية وتأخذ أسماء خيالية بناء على أساطير وعقائد وثنية قديمة مثل كوكبة "الدب الأكبر " والتي ما هي إلا عبارة عن مجموعة من النجوم تُكون معاً صورة لدب كبير، وقد بلغ عدد هذه الكوكبات 88 كوكبة حتى الآن، منها ما يقع في دائرة البروج " ودائرة البروج " عبارة عن دائرة وهمية تسير فيها الشمس في السماء بين النجوم لمدة عام كامل، وعند ذلك تمر بعدد من الكوكبات المعروفة للإنسان منذ القدم وهي الاثنى عشر برجاً التي اعتاد المنجمون الاعتماد عليها في عملهم، حيث تقطع الشمس البرج الواحد في حوالي الشهر، والكوكبات التي تؤلف هذه الدائرة هي :- الحمل – الثور – الجوزاء – السرطان – الأسد – العذراء – الميزان – العقرب – القوس – الجدي – الدلو – الحوت .

المشعوذين والفلك
قسم الفلكيون منذ قرون بعيدة الكرة السماوية إلى عدد من الكوكبات النجمية كي يسهل عليهم تحديد مواقع الأجرام السماوية فمثلا، قسم العالم المسلم " أبو الحسين الصوفي " في كتابه الشهير (صور الكواكب) الكرة السماوية إلى 48 كوكبة. وقدم صورا دقيقة لهذه الكوكبات. أما في العصر الحديث، فقام " الاتحاد الفلكي العالمي " بتقسيم الكرة السماوية إلى 88 كوكبة. والكوكبة عبارة عن : تجمع نجمي وهمي في السماء، ونشير هنا أن النجوم التابعة لكوكبة معينة لا تشكل بالضرورة حشدا نجميا مترابطا بواسطة الجاذبية. فقد تكون هذه النجوم التابعة لكوكبة معينة على مسافات متفاوتة من المشاهد. ولكن من زاوية رؤيته يتوهم المشاهد أن هذه النجوم تشكل تجمعا نجميا. كذلك فإن النجوم التابعة لكوكبة معينة غالبا ما تكون سرعتها الذاتية متفاوتة. مما يعني أنه بعد مرور آلاف السنين قد يطرأ بعض التغير على أشكال هذه الكوكبات. ومن بين الكوكبات الثماني والثمانين هناك 12 كوكبة اشتهرت بين الناس باسم "البروج" . وهذه الأبراج ما هي إلا الكوكبات التي تمر خلالها الشمس في رحلتها السنوية الظاهرة حول الأرض. إذ أن للشمس مدارا ظاهريا حول الأرض يعرف بدائرة البروج. ولكن ما يغقله الكثيرون ومن بينهم ما ينشر في الصحف والمجلات عن " الحظ والأبراج " أن عدد الأبراج حاليا يساوي 13 وليس 12 كما هو شائع بين الناس والسبب في ذلك أن دائرة البروج ليست ثابتة ولكنها تدور نتيجة لترنح محول دوران الأرض حول نفسها لذلك في عصرنا الحالي تمر الشمس خلال 13 منزلا أثناء رحلتها السنوية الظاهرية حول الأرض. وهذا البرج الجديد يسمى " الحوّاء والحيّة " إضافة لهذا فإن تواريخ الأبراج المألوفة بين الناس قد تغيرت أيضا لنفس السبب الذي سبق ذكره. فمثلا الشخص الذي ولد يوم 15 / 10 من المفترض أن يكون من برج الميزان . ولكن في الحقيقة تكون الشمس يوم 15 / 10 في برج العذراء وليست في برج الميزان مما يعني أن شخصية هذا الانسان وفقا لما يقوله المشعوذون الذين يؤمنون بالطالع يدعون أن هناك علاقة بين شخصية الإنسان وبرجه، قد تغيرت في طرفة عين ! فكيف لإنسان عاقل أن يصدق هذا الهراء كما يبين لنا الجدول أن من ولد بين 29 / 11 و 18 / 12 يتبع البرج الجديد " الحوّاء " ولكن المشعوذين الذين يدعون الدراية الفلكية ربما لم تصل إليهم هذه المعلومات بعد.
avatar
طارق فتحي
المدير العام

عدد المساهمات : 2793
تاريخ التسجيل : 19/12/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alba7th.3oloum.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى